سياحة و سفر

أزمة الغاز في دمشق والمحافظات: بين اختناقات التوزيع وتعقيدات الإنتاج والتوزيع

أزمة الغاز في دمشق والمحافظات: بين اختناقات التوزيع وتعقيدات الإنتاج والتوزيع

بقلم هلا يوسف

تستمر أزمة الغاز في دمشق وعدد من المحافظات السورية على الرغم من التصريحات الرسمية ببدء انحسار الأزمة، فقد تحولت هذه الأزمة من مشكلة خدمية إلى عبء يومي يعيشه المواطنون خصوصاً خلال شهر رمضان الذي ترافق مع فصل الشتاء وتغير الأحوال جوية. ومع الحضور الخجول للتوزيع، وارتفاع الأسعار في السوق السوداء، وتضارب التبريرات الرسمية، يجد المواطن نفسه أمام مشكلة معقدة، فلا يمكنه الاعتماد على الكهرباء لغلائها، ولا يمكنه الاعتماد على الغاز لعدم توفره.

في جنوب العاصمة في مخيمي اليرموك وسبينة، تتكرر مشاهد الازدحام أمام سيارات التوزيع. حيث يقضي الأهالي ساعات طويلة بانتظار أسطوانة قد لا تصل، أو تصل متأخرة وبكميات محدودة. بعض السكان يروون أنهم يحضرون منذ الصباح الباكر دون معرفة دقيقة بموعد وصول السيارة، ليفاجؤوا لاحقاً بنفاد الكمية، أو بوجود حالات “واسطة” تسبقهم في الدور. وفي ظل غياب جداول معلنة أو آلية واضحة، تتحول عملية الحصول على الغاز إلى سباق يومي مرهق.

لا تقتصر المشكلة على الطوابير فقط، بل تخطتها إلى الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي، الذي يبلغ 122 ألف ليرة سورية، وسعر السوق السوداء الذي يصل إلى 250 ألف ليرة أو أكثر «في حديث للشارع أجرته سوريا اليوم24، تحدث البعض عن أسعار تجاوز 400 ألف!»، مما فتح الباب أمام المتاجرة غير المشروعة، كما فتح باب التساؤلات حول أسباب توفر الغاز في السوق السوداء في حين عدم توفرها لدى مراكز التوزيع. ويؤكد كثير من الأهالي أن بعض المعتمدين يحتكرون عدداً من الأسطوانات أو يبيعونها لمعارفهم قبل الإعلان عن وصول السيارة، بينما يتم ترك باقي المواطنين في طوابير تنتهي غالباً بعبارة “خلص الغاز”. هذا الواقع دفع شريحة واسعة للجوء إلى بدائل بدائية مثل “بابور الكاز” أو شراء الغاز بالكيلو بأسعار مضاعفة، رغم المخاطر والكلفة المرتفعة.

واقع التوزيع بين الفوضى والطلب المتزايد

لا تقتصر أزمة الغاز الحالية على نقص المادة فقط، بل تبرز العوامل التنظيمية والاقتصادية كأحد أسبابها. فمع إلغاء العمل بنظام “البطاقة الذكية” سابقاً والاتجاه نحو التوزيع الحر، ازدادت شكاوى المحسوبيات وغياب الرقابة الفعالة. ويطالب الأهالي بآلية شفافة تتضمن إعلان جدول يومي مسبق يحدد أماكن وأوقات التوزيع، مع إشراف مباشر من الجهات المعنية وتنظيم الدور لمنع الاحتكار.

يرى الخبير الاقتصادي زياد عربش أن رفع تعرفة الكهرباء بنسب كبيرة أدى إلى إحلال غير مدروس، حيث تحول كثير من المواطنين وأصحاب المحال إلى الغاز بصفته الخيار الأرخص نسبياً، سواء للطهي أو التدفئة أو تسخين المياه. هذا التحول المفاجئ رفع الطلب بشكل حاد، دون وجود كميات كافية في السوق سواء من حيث العرض أو التخزين، مما أدى إلى أزمات متكررة، ازدادت مع تأخر بعض التوريدات بسبب الأحوال الجوية.

بينما أشار رئيس جمعية الغاز سليم كلش إلى أن الظروف الجوية أعاقت في فترات سابقة تفريغ بواخر الغاز في الموانئ، ودعى إلى عدم شراء المادة بأسعار غير نظامية. والجدير بالذكر أن الشركة السورية للبترول كانت قد أعلنت مؤخراً وصول ناقلتي الغاز “GAZ MILANO” و“MARKO MARULIC” إلى مصب بانياس بإجمالي حمولة تقارب 6794 طناً مترياً، في خطوة لتعزيز الإمدادات، غير أن انعكاس ذلك على الأسواق لم يكن فورياً، ما أبقى الأزمة قائمة في العديد من المناطق.

عند التدقيق بالأرقام الخاصة بالاستهلاك اليومي، نجد أن هناك أيضاً مشكلة في الإنتاج والتوريد، فبحسب البيانات يقدر حجم الاستهلاك اليومي من الغاز المنزلي بنحو 1700 طن، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 110 أطنان يومياً من معملي إيبلا وجنوب المنطقة الوسطى. أما سعة التخزين في مصب بانياس فتبلغ نحو 7000 طن، وهي كمية تكفي لأربعة أيام فقط، ما يجعل أي تأخير في وصول التوريدات سبباً مباشراً في حدوث أزمة.

من الآبار إلى الأسطوانة: رحلة معقدة ومكلفة

حتى نفهم جذور أزمة الغاز لا بد من معرفة المراحل التي تمر بها حتى وصولها إلى المواطنين. حيث تبدأ العملية بالاستخراج من الحقول، ثم المعالجة والتنقية لفصل الشوائب. بعد ذلك يبرد الغاز إلى درجات منخفضة جداً ليصبح سائلاً قابلاً للنقل البحري، قبل إعادة تحويله إلى حالته الغازية في محطات الاستقبال، وأخيراً تعبئته في أسطوانات وتوزيعه عبر الشبكات ومراكز التعبئة.

وتتطلب هذه العملية بنية تحتية متكاملة، من معامل معالجة إلى مرافئ ومصبات تخزين وشبكات نقل. إلا أن سنوات الحرب والعقوبات والأضرار الواسعة التي لحقت بالمنشآت الحيوية أضعفت هذه المنظومة بشكل كبير.

فمعمل غاز حيان الذي يقع في ريف حمص الشرقي، والذي دشن عام 2011، بلغت طاقته الإنتاجية 3 ملايين متر مكعب من الغاز الجاف يومياً و180 طناً من غاز البترول المسال. إلا أنه تعرض خلال الحرب لتفجيرات واسعة أدت إلى خروجه من الخدمة. واليوم تجري مفاوضات بين الشركة السورية للبترول وشركة إينا الكرواتية الشريك التقني السابق لإعادة تأهيله، مستفيدة من خبرتها بالمخططات الأصلية للمنشأة. في حال استعاد المعمل لطاقته، يمكن أن يساعد في الإنتاج المحلي ويخفف من الاعتماد على الاستيراد.

أما حقل كونيكو، المعروف محلياً بمعمل الطابية في دير الزور، يعد من أكبر حقول الغاز في البلاد، بطاقة تصميمية تقارب 13 مليون متر مكعب يومياً، بالإضافة إلى إنتاج 450 طناً يومياً من الغاز المسال و5000 برميل من المكثفات. لكن الأضرار التي لحقت به خلال سنوات النزاع أدت إلى توقفه الكامل. وتعمل وزارة الطاقة حالياً على تقييم وضعه تمهيداً لإعادة تأهيله، في خطوة قد تسهم مستقبلاً في تقليل الفجوة بين العرض والطلب.

من ناحية إخرى تلعب مراكز التعبئة دوراً محورياً في عملية إنتاج الغاز وسرعة توزيعه. إذ يعمل مركز تعبئة عدرا في دمشق بطاقة تقارب 75 ألف أسطوانة يومياً عند توفر المادة، فيما يصل عدد الأسطوانات المعبأة يومياً على مستوى البلاد إلى نحو 170 ألف أسطوانة، وهو رقم يبقى عرضة للتذبذب بحسب توافر الغاز الخام.

وتتضمن الخطط المطروحة لإعادة الاستقرار إلى القطاع إعادة تأهيل المعامل المتضررة، وتطوير الحقول المستعادة، وزيادة الاستثمارات، إضافة إلى استئجار خزانات عائمة لتعزيز المخزون الاحتياطي وتفادي أزمات تأخر البواخر.

باختصار، يبدو أن أزمة الغاز هي مشكلة تنطوي على أكثر من سبب، بدءً من محدودية الإنتاج والاعتماد على الاستيراد، وصولاً إلى الخلل في عمليات التوزيع والرقابة. لكن في ظل هذه العوامل يبقى المواطن واقفاً في بلد لطالما عُرف بأنه بلد الطوابير، حاملاً معه أملاً بانفراج كامل قائم على الإصلاح بدلاً من الحلول المؤقتة.

اقرأ أيضاً: لماذا قفز سعر أسطوانة الغاز فجأة؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.