الكاتب: أحمد علي
واحدة من القضايا الأساسية التي كانت ومازالت محور النقاش في سوريا بعد سقوط بشار الأسد هي قضية النفط وموارد البلاد، رغم أن النفط وحده لا يعيد بناء بلد أنهكته الحرب، لكنه بصورة أو بأخرى يكشف علاقة الدولة بالموارد والخدمات والعدالة في توزيعها. حين تتعطل المصافي أو تتبدل السيطرة على الحقول، يظهر الأثر على الكهرباء والتدفئة والنقل، ثم يتحول إلى ضغط على أي سلطة جديدة.
يضع هذا التقرير حساباً لقيمة النفط، ويقارن بين مرحلة كانت فيها أغلب الحقول خارج إدارة دمشق ومرحلة بدأت فيها الحكومة استعادة مناطق كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. ويعتمد التقرير على مصادر ويشرح حدود اليقين وحدود التقدير، لأن بيانات النفط السورية ظلت لسنوات متداخلة مع تجارة غير رسمية.
إنتاج النفط في سوريا اليوم
حتى أواخر كانون الثاني 2026 تتداول المصادر رقمين. الأول إنتاج فعلي يُقال إنه يدور قرب 100 ألف برميل يومياً وفق تصريح منسوب لوزير الطاقة محمد البشير نقلته وسائل إعلام. والثاني هو القدرة، أي السقف التقني لما يمكن الوصول إليه إذا عملت الحقول والبنى الناقلة بلا اختناقات. وقدّر تقرير لرويترز في 27 نوفمبر 2025 القدرة الكلية بنحو 130 ألف برميل يومياً.
المقارنة مع ما قبل الحرب تشرح حجم الفجوة. إذ تشير المعطيات إلى أن سوريا كانت تصدر نحو 380 ألف برميل يومياً في 2010، وكان يساهم في 20 إلى 25 في المئة من إيرادات الدولة. وبين هذه الأرقام وما يُتداول اليوم، تقف سنوات الحرب والعقوبات وتفكك السيطرة.
قبل استعادة الشرق النفطي
قبل استعادة مناطق كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، كان النفط موزعاً بين سلطات أمر واقع. يقدّر تقرير “سوريا بالأرقام” الصادر عن مؤسسة كرم شعار في كانون الثاني 2025 أن قوات سوريا الديمقراطية تنتج نحو 86 في المئة من نفط البلاد، تاركة للدولة نحو 14 في المئة. وهذا يعني أن الدولة ورثت مؤسسات طاقة لا تتحكم بالجزء الأكبر من الخام، واضطرت إلى الاعتماد على الاستيراد أو على ترتيبات شراء من خارج منظومتها.
التقرير نفسه يشير إلى أن مناطق النظام السابق كانت تستورد بعد 2012 نحو 95 في المئة من احتياجاتها من النفط، مع عجز عن تلبية كامل الطلب. وعلى مستوى التكرير، يذكر أن إنتاج مصفاتي حمص وبانياس في 2022 لم يتجاوز 50 ألف برميل يومياً وفق بيانات من منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، مقابل طاقة مشتركة كانت تقارب 240 ألفاً في 2010.
وهنا يصبح مفهوماً لماذا كانت أزمة المشتقات تظهر حتى عندما يتوفر خام عبر قنوات غير مستقرة.
ما بعد استعادة الشرق
المنعطف جاء في كانون الثاني الجاري 2026. إذ سيطرت الحكومة السورية على عدة حقول بينها حقل العمر، الأكبر في البلاد، وعلى مجمع كونوكو للغاز، بعد اتفاق لوقف إطلاق النار وافقت بموجبه قوات سوريا الديمقراطية على التخلي عن السيطرة في دير الزور والرقة والحسكة.
لكن السيطرة لا تعني عودة سريعة للإنتاج. والخبراء يتحدثون اليوم أن التعافي سيكون تدريجياً بسبب ضرر المعدات وخطوط الأنابيب وبسبب آثار استخراج غير منظم خلال سنوات الحرب، ورجحوا أن يكون الغاز أسرع تعافياً لارتباطه المباشر بتوليد الكهرباء.
فما تغيّر فوراً هو مركز القرار، أما ما لم يتغير بعد فهو الحاجة لاستثمارات وإدارة شفافة كي تصبح الأرقام خدمات.
كم يساوي هذا النفط
حساب القيمة يبدأ من سعر مرجعي. في 27 كانون الثاني 2026 كان سعر خام برنت نحو 65.24 دولاراً للبرميل وفق Trading Economics، أي نحو 7,538 ليرة جديدة للبرميل. إذا اعتمدنا إنتاج النفط في سوريا بنحو 100 ألف برميل يومياً، فالقيمة للإنتاج اليومي تقارب 6.52 ملايين دولار، أي نحو 2.38 مليار دولار سنوياً.
وإذا اقترب الإنتاج من سقف القدرة البالغ 130 ألف برميل يومياً كما أوردته رويترز، ترتفع القيمة بنحو الثلث.
بالليرة السورية تتداخل مسألة تغيير الفئات، وبالاعتماد على سعر صرف يقارب 115.55 ليرة جديدة للدولار كما يظهر في Trading Economics، تعادل قيمة 6.52 ملايين دولار يومياً نحو 754 مليون ليرة جديدة، أو نحو 75.4 مليار ليرة قديمة يومياً.
أما الحاجة المحلية، فليست رقماً ثابتاً لكنها تساعد على تقدير الفائض. ينشر Worldometer أن الاستهلاك كان بحدود 123,817 برميلاً يومياً في 2024. وإذا استُخدم الرقم كمؤشر، فإن إنتاجاً قرب 100 ألف برميل يعني عجزاً نظرياً بنحو 23.8 ألف برميل يومياً. وأي فائض محتمل سيبقى مرتبطاً بقدرة التكرير والمخزون لا بإنتاج الخام وحده.
مصفاتا حمص وبانياس اليوم
قدرة التكرير هي ما يحدد ما يصل إلى محطات الوقود وما يدخل محطات الكهرباء. رويترز نقلت أن مصفاة بانياس كانت تعمل في كانون الأول 2025 عند 95 ألف برميل يومياً بسبب تدهور بعض المرافق. ويعني ذلك أن جزءاً من الأزمة صار تقنياً مرتبطاً بإعادة التأهيل وقطع الغيار، وأن أي زيادة في إنتاج النفط في سوريا ستبقى محدودة الأثر ما لم تستطع المصافي تحويل الخام إلى مشتقات تُوزَّع بانتظام.
في المقابل تظهر أهمية الإمدادات الخارجية، ففي أيلول 2025 وافقت السعودية على تزويد سوريا بنحو 1.65 مليون برميل من الخام كمنحة لدعم تشغيل المصافي. ومن جهة الكهرباء، ينقل تقرير كرم شعار تقديراً للقدرة المتاحة بنحو 2,200 ميغاواط، وهو ما يوضح أن نقص الوقود يحد من تشغيل المحطات حتى عندما تكون البنية قائمة.
لكن الآفاق القريبة تبدو تدريجية، إذ تتوقع «وود ماكنزي» بدء تعاف في 2026 عبر إصلاحات منخفضة الكلفة في الآبار والمرافق، على أن يعتمد النمو الأكبر على الاستثمار والتقنية وفتح مسارات التسويق.
ختاماً، بالتأكيد تغيّر المشهد بعد استعادة الحقول لأن مركز التحكم بالحقول اقترب من الدولة، لكن الحكم على النجاح مرتبط بتحويل أرقام إنتاج النفط في سوريا إلى كهرباء ووقود، وبمدى الشفافية في إدارة المورد لاحقاً.
اقرأ أيضاً: بعد إلغاء مصفاة حمص.. ما مصير الموظفين الحكوميين؟ سوريا اليوم24 سألت عن الأمر