الكاتب: أحمد علي
لم يعد الكلام عن الرقمنة داخل الإدارة المحلية في سوريا مجرد لغة إدارية جديدة تُضاف إلى أوراق قديمة. ما تغيّر هذه المرة أن الحديث خرج من العموم إلى ملفات يمكن لمسها وقياسها، وفي مقدمتها السجل العقاري والخدمات البلدية، ثم ما يمكن أن يتصل بهما لاحقاً من ملفات أوسع تمس حركة المواطن اليومية ومعاملاته. مذكرة التفاهم التي وُقعت في 20 نيسان بين وزارة الإدارة المحلية والبيئة وشركة توركسات التركية لا تعني أن التحول الرقمي أُنجز، لكنها تعني أن الدولة وضعت هذا التحول في موضع التنفيذ الأولي، لا في موضع الوعد فقط.
الإدارة المحلية السورية من العقار إلى النقل
المهم هنا أن المذكرة ليست مشروعاً منفصلاً عن سياق سابق، بل حلقة في مسار بُني خلال الأشهر الماضية. وزارة الإدارة المحلية كانت قد أعلنت في 9 كانون الأول 2025 خطة للتحول الرقمي وصفتها بالشاملة، وقالت إنها تقوم على سبعة محاور تغطي احتياجات المواطنين، ومديريات الوزارة، والوحدات الإدارية، بهدف نقل المعاملات من الورق إلى أنظمة إلكترونية تختصر الوقت وتخفف المراجعات وتحد من التعقيد. ثم جاء إقرار الهيكل التنظيمي الجديد للوزارة في 21 نيسان 2026 ليعطي انطباعاً بأن إعادة ترتيب البنية الإدارية تسير بالتوازي مع إدخال الأدوات الرقمية، لا بعدها.
من هذه الزاوية يمكن قراءة التعاون السوري التركي. النص السياسي للمذكرة عام نسبياً، لكنه لا يخلو من إشارات عملية واضحة. التصريحات المرافقة لها قالت إن الوفد السوري الذي زار تركيا في كانون الأول 2025 اطّلع على تجارب الحكومة الإلكترونية والبلديات الذكية ومشاريع السجل العقاري والمساحة، وإن الخطة الموضوعة لا تقف عند العقار وحده، بل تشمل البلديات، وخدمات الطابو والكاداستر، والمخططات العمرانية، وقطاع النقل أيضاً. ومع ذلك، فإن ترتيب الأولويات كما يظهر من الوقائع يوحي بأن العقار هو المدخل التنفيذي الأكثر جهوزية حتى الآن.
السبب في ذلك لا يعود إلى رمزية العقار فقط، بل إلى أن هذا الملف شهد بالفعل خطوات تنفيذية قبل المذكرة نفسها. ففي 24 آذار 2026 أعلنت المديرية العامة للمصالح العقارية إطلاق خدمة القيد العقاري الإلكتروني عبر تطبيق «معاملاتي» ومنصة «أنجز»، مع إمكان تقديم الطلب، والدفع الإلكتروني، ومتابعة المعاملة لحظياً، واختيار مركز التسليم المناسب. وقبل هذا التاريخ كانت الخدمة قد أطلقت في درعا مطلع كانون الثاني، ثم في اللاذقية والقنيطرة خلال شباط، ما يعني أن التحول في هذا الملف لم يبدأ مع التوقيع، بل كان قد بدأ فعلاً على الأرض ثم جاء الاتفاق ليمنحه إطاراً أوسع وخبرة إضافية.
وحين يُضاف إلى ذلك اتفاق البريد مع المصالح العقارية، وإتاحة استلام الوثائق العقارية عبر المكاتب البريدية في المحافظات، تصبح الصورة أكثر وضوحاً. هنا لا يعود الأمر متعلقاً برقمنة التقديم فقط، بل بربط الخدمة كلها بسلسلة إلكترونية وإجرائية تمتد من الطلب إلى التسليم. وهذا تطور مهم، لأنه يحول الرقمنة من شاشة عرض إلى مسار خدمة كامل نسبياً، ولو بقي في طور التوسع التدريجي.
ليس خدمة يومية فقط!
ثمّة سبب آخر يجعل العقار يتقدم على غيره. هذا الملف في سوريا لا يتعلق بخدمة يومية فقط، بل يرتبط بالملكية والحجية القانونية والأرشيف وحماية الحقوق. حين أعلنت الوزارة في كانون الثاني أنها استلمت كامل الوثائق والسجلات العقارية في الرقة من دون فقدان، وتحدثت عن لجنة مركزية للأرشفة تمهيداً لأتمتة السجل العقاري كاملاً، كانت تقول بصورة غير مباشرة إن الرقمنة هنا ليست ترفاً تقنياً، بل أداة لحماية الوثيقة نفسها، وإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والملكية في ملف بالغ الحساسية.
لهذا لا يبدو مستغرباً أن التصريحات التي أعقبت التوقيع مع توركسات تحدثت عن مرحلة أولى تبدأ من دمشق، وتشمل رقمنة ما بين 500 ألف و600 ألف عقد، ونحو 5 آلاف سجل عقاري، خلال 12 شهراً تقريباً. هذا رقم كبير بما يكفي ليعطي للمشروع معنى تنفيذياً، وليس معنى تجريبياً فقط. لكنه، في الوقت نفسه، يكشف حدود ما أُنجز وما لم يُنجز. فالمذكرة ما تزال إطاراً للتعاون ونقل الخبرة وبناء الاستراتيجية، فيما العقود الأكثر تخصصاً، وخصوصاً المتعلقة بالطابو، يفترض أن تأتي لاحقاً. وهذا فرق يجب عدم القفز فوقه.
أما النقل، فهو حاضر في الخطة والخطاب، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى التجربة المكتملة كما هي الحال في العقار. وزارة النقل كانت قد أعلنت في 17 شباط تعليق العمل يومين في مديريات النقل لإجراء تحديثات على البنية التحتية والأنظمة التقنية، وقالت إن الغاية هي تحسين الأداء وتعزيز مسار التحول الرقمي والتمهيد لإطلاق خدمات أكثر تطوراً. كما تحدثت في أكثر من مناسبة عن تطوير منظومة رخص القيادة والفحص الفني والتدريب والدعم التقني. كل هذا مهم، لكنه ما يزال أقرب إلى التحديث الداخلي والتحضير المؤسسي من كونه منظومة خدمة إلكترونية متكاملة يشعر المواطن بنتائجها المباشرة كما بدأ يحدث في ملف القيد العقاري.
من هنا يكتسب سؤال العنوان وزنه الفعلي. هل يبدأ التحول من العقار إلى النقل. الوقائع المتاحة حتى الآن تسمح بترجيح هذا المسار. ليس لأن النقل أقل أهمية، بل لأن العقار يملك حالياً ثلاثة عناصر مجتمعة، حاجة إدارية ملحة، وكتلة أرشيف قابلة للرقمنة على مراحل، وخدمات أولية بدأت بالفعل ويمكن البناء عليها. أما النقل، فما يزال في طور بناء البنية التحتية الرقمية وتحديث أنظمة العمل، وهي مرحلة لا يُستهان بها، لكنها تسبق عادة مرحلة الخدمة العامة الكاملة.
السياق الوطني الأوسع!
السياق الوطني الأوسع يدعم هذا الفهم أيضاً. وزارة الاتصالات تتحدث عن استراتيجية للتحول الرقمي حتى عام 2030، تقوم على مراحل تبدأ بالتأسيس ثم الخدمات التفاعلية بين 2025 و2027، وصولاً إلى التكامل الأوسع بعد ذلك. كما أن مواد «ديجيتال سوريا» والبيانات الحكومية الأخيرة تتحدث عن توحيد قواعد البيانات، وتخفيف الاعتماد على الورق، ورفع كفاءة الخدمات العامة. غير أن مثل هذه الاستراتيجيات لا تُقاس بصياغتها النظرية، بل بالقطاع الذي ينجح أولاً في تحويلها إلى إجراء يومي ملموس. وحتى الآن، يبدو أن الإدارة المحلية وجدت هذا القطاع في العقار قبل غيره.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تصوير ما جرى. التحول الرقمي في الإدارة المحلية لم يدخل بعد طور الحسم، ولا يمكن القول إن الخدمة الإلكترونية استقرت بوصفها القاعدة الجديدة. ما حدث هو بداية تنفيذية جادة في ملف محدد، مدعومة باتفاق خارجي وخطة داخلية وبنية إدارية يجري ترتيبها. وهذا بحد ذاته ليس قليلاً. لكنه يظل بداية، لا أكثر. النجاح الحقيقي سيقاس بقدرة هذا المسار على تثبيت الخدمة، وتوسيعها جغرافياً، وربطها بقواعد بيانات موحدة، ثم نقل التجربة من العقار إلى ملفات أخرى مثل النقل والبلديات والمخططات العمرانية من دون أن تتفكك أو تتباطأ.
الخلاصة أن الإدارة المحلية السورية لا تقف اليوم عند نقطة الصفر، لكنها لم تصل أيضاً إلى نقطة التحول الكامل. هناك مسار بدأ فعلاً، والعقار هو أرض الاختبار الأولى فيه. وإذا أثبت هذا الملف أن الرقمنة يمكن أن تحمي الوثيقة، وتختصر المعاملة، وتخفف الاحتكاك المباشر، وتبني ثقة إدارية جديدة، فسيكون الانتقال إلى النقل وبقية الخدمات أكثر منطقية وأقرب إلى التنفيذ. أما إذا بقي كل شيء محصوراً في الإطار العام والوعود المرحلية، فستتحول الرقمنة إلى لغة جديدة فوق جهاز قديم. وهذا هو الامتحان الحقيقي.
اقرأ أيضاً: وزير الإدارة المحلية والبيئة يصدر قراراً بتفويض عدد من صلاحياته للمحافظين