الكاتب: أحمد علي
لا تبدأ مشكلة الطفل اليتيم من ورقة ناقصة في ملف رسمي، بل تبدأ أبكر من ذلك. تبدأ حين يصبح الطفل معروفاً عند جهة، وغائباً عن جهة أخرى، وحاضراً في سجل إغاثي لا يعرف عنه إلا اسمه وعمره ومكان إقامته. عند هذه النقطة، لا تعود الكفالة وحدها كافية، ولا يكفي أن توجد النية الحسنة. المطلوب أن يعرف النظام كله أين يقف الطفل، وما الذي وصله، وما الذي لم يصله بعد.
السؤال المطروح حول الأيتام في سوريا ليس سؤال تعاطف فقط. هذا جزء من الصورة، لكنه ليس الصورة كلها. السؤال الأوسع هو كيف يتحول الدعم من مبادرات متفرقة إلى حماية منتظمة، وكيف يمكن لمنصة وطنية أن تجمع المعلومات من دون أن تحوّل الطفل إلى رقم بارد، أو تفتح باباً جديداً من أبواب الإقصاء والخطأ.
الأيتام في سوريا بين الحاجة الظاهرة والرقم الغائب
تظهر حاجة الأيتام في سوريا داخل أزمة إنسانية أوسع بكثير من أي ملف منفرد. في خطة اليونيسف للعمل الإنساني من أجل الأطفال لعام 2025، ورد أن 16.7 مليون شخص في سوريا كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينهم 7.5 ملايين طفل، إضافة إلى 7.24 ملايين نازح داخلياً. هذه أرقام عامة، لكنها ضرورية لفهم الإطار الذي يتحرك داخله ملف اليتم والرعاية.
لا تقول هذه الأرقام كم طفلاً يتيماً في البلاد. ولا تقدم المصادر الرسمية والإنسانية المتاحة رقماً وطنياً موحداً ومحدثاً يمكن الاستناد إليه بثقة كاملة. وهذه ليست ملاحظة تقنية عابرة. غياب الرقم يعني أن التعريفات ليست موحدة، وأن الجهات المختلفة قد لا تتحدث عن الفئة نفسها عندما تستخدم كلمة يتيم.
هناك طفل فقد والده. وهناك طفل فقد والدته. وهناك من فقد كليهما. وهناك طفل لم يفقد والديه قانونياً، لكنه منفصل عن أسرته أو فاقد للرعاية الفعلية. وهناك أسرة فقدت المعيل، فصار الطفل داخلها معرضاً للانقطاع عن المدرسة أو للعمل المبكر أو لضعف التغذية. الخلط بين هذه الحالات يريح اللغة، لكنه يربك القرار.
من هنا تبدأ أهمية المنصة الوطنية. ليست مهمتها أن تقول إن لدينا عدداً أكبر أو أقل من الأطفال. مهمتها الأولى أن تمنع اختلاط الحالات، وأن تضع لكل طفل توصيفاً دقيقاً لحاجته، لا توصيفاً عاماً لحالته.
منصة وطنية أم سجل جديد فوق السجلات؟
المنصة الوطنية لا تصبح حلاً لأنها وطنية فقط. قد تكون خطوة إلى الأمام، وقد تكون عبئاً جديداً إذا لم تُبن على قواعد واضحة. فالمشكلة في سوريا ليست نقص السجلات وحده، بل كثرتها المنفصلة. جمعية تمتلك قائمة، ومنظمة تمتلك أخرى، ومديرية محلية تجمع أسماء، وبرنامج نقدي يستخدم نموذجاً مختلفاً، ومركز صحي يرى جزءاً من القصة، ومدرسة ترى جزءاً آخر.
كل جهة تعمل من موقعها. وليس من الدقة اعتبار هذا التعدد دليلاً على فوضى متعمدة. في أحيان كثيرة، تفرض الاستجابة السريعة بناء سجل سريع. لكن السجلات السريعة، حين تطول الأزمة، تصبح واقعاً قائماً. وعندئذ يبدأ الخلل المعروف. طفل يحصل على دعم متكرر لأنه ظاهر في أكثر من قاعدة بيانات، وطفل آخر لا يحصل على شيء لأنه انتقل من محافظة إلى أخرى، أو لأن اسمه سُجل بطريقة مختلفة، أو لأن وثائقه ناقصة.
في شباط 2026، أعلنت وكالة سانا عن ورشة فنية عالية المستوى في دمشق حول حوكمة البيانات والحماية الاجتماعية، نظمتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون مع منظمات دولية، بينها البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف ومنظمة العمل الدولية. وركزت الورشة، بحسب ما نشر، على إطار موحد لحوكمة البيانات، ورسم خرائط البيانات، ومعايير الحماية، وقابلية التشغيل البيني، والتنسيق المؤسسي.
هذا المسار لا يخص الأيتام وحدهم، لكنه يمسهم مباشرة. فكل خلل في الحماية الاجتماعية يضرب الفئات الأضعف أولاً. وإذا كانت البيانات غير مترابطة، فإن اليتيم أو فاقد الرعاية قد يدفع الثمن مرتين. مرة حين لا يصل إليه الدعم، ومرة حين يُحسب خطأً ضمن فئة لا تعبّر عن حاجته.
البيانات لا تحمي وحدها
هناك ميل سهل إلى الاعتقاد بأن جمع البيانات يساوي حل المشكلة. هذا غير دقيق. البيانات قد تساعد، وقد تضلل. وقد تحمي الطفل، وقد تعرضه للخطر إذا جُمعت بلا ضوابط أو شاركتها جهات لا تحتاج إليها. الطفل اليتيم ليس ملفاً مفتوحاً، ومعلوماته ليست مادة دعائية، وصورته ليست وثيقة لجذب التبرعات.
تعرّف إرشادات اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات مسؤولية البيانات في العمل الإنساني بوصفها إدارة آمنة وأخلاقية وفعالة للبيانات الشخصية وغير الشخصية من أجل الاستجابة العملياتية. وتوضح إرشادات أوتشا المحدّثة في كانون الثاني 2025 أن إدارة بيانات الأزمات والأشخاص المتأثرين والعمليات الإنسانية تساعد المجتمع الإنساني على الاستجابة بكفاءة أكبر. هذه العبارات تبدو تقنية، لكنها تحمل شرطاً سياسياً وإدارياً واضحاً. لا بيانات بلا حماية، ولا حماية بلا مسؤولية.
أي منصة وطنية للأيتام يجب أن تبدأ من الحد الأدنى اللازم من المعلومات. ما الذي نحتاج إلى معرفته كي نحمي الطفل؟ ومن يحق له الاطلاع؟ وكم تبقى البيانات محفوظة؟ وكيف تُصحح الأخطاء؟ ومن يُحاسب عند إساءة الاستخدام؟ إذا بقيت هذه الأسئلة خارج التصميم، فلن تكون المنصة أداة حماية كاملة، بل قد تتحول إلى مصدر خطر جديد.
الكفالة وحدها لا تكفي
تضع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا، في صفحتها الخاصة بالأيتام، مبدأً أساسياً في الرعاية يقوم على كفالة الطفل لدى أسرته أو من يعيله في الأسرة الممتدة، بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل، مع أولوية للكفالة الخارجية وتقديم مساعدات للأسرة الفقيرة، ثم اللجوء إلى الرعاية الداخلية عندما يتعذر إيجاد مأوى دائم.
هذا الترتيب مهم. الأسرة أولاً، ثم المؤسسة عند الضرورة. فدار الرعاية ليست جواباً جاهزاً على كل حالة فقد. في حالات كثيرة، يمكن لمساعدة نقدية أو غذائية أو تعليمية منتظمة أن تبقي الطفل داخل بيئة أسرية أكثر استقراراً من نقله إلى مؤسسة. لكن ذلك يحتاج إلى متابعة، لا إلى تسجيل أولي فقط.
تطلق كثير من المبادرات عنوان كفالة اليتيم، وغالباً ما يرتبط في ذهن الناس بدعم مالي شهري. هذا الدعم ضروري، لكنه ليس الرعاية كلها. الطفل قد يحتاج إلى مقعد مدرسي، أو وثيقة مدنية، أو علاج لمرض مزمن، أو دعم نفسي، أو حماية من عمالة مبكرة، أو تتبع أسري، أو متابعة قانونية حول الوصاية. المال يخفف الضغط، لكنه لا يرى كل هذه التفاصيل وحده.
في تشرين الثاني 2025، أعلنت سانا إطلاق مبادرة بسمة أمل لدعم الأيتام وأسرهم في سوريا، بهدف تقديم رعاية شاملة لـ900 طفل يتيم بين 5 و13 عاماً في إدلب وحمص وريف دمشق، تشمل الرعاية الصحية والخدمات النفسية والمساعدة المالية الشهرية لمدة عام. هذا المثال يوضح طبيعة الدعم المطلوب. ليس كفالة مالية فقط، بل حزمة رعاية. وهنا تحديداً يمكن للمنصة أن تكون مفيدة، إذا ربطت الطفل بالخدمة المناسبة، لا إذا اكتفت بإثبات أنه يتيم.
الأرقام التي تضغط على ملف الأيتام
لا يعيش الأيتام خارج الواقع العام للأطفال في سوريا. تشير خطة اليونيسف لعام 2025 إلى أن أكثر من 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، وأن أكثر من مليون طفل، خصوصاً ذوي الإعاقة، معرضون لخطر التسرب. كما تذكر الخطة أن 6.4 ملايين طفل بحاجة ماسة إلى خدمات حماية الطفل، وأن تدمير أو تضرر 3700 مدرسة يجعل 7.2 ملايين طفل وعامل في التعليم بحاجة إلى استمرارية الخدمات التعليمية.
هذه الأرقام تشرح لماذا لا يمكن التعامل مع اليتيم كحالة كفالة فقط. الطفل الذي فقد معيله داخل بيئة تعليمية مهددة قد يصبح خارج المدرسة سريعاً. والطفل اليتيم داخل أسرة فقيرة قد يُدفع إلى العمل. والطفلة اليتيمة داخل بيئة هشة قد تواجه مخاطر زواج مبكر أو استغلال. لا يجوز أن تُختصر المسألة في تحويل شهري يصل أو لا يصل.
الأمر نفسه يظهر في ملف الأمن الغذائي. يذكر برنامج الأغذية العالمي أن 9.1 ملايين شخص في سوريا يعانون انعدام الأمن الغذائي، وأن 7.2 ملايين شخص نازحون داخلياً، وأن البرنامج دعم 3.6 ملايين شخص في عام 2024. كما يوضح أنه اضطر إلى تقليص مساعداته بنحو 80 في المئة في عام 2024 بسبب نقص التمويل، مع استمرار تقديم مساعدة شهرية لنحو 1.5 مليون شخص، لكن بعوائق تمويلية تمنع العمل بالحجم المطلوب.
عندما يتراجع التمويل، يتقدم سؤال الاستهداف. من يصل إليه الدعم أولاً؟ من يُستبعد؟ ومن يستطيع الاعتراض؟ هنا تصبح البيانات مسألة عدالة. ليست مجرد جدول أسماء.
فوضى البيانات ليست تفصيلاً إدارياً
أشار تقرير أكابس الصادر في كانون الثاني 2026 عن منظومة البيانات والتحليل في سوريا إلى أن مشكلات التنسيق المجزأ، وتسييس الوصول إلى البيانات، وضعف تبادل المعلومات، وقلة التحليل الاستباقي، بقيت تحديات بارزة في المشهد المعلوماتي. كما ذكر أن التحول إلى بنية تنسيق أكثر مركزية لم يتحول عملياً بعد إلى قدرة تنسيق فعالة ومتسقة، بسبب اختناقات إدارية وغموض حول التفويضات والإجراءات.
هذا الكلام مهم لملف الأيتام. فالفئة التي تحتاج إلى حماية لا تستطيع انتظار نضج البنية الإدارية. الطفل يكبر، والاحتياج يتغير، وقد تضيع الحالة بين الجهات إذا لم توجد آلية واضحة لنقل المعلومة والتحقق منها. لا يكفي أن تكون البيانات موجودة. يجب أن تكون قابلة للاستخدام، ومحدثة، ومحمية، ومفهومة لمن يتخذ القرار.
المنصة الوطنية، بهذا المعنى، ليست برنامجاً حاسوبياً فقط. هي اتفاق مؤسسي. من يدخل البيانات؟ من يراجعها؟ من يقرر نوع الدعم؟ كيف يتم منع التكرار؟ كيف يُحفظ حق الطفل في الخصوصية؟ كيف يُضمن ألا يُستبعد من لا يملك اتصالاً بالإنترنت أو أوراقاً كاملة؟ الإجابات هنا أهم من الواجهة الرقمية.
الطفل بين الأسرة والرعاية البديلة
لا يمكن فصل ملف الأيتام عن ملف الأطفال المنفصلين عن أسرهم أو غير المصحوبين بذويهم. فبعض الأطفال لا يدخلون في التعريف الضيق لليتيم، لكنهم بلا رعاية فعلية. ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعرف تتبع الأسرة بأنه البحث عن أفراد العائلة، بمن فيهم الأقارب أو مقدمو الرعاية السابقون للأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين، بهدف استعادة الروابط العائلية وحق وحدة الأسرة.
هذا يضع أمام المنصة مهمة حساسة. ليست كل حالة غياب للأبوين تعني المسار نفسه. هناك أطفال يحتاجون إلى تتبع أسري. وهناك من يحتاجون إلى رعاية مؤقتة آمنة. وهناك من تكفيهم مساعدة الأسرة الممتدة. وهناك حالات تتطلب إدارة حالة متخصصة. لذلك، لا ينبغي للمنصة أن تجمع الجميع في خانة واحدة، ثم تترك القرار للسرعة أو للمتاح.
الأولوية يجب أن تبقى للمصلحة الفضلى للطفل. هذه عبارة مستخدمة كثيراً، لكنها لا تعني شيئاً إذا لم تُترجم إلى إجراءات. تقييم فردي. متابعة. عدم فصل غير ضروري عن الأسرة. حماية من الاستغلال. مشاركة الطفل بقدر عمره وقدرته. وسيلة آمنة للشكوى. من دون ذلك، تتحول العبارة إلى غطاء لغوي لا أكثر.
من يملك حق الوصول؟
أخطر ما في المنصات الإنسانية أنها قد تبدو بريئة لأنها تتحدث باسم المساعدة. لكن قاعدة بيانات تضم أطفالاً أيتاماً أو منفصلين عن أسرهم أو فاقدي الوثائق ليست قاعدة عادية. هي تحتوي على معلومات شديدة الحساسية. وقد يؤدي كشفها إلى وصم اجتماعي، أو استغلال مالي، أو استهداف، أو حرمان من خدمات.
لذلك يجب أن تكون الصلاحيات محددة. الجمعية التي تقدم كفالة لا تحتاج إلى كل تفاصيل الحماية. والمركز الصحي لا يحتاج إلى معرفة تاريخ الدعم المالي كاملاً. والجهة التعليمية لا تحتاج إلى الوصول المفتوح إلى ملف الأسرة. كل جهة ترى ما تحتاج إليه فقط. هذا المبدأ ليس تعقيداً، بل حماية.
كما يجب أن تكون هناك سجلات وصول وتدقيق. من فتح الملف؟ متى؟ لماذا؟ وماذا فعل؟ المنصة التي لا تترك أثراً لاستخدام البيانات تفتح الباب للعبث. والمنصة التي لا تتيح تصحيح الخطأ قد تحول خطأ صغيراً في الاسم أو العمر أو مكان السكن إلى حرمان طويل.
الاختبار الحقيقي في الاعتراض والتحديث
قد تنجح المنصة في التسجيل الأول، ثم تفشل بعد ذلك. وهذا خطر معروف. الأسر تنتقل. الأوصياء يتغيرون. الطفل يعود إلى المدرسة أو ينقطع عنها. الدعم يتوقف. المرض يظهر. الوثيقة تصدر. الحالة لا تبقى كما هي. إذا لم تُحدّث البيانات، تصبح المنصة صورة قديمة تستخدم لاتخاذ قرار جديد.
لذلك لا بد من آلية تحديث منتظمة، ولا بد من حق اعتراض واضح. إذا رُفض طلب دعم، يجب أن يعرف الوصي السبب وكيف يراجع القرار. وإذا جرى احتساب الطفل مستفيداً من دعم لم يصله فعلاً، يجب أن يكون التصحيح ممكناً. وإذا كانت الأسرة لا تستطيع التسجيل إلكترونياً، يجب أن تجد نافذة ميدانية لا تجعل الفقر سبباً للإقصاء.
تظهر أهمية هذه النقطة في أرقام الحماية الاجتماعية. في لقطة الاستجابة الاجتماعية بين كانون الثاني وآذار 2025، أشارت اليونيسف إلى أن 15.4 مليون شخص كانوا بحاجة إلى الحماية الاجتماعية في سوريا، بينهم 6.9 ملايين طفل، وأن 2.6 مليون شخص من ذوي الإعاقة، و2.05 مليون شخص يعيشون في مخيمات النزوح. وفي المقابل، بلغ عدد المستفيدين الذين جرى الوصول إليهم 9.4 آلاف من أصل 213 ألفاً مخططاً لهم، مع فجوة تمويلية بلغت 48.1 مليون دولار من أصل 55.5 مليون دولار مطلوبة.
الفجوة هنا ليست رقماً مالياً فقط. إنها تعني أن الاستهداف يجب أن يكون دقيقاً قدر الإمكان، وأن كل خطأ في البيانات يستهلك مورداً محدوداً أو يحرم طفلاً محتاجاً. وهذا ما يجعل منصة الأيتام، إذا وُجدت، جزءاً من إدارة الندرة لا من إدارة الوفرة.
ما الذي يجعل المنصة خطوة فعلية؟
تحتاج المنصة الوطنية إلى خمسة شروط عملية. أولها تعريف موحد للفئات، لا يخلط اليتيم بفاقد المعيل بالطفل المنفصل عن أسرته بالطفل المحتاج عموماً. ثانيها ربط البيانات بخطة تدخل واضحة، لأن التسجيل بلا خدمة لا يغير حياة الطفل. ثالثها حماية صارمة للخصوصية، تبدأ من تصميم النظام ولا تُترك للمذكرات اللاحقة.
الشرط الرابع هو التكامل مع القطاعات. التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والسجل المدني والجمعيات المحلية ليست مسارات منفصلة في حياة الطفل. إذا انقطع عن المدرسة، يجب أن يظهر ذلك في المتابعة. إذا احتاج إلى وثيقة، يجب أن يعرف النظام أين يتوجه. إذا تلقى دعماً مالياً، يجب أن يُسأل ما أثره، لا أن يُسجل فقط أنه وصل.
أما الشرط الخامس فهو الشفافية. ليس المقصود نشر أسماء الأطفال، فهذا خطر ومرفوض. المقصود نشر مؤشرات عامة، مثل عدد الحالات حسب الفئات، ونوع الدعم، ونسب التغطية، وآليات الاعتراض، ومقدار الفجوة التمويلية، من دون كشف البيانات الشخصية. بذلك يستطيع المجتمع أن يعرف اتجاه العمل من دون أن تُكشف خصوصية الأطفال.
خاتمة
قد توحد منصة وطنية دعم الأيتام في سوريا. وقد تخفف تكرار البيانات، وتمنع جزءاً من الهدر، وتساعد في وصول الدعم إلى من يحتاجه فعلاً. لكن ذلك لن يحدث تلقائياً. المنصة ليست عصا سحرية، وليست بديلاً عن العمل الاجتماعي، ولا عن التمويل، ولا عن المدرسة، ولا عن الأسرة الآمنة.
قيمتها الحقيقية تظهر عندما يتحول الرقم إلى قرار، والقرار إلى خدمة، والخدمة إلى أثر يمكن متابعته. أما إذا انتهى الأمر إلى قاعدة بيانات كبيرة لا تحدّث نفسها، ولا تحمي أصحابها، ولا تسمح بالاعتراض، فستكون النتيجة سجلاً جديداً فوق فوضى قديمة.
الأيتام في سوريا لا يحتاجون إلى أن يُكتشفوا كل مرة من جديد. يحتاجون إلى نظام يتذكرهم، ويحميهم، ويفرق بين حاجاتهم، ويصل إليهم قبل أن يكبر الضرر. هذا هو الاختبار الفعلي لأي منصة وطنية. وما دون ذلك يبقى إدارة للأسماء، لا رعاية للأطفال.
اقرأ أيضاً: مركز وحيد في شمال غربي سوريا لرعاية الأطفال مجهولي النسب