الكاتب: أحمد علي
تتداخل في الملف السوري طبقات الخبر الصلب مع ظلال الرسائل التي تحملها كل رواية أمنية، لأن الأمن في سوريا اليوم ليس مجرد إجراءات وحواجز بل مزيج متحرك من تهديدات عابرة للحدود وتحالفات إقليمية ومسارات انفتاح دولي متدرج. ولهذا يجد القارئ نفسه أمام سؤالين متلازمين كلما ظهرت حكاية عن اغتيال أو حماية شخصية سياسية. ماذا نعرف فعلاً من تسريب ما أو تصريح قابل للتحقق؟، ولماذا تُصاغ الحكاية بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت تحديداً؟
هذا التوتر بين المعرفة والظن عاد إلى الواجهة مع تسريب نُسب إلى رويترز عن تواصل استخباراتي تركي بريطاني يتعلق بحماية الرئيس السوري أحمد الشرع من تهديدات اغتيال، ثم نفي تركي سريع، وبين الروايتين مساحة واسعة من القراءة التي لا تتبنى ولا تتهم، بل تحاول تفكيك المعاني المحتملة لما يُنشر وكيف يُستخدم.
تسريب رويترز عن سوريا
تقول الرواية المتداولة إن رويترز نقلت عن خمسة أشخاص مطلعين أن جهاز الاستخبارات التركي طلب من نظيره البريطاني إم آي 6 توسيع دوره في حماية الرئيس السوري أحمد الشرع بعد ما تم وصفه بأنه قلق متزايد من مخططات اغتيال. وتضيف الرواية أن تفاصيل الطلب لم تكن واضحة حتى داخل النص المنشور، كما أشارت المادة الصحفية إلى أن مؤسسات تركية وبريطانية وسورية لم تقدم تعليقاً قبل النشر، ثم جاء النفي التركي بعد نشر التقرير.
في المقابل قدّم النفي نفسه مادة للتحليل، لأنه لم يأت فقط بصيغة عامة، بل بصفته رداً مباشراً على مضمون محدد، وهو ما التقطته وسائل إعلام تركية رسمية وشبه رسمية عبر الإشارة إلى مركز مكافحة التضليل التابع لرئاسة الاتصالات، الذي وصف الادعاء بأنه غير صحيح.
هنا يصبح السؤال المهني أقل ارتباطاً بمن نصدق، وأكثر ارتباطاً بتحديد ما الذي يعنيه ظهور تسريب من هذا النوع في الإعلام الدولي ثم نفيه رسمياً، وكيف يمكن أن يتعايش السردان داخل الفضاء العام من دون أن يملك الجمهور أدوات تحقق حاسمة، وهي سمة معتادة في أخبار الاستخبارات بالتحديد.
عامل إضافي يزيد التعقيد أن رويترز نفسها تشرح في أدبياتها المهنية أنها قد تلجأ إلى مصادر غير مسماة عندما تكون المعلومة ذات مصلحة عامة ولا يمكن الحصول عليها على السجل، مع التأكيد على أن مسؤولية الدقة تبقى على عاتق المؤسسة الصحافية، وهو معيار لا يحسم صحة واقعة بعينها لكنه يفسر لماذا تتكرر صيغة مصادر مطلعة في ملفات الأمن.
حقائق يمكن تتبعها علناً
إذا ابتعدنا خطوة عن تفاصيل الطلب المزعوم نفسه، تظهر أمامنا طبقة من الوقائع القابلة للتتبع عبر وثائق دولية وبيانات حكومية. تقرير للأمين العام للأمم المتحدة حول تهديد تنظيم داعش، أعده مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب ورفع إلى مجلس الأمن، يصف الوضع الأمني في سوريا بأنه هش، ويذكر أن الرئيس أحمد الشرع عُد هدفاً ذا أولوية، وأن خمس محاولات اغتيال استهدفت الرئيس ووزيري الداخلية والخارجية أُحبطت خلال عام 2025، مع الإشارة إلى استهداف الشرع في حلب ودرعا من جماعة قُيّمت بوصفها واجهة لداعش.
التقرير نفسه يضع هذه المخاطر داخل صورة أوسع عن استمرار خلايا التنظيم في تنفيذ هجمات ضد قوات أمنية، وتقدير وجود نحو ثلاثة آلاف مقاتل للتنظيم عبر العراق وسوريا، كما يلفت إلى ملف مخيمي الهول وروج حيث بقي أكثر من 25 ألف شخص مرتبطون بالتنظيم أو بعلاقات عائلية معه، وتظهر بينهم نسبة كبيرة من الأطفال، وهي معطيات تمزج السياسي بالأمني والإنساني وتساعد على فهم حساسية الحديث عن الاغتيالات وحماية القيادات.
ومن الوقائع القابلة للتحقق أيضاً أن التواصل السوري البريطاني في ملفات أمنية بات يُذكر علناً، إذ نقلت وكالة سانا أن مبعوثة بريطانيا الخاصة إلى سوريا: آن سنو، ناقشت في دمشق مع نائب وزير الداخلية عبد القادر طحان ما سُمي تعزيز التعاون الأمني وبناء القدرات ومكافحة الإرهاب، وهو سياق يجعل ذكر لندن في نقاشات الأمن السوري أقل غرابة حتى لو بقيت الأدوار التفصيلية خارج العلن.
كما أن مسار الانفتاح الغربي على دمشق الجديدة يظهر في قرارات معلنة مثل رفع بريطانيا الحظر عن هيئة تحرير الشام بما يسمح بتوسيع التواصل مع الحكومة السورية الجديدة، وإعلان الولايات المتحدة رفع اسم الشرع عن قوائم عقوبات محددة بعد خطوات في مجلس الأمن، وهي قرارات سياسية رسمية لا تتصل مباشرة بحماية شخصية لكنها تشرح لماذا يصبح حضور العواصم الغربية في المشهد السوري أكثر وضوحاً.
تقاطع أنقرة ولندن الأمني
فهم فرضية تواصل استخباراتي تركي بريطاني لا يحتاج إلى سرديات مغلقة، لأن تركيا والمملكة المتحدة دولتان عضوَتان في حلف شمال الأطلسي، وتلتقيان ضمن شبكة تعاون أمني أوسع تتداخل فيها مكافحة الإرهاب وإدارة تدفقات الهجرة والاستقرار الإقليمي.
ومن منظور دراسات الاستخبارات، تُوصف العلاقات بين الأجهزة عبر مفهوم الارتباط أو التنسيق الدائم، حيث تُدار المصالح عبر قنوات تبادل معلومات وتقدير تهديدات وتقاسم أعباء، مع بقاء الحذر سيد العلاقة لأن كل طرف يحمي مصادره وأولوياته ويحسب كلفة انكشافه.
هذه الخلفية تساعد على تفكيك سؤال يتردد في النقاش العام، هل يعني أي طلب دعم من لندن أن أنقرة غير قادرة أو تنتظر مساعدة خارجية لحماية دمشق. في الواقع قد يكون المعنى أقل درامية بكثير، فطلب مشاركة تقنية أو تحليل تهديدات أو تنسيق قنوات مراقبة لا يساوي اعترافاً بالعجز، بل قد يكون تجسيداً لمنطق تقاسم المخاطر عندما يكون التهديد متعدد المسارات ويغذي نفسه عبر شبكات عابرة للحدود.
وفي نص رويترز نفسه ترد إشارات إلى أن طبيعة الطلب لم تكن واضحة، وأن فكرة وجود حضور بريطاني مادي في دمشق طرحت بوصفها شديدة الحساسية والمخاطر، وهو ما يبقي النقاش في دائرة الاحتمال لا التأكيد.
لماذا تتكاثر التسريبات الأمنية
عندما تظهر رواية أمنية في الإعلام فإنها لا تكون دائما نتاج كشف صحافي محض، لأن التسريب في الأدبيات القانونية والسياسية يوصف أحياناً بأنه أداة تستخدمها مؤسسات الدولة وأطرافها لتحقيق مصالح متداخلة، مثل اختبار ردود الفعل، أو إرسال إشارات ردعية، أو تبرير خيارات سياسية، أو حتى إدارة تنافس داخلي بين مؤسسات.
ضمن هذا المنطق يمكن قراءة تسريب رويترز عن سوريا كحكاية قد تحمل وظيفة إضافية إلى جانب نقل معلومة، حتى لو بقيت معلومة غير قابلة للحسم العلني.
الوظائف المحتملة متعددة ولا يلزم تبني واحدة منها. قد يكون التسريب وسيلة لإبراز أن حماية الشرع واستقرار السلطة يُنظر إليهما كأولوية لدى حلفاء يرون في ذلك سداً أمام عودة الفوضى، وقد يكون أيضاً طريقة لإعادة وضع خطر داعش في قلب النقاش الدولي حول سوريا لزيادة مبررات التعاون الأمني ونزع جزء من الحساسية السياسية عن ذلك التعاون.
وتلتقي هذه القراءة مع ما يورده تقرير الأمم المتحدة عن أولوية استهداف الشرع، كما تلتقي مع الإشارة في نص رويترز إلى أن داعش صعّدت خطابها وعملياتها واعتبرت الشرع خصماً أساسياً.
وفي الاتجاه المقابل قد يُفسَّر النفي التركي كجزء من إدارة الانطباع العام، لأن الاعتراف بطلب حماية من جهاز أجنبي قد يخلق كلفة سياسية داخلية أو إقليمية، خصوصاً في لحظة يتفاوض فيها اللاعبون على حدود النفوذ في دمشق ومعنى السيادة الأمنية.
سيناريوهات متعددة
تحت سقف الحياد يمكن طرح عدة سيناريوهات لتفسير ما جرى من دون تحويلها إلى أحكام. السيناريو الأول أن يكون تسريب رويترز عن سوريا التقط تواصلاً حقيقياً طلبت فيه أنقرة دعماً تنسيقياً أو تقنياً من لندن، وهو دعم قد يقتصر على تبادل معلومات وتحليل تهديدات وخبرات حماية قريبة، لا على نقل قوات أو واجبات ميدانية، وهذا السيناريو ينسجم مع ما تقوله رويترز نفسها عن غموض طبيعة الطلب وعدم وضوح ما إذا اتخذت بريطانيا خطوات جديدة.
السيناريو الثاني أن تكون هناك واقعة صحيحة جزئياً صيغت بلغة توحي بما هو أكبر من واقعها، فاجتماعات تعزيز التعاون الأمني المعلنة قد تتضمن نقاشات عامة حول حماية المسؤولين وبناء المؤسسات من دون أن تصل إلى مستوى طلب مباشر من إم آي 6، وهنا قد يصبح النفي التركي اعتراضاً على صياغة محددة أو على إيحاءات سياسية، لا نفياً لوجود تواصل أو تعاون من حيث المبدأ، وهو احتمال ينسجم مع كون أنقرة تؤكد عادة تعاونها الدولي في مكافحة الإرهاب مع رفضها ما تعده معلومات غير دقيقة.
السيناريو الثالث أن يكون التسريب مقصوداً بحد ذاته كأداة تموضع ورسالة إلى أكثر من طرف، خاصة أن نص رويترز ألمح إلى رغبة في إدخال حضور غربي يحقق نوعاً من العازل بين أجهزة متوترة، وهي فكرة تبقى في نطاق تقدير مصدر منسوب لا في نطاق حقيقة مثبتة، لكنها تشرح كيف يمكن لمعلومة عن الحماية أن تتحول إلى رسالة سياسية عن إدارة التوازنات.
أما السيناريو الرابع فهو أن تكون القصة جزءاً من ضجيج معلوماتي تتداخل فيه التسريبات مع التوقعات والشائعات، وعندها يصبح معيار القارئ هو المقارنة بين الخبر وبين الأدلة المتاحة من تقارير أممية وبيانات رسمية ومسار قرارات الانفتاح الدبلوماسي والعقابي، لا الاكتفاء بإيقاع العنوان وحده.
خلاصة قراءة بين السطور
الخلاصة أن تسريب رويترز عن سوريا يذكّر بأن الخبر الأمني لا يُقرأ كجملة منفصلة، بل كقطعة داخل لوحة أكبر تُنتجها أجهزة دول وحسابات جماعات عنيفة ومؤسسات إعلامية تعمل تحت ضغط السبق والتحقق في آن واحد.
الموقف الأكثر مهنية هو الاعتراف بما لا يمكن حسمه علناً، من دون إنكار ما هو موثق عن استمرار تهديدات داعش ومحاولات الاغتيال في بيئة أمنية هشة، فاستقرار سوريا لا يتوقف على حماية فرد بقدر ما يتوقف على بناء مؤسسات أمنية خاضعة للمساءلة وتعاون دولي يمكن تتبع حدوده قانونياً وسياسياً، وكلما اتسعت مساحة الوقائع المعلنة ضاقت مساحة التسريب وقلت قابليته لتوجيه الوعي العام.
اقرأ أيضاً: ترامب وغيره.. لماذا يريدون احتكار الفضل في رئاسة سوريا؟
اقرأ أيضاً: «الملك هو الملك».. فماذا عن سؤال «المَلكية» في سوريا؟!