أخبار العالم

إدارة شركات المحاماة: قبل أن تكبر

إدارة شركات المحاماة: قبل أن تكبر

د. بشر ياقتي – إدارة شركات المحاماة: قبل أن تكبر

في سلسلة مقالات خاصة “بسوريا اليوم24″، يشرح الدكتور بشر ياقتي، حامل الدكتوراه في القانون والأنظمة مفاهيم مترابطة عن المحاماة والشركات القانونية المؤسساتية. وبخصوص “إدارة شركات المحاماة: قبل أن تكبر”: حين يُطرح مثل هذا الموضوع فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو مجموعة من الإرشادات العامة التي قد تصلح للبعض ولا تنطبق على الآخرين، وغالباً ما تكون هذه القواعد مرتبطة بحجم الكيان أو عدد العاملين فيه وكأن الإدارة تتغير جذرياً بتغير الحجم؛ بينما الحقيقة أن جوهر الإدارة لا يتبدل بل تتغير أدواتها فقط، والمشكلة ليست في كِبر الكيان أو صِغره بل في مدى وضوح الطريقة التي يُدار بها؛ إذ يمكن لكيان صغير أن يعاني من فوضى كبيرة، كما يمكن لكيان أكبر أن يعمل بانضباط عالٍ، ولذلك فإن الحديث هنا لا ينبغي أن يكون عن «نصائح عابرة»، بل عن مرتكزات إدارية ثابتة إذا وُجدت استقر العمل وإذا غابت ظهرت الاضطرابات بغض النظر عن حجم الكيان أو مرحلته.

وحتى نستوفي ملامح هذه المرتكزات، فلا بد من التوقف عند الجوانب التالية:

الجانب الأول: وضوح النموذج التشغيلي

فلا يكفي أن يعمل الكيان القانوني بل يجب أن يكون واضحاً «كيف يعمل»! فوضوح النموذج التشغيلي يعني معرفة مسار العمل من بدايته إلى نهايته، من دخول العميل إلى تقييم قضيته إلى تنفيذ العمل إلى إغلاق الملف، والمشكلة أن كثيراً من الكيانات تعمل دون هذا الوضوح، حيث تُدار القضايا بشكل متفرق، وكل حالة تُعالج بطريقة مختلفة، مما يؤدي إلى تفاوت في الأداء وصعوبة في المتابعة، ومع الوقت يصبح العمل معقداً دون سبب واضح.

إن غياب النموذج التشغيلي لا يظهر كخلل مباشر؛ بل يتسلل على شكل تأخير أو سوء تنسيق أو اعتماد مفرط على أشخاص معينين بينما الحل يكمن في رسم مسار واضح للعمل حتى لو كان بسيطاً بحيث يعرف كل من في الكيان ماذا يحدث قبل عمله وبعده، وهو ما يحول العمل من اجتهاد فردي إلى منظومة يمكن فهمها وتطويرها.

الجانب الثاني: ضبط الأولويات وتجنب الاستنزاف

العمل القانوني بطبيعته مليء بالمهام، لكن ليست كل المهام متساوية في الأهمية، والمشكلة أن كثيراً من الممارسين ينشغلون بكل ما يأتيهم دون تمييز فيضيع الجهد في أعمال لا تضيف قيمة حقيقية، ويُستنزف الوقت في تفاصيل كان يمكن تنظيمها أو تفويضها، ومع تزايد الضغط يشعر المحامي أنه يعمل كثيراً دون نتائج تعكس هذا الجهد.

هذا الخلل ناتج عن غياب وضوح الأولويات، حيث يتم التعامل مع كل مهمة على أنها عاجلة ومهمة في الوقت ذاته، بينما الحل يكمن في إعادة ترتيب العمل وفق تأثيره وليس وفق ظهوره، أي التركيز على الأعمال التي تؤثر في جودة الخدمة أو في استقرار الكيان وتأجيل أو تنظيم ما عداها، فالإدارة الناجحة لا تعني إنجاز كل شيء بل تعني إنجاز ما يجب إنجازه في الوقت المناسب.

الجانب الثالث: إدارة الوقت القانوني كأصل

الوقت في شركات المحاماة ليس مجرد مورد يمكن تعويضه، بل هو الأصل الحقيقي الذي تُبنى عليه القيمة، فكل استشارة وكل مرافعة وكل مراجعة تعتمد في جوهرها على وقت يُستثمر، والمشكلة أن هذا الوقت يُهدر في كثير من الأحيان دون وعي سواء في أعمال غير منظمة أو في تكرار نفس الجهد أو في سوء توزيع المهام.

ويظهر هذا الهدر بشكل واضح عند الضغط، حيث تتراكم الأعمال، ويضيع الوقت في محاولة اللحاق بها دون معالجة أصل المشكلة وهو غياب إدارة الوقت كعنصر استراتيجي، والحل لا يكون فقط في تنظيم المواعيد بل في إعادة النظر في كيفية استخدام الوقت من خلال تقليل التكرار وتوحيد الإجراءات وتوزيع العمل بشكل متوازن بحيث يصبح الوقت مستثمراً لا مستنزفاً.

الجانب الرابع: بناء حد أدنى من النظام

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن الأنظمة والإجراءات تليق فقط بالكيانات الكبيرة؛ بينما الحقيقة أن غياب النظام هو ما يمنع الكيان من النمو أصلاً، فحتى أبسط الأعمال تحتاج إلى طريقة واضحة تُنفذ بها، وحقيقة أن كثيراً من الكيانات تعتمد على «الذاكرة» أو «الخبرة الشخصية» دون توثيق أو تنظيم غالباً ما يجعل العمل عرضة للخطأ أو النسيان أو التفاوت في الجودة.

إن بناء حد أدنى من النظام لا يعني التعقيد بل يعني وجود قواعد أساسية للعمل مثل طريقة استقبال العملاء أو آلية متابعة القضايا أو أسلوب توثيق العمل، وهذه الخطوات البسيطة تخلق استقراراً كبيراً، وتمهد لأي توسع مستقبلي، فالنظام لا يأتي بعد النمو بل هو الذي يصنعه.

الجانب الخامس: إدارة العلاقة مع العميل بوعي

العلاقة مع العميل لا تقتصر على تقديم الخدمة القانونية بل تشمل إدارة توقعاته وتوضيح ما يمكن تقديمه وما لا يمكن، وتنظيم التواصل بشكل يمنع سوء الفهم أو التوتر، وكثير من الإشكالات عادةً لا تكون بسبب ضعف العمل القانوني بل بسبب ضعف إدارة العلاقة مع العميل كالتأخير في الرد أو عدم وضوح المسار أو اختلاف التوقعات، وهذا الخلل يؤدي إلى فقدان الثقة حتى لو كانت الخدمة جيدة، وإذاً لا بد من بناء أسلوب واضح للتعامل مع العملاء من حيث التواصل والتحديث وتوضيح الخطوات بحيث يشعر العميل أنه ضمن منظومة واضحة لا مجرد تفاعل عشوائي، وهو ما يرفع من مستوى الاحتراف ويقلل من الاحتكاك.

الجانب السادس: الانضباط المالي المبكر

من أكثر الأخطاء خطورة تأجيل ضبط الجانب المالي بحجة أن الكيان ما زال صغيراً، حيث يتم التسعير بشكل عشوائي أو يتم التغاضي عن التحصيل أو لا يتم تتبع الإيرادات والمصروفات بدقة، ومع الوقت تتراكم هذه الفوضى ويصعب تصحيحها.

المال في شركات المحاماة ليس نتيجة فقط بل هو جزء من الإدارة، ويجب التعامل معه منذ البداية بوعي وانضباط من خلال تحديد آلية تسعير واضحة، ومتابعة التحصيل، وفهم التدفقات المالية، لأن غياب هذا الانضباط يؤدي إلى عمل كبير بعائد غير واضح وهو من أخطر ما يمكن أن يواجه أي كيان.

الجانب السابع: التفكير بالنمو منذ البداية

حتى وإن لم يكن التوسع هدفاً حالياً، فإن طريقة بناء الكيان يجب أن تراعي إمكانية النمو لأن إعادة البناء لاحقاً تكون أكثر تكلفة وتعقيداً، ومن يتأمل الوضع يجد أن كثيراً من الكيانات تُبنى لتناسب الوضع الحالي فقط دون النظر إلى المستقبل مما يجعلها غير قادرة على التوسع عند توفر الفرصة.

وحين نتحدث عن التفكير بالنمو فلا يعني التوسع الفوري بل يعني بناء العمل بطريقة قابلة للتكرار والتطوير سواء في الإجراءات أو في توزيع المهام أو في إدارة القضايا، بحيث يمكن إضافة عناصر جديدة دون أن ينهار النظام، وهذا ما يميز الكيانات القابلة للاستمرار عن غيرها.

كل ما سبق لا يمثل نصائح عابرة بل هو إطار إداري يمكن تطبيقه في أي كيان قانوني، بغض النظر عن حجمه، لأن جوهر الإدارة لا يتغير وإنما تتغير تفاصيله مع الوقت، فالإدارة ليست ترفاً يُضاف عند التوسع بل هي الأساس الذي يُبنى عليه منذ البداية لضمان الاستمرار والتوازن.

للملاحظات والمقترحات:
bisher.sa@gmail.com

د. بشر:
دكتوراه في القانون والأنظمة… يهدف الدكتور بشر من خلال هذه المساهمات إلى تقديم قراءات تحليلية معمقة في الشأن القانوني والاستشاري، بما يخدم شريحة المحامين والمستشارين والمهتمين.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني إدارة شركة محاماة؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.