بقلم: ديانا الصالح
تشهد بلدة محجة في ريف درعا أزمة صحية تُضاف إلى سجل أزماتها الخدمية والمعيشية، بعد تسجيل ارتفاع ملحوظ في أعداد الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي A خلال فترة قصيرة، مما يثير مخاوف الأهالي من اتساع بؤرة التفشي وصعوبة احتوائها.
ولا تعدّ هذه الحادثة الأولى في المحافظة، حيث شهدت مناطق أخرى خلال الأشهر الماضية تسجيل عشرات الإصابات المرتبطة، نتيجة لاختلاط مياه الصرف الصحي بماء الشرب، الأمر الذي يعكس وجود ثغرات مستمرة في البنية الصحية والخدمية، تتجاوز الاستجابات الإسعافية المؤقتة.
إلا أن اللافت في حالة محجة اليوم هو التضارب في أسباب التفشي، ففي حين تنفي مؤسسة مياه الشرب وجود أي تلوث في المياه وتؤكد مطابقتها للمواصفات المعتمدة، تتحدث روايات محلية عن تدني مستوى جودة المياه واعتماد الأهالي على مصادر بديلة، مشيرين إلى احتمال حدوث تسرب لمياه الصرف، إضافة إلى ورود شكاوى تتمحور حول لجوء مزارعين إلى سقاية أراضيهم الزراعية بمياه ملوثة، وانتشار النفايات في بعض الأحياء لأيام دون إزالة.
هذا التباين والتضارب، يطرح عدة تساؤلات ملحّة حول أسباب تكرار الإصابة بالتهاب الكبد في درعا، ومدى كفاءة أنظمة الرقابة الصحية، فضلاً عن سبل الوقاية والعلاج في ظل هذه الظروف.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
بلدة محجة في ريف درعا تستغيث
ارتفعت أعداد الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي (A) ضمن بلدة محجة في ريف درعا وفقاً لمصادر طبية، لتصل إلى 29 إصابةً مؤكدةً، مما يعكس حجم التحدي في السيطرة على الوباء في ظل رصد إصابات جديدة، تتركز ضمن الحي الشرقي مع تحديد البؤرة الرئيسية للمرض في مدرسة التعليم الأساسي محجة الثالثة.
وفي إطار الاستجابة العاجلة من قبل مديرية الصحة ومؤسسة المياه، وُجهت فرق التقصي الوبائي فور ورود البلاغات عن الإصابات لتحديد مصادر العدوى والعمل على احتواء البؤرة، تجنباً لاتساع رقعة المرض.
وفي هذا السياق، يؤكد رئيس برامج الصحة العامة في درعا يعرب الزعبي تقديم العلاج مجاناً للمرضى في كلٍّ من مشفى إزرع الوطني ومحجة الصحي حسب درجة الإصابة، مشيراً إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات العاجلة بالتعاون مع الجهات المعنية، مثل تفعيل نظام الإبلاغ الفوري وعزل المصابين، إلى جانب إطلاق جلسات تثقيفية لترسيخ مبدأ الوقاية وأهمية النظافة الشخصية بين الطلاب، فضلاً عن توجيه حملات تعقيم نحو مختلف المرافق المدرسية.
على الرغم من أهمية هذه الإجراءات في احتواء التفشي كتدابير عاجلة، إلا أنها تفتح نقاشاً أوسع حول مدى جاهزية الأنظمة الصحية، وضرورة تعزيز الإجراءات الوقائية بشكل دوري ومسبق، تجنباً للوصول إلى هذه الحالة من الارتفاع المفاجئ، مما يحد من الوصول إلى مرحلة الاستجابة الطارئة.
ترجيح أسباب متعددة
في ظل تهالك البنية التحتية في ريف درعا لا سيما فيما يخص المياه وشبكة الصرف الصحي وما تعانيه من انسداد، تتعدد احتمالات مسببات المرض، فوضع الماء ضمن المنطقة غير موثوق في غالب الأحيان بناءً على شهادات الأهالي، فضلاً عن تراكم القمامة لأيام دون تنظيف، مع الإشارة إلى وجود جرار وحيد لإزالتها وهو معطل حالياً، مطالبين البلدية بدعم البلدة بالاحتياجات الأساسية.
في المقابل ينفي مدير مؤسسة المياه بمحافظة درعا رياض المسالمة وجود تلوث في مياه الشرب، مؤكداً أن نتائج التحاليل المخبرية سليمة، مشيراً إلى أن المياه ببلدة محجة في ريف درعا نظيفة ومعقمة وتتطابق مع المواصفات المعتمدة.
علاوة على ذلك، يطالب الأهالي بإجراء جولات ميدانية لتقصي حقيقة ري المحاصيل الزراعية بمياه الصرف الصحي، مشيرين إلى انتشار هذه الظاهرة بشكل مخيف مما يستدعي وضع حدّ لها من خلال إتلاف المزروعات التي يُثبت ريها بهذه المياه، حفاظاً على سلامة الصحة العامة.
وفي هذا الصدد، أصدرت محافظة درعا خلال الأيام الماضية تعميماً يقضي بتشديد الرقابة على المزارعين لمنع ظاهرة ري المحاصيل بمياه الصرف الصحي، مشدداً على ضرورة اتخاذ إجراء الإتلاف المباشر للمزروعات التي يثبت سقايتها بالمياه الملوثة، مع مصادرة كافة معدات السقاية، وفقاً لأحكام المرسوم رقم 59 لعام 2005.
حقائق حول المرض
تعرّف منظمة الصحة العالمية التهاب الكبد A بأنه من الالتهابات التي يسببها فيروس التهاب الكبد الوبائي A (HBV)، وتتراوح شدة المرض بين الخفيفة والمرتفعة، مشيرةً إلى انتقاله عن طريق تناول الطعام والمياه الملوثين، أو من خلال الاتصال المباشر مع المصابين.
وتؤكد المنظمة أن عوامل الخطورة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتلوث المياه وسوء شبكة الصرف الصحي إلى جانب عامل قلة النظافة الشخصية مثل الأيدي الملوثة، موضحةً أن معظم المصابين يتعافون منه ويكتسبون مناعة لمدى حياتهم، رغم ذلك، هناك تسجيل لوفيات نتيجةً لتطور الحالة إلى حدوث التهاب كبد حادّ.
لا يُسبب هذا النوع من الالتهاب أمراضاً مزمنة للكبد على عكس نوع B وC، إلا أن أعراضه تتراوح بين الخفيفة والشديدة، ويتوافر له لقاح آمن وفعال للوقاية، كما تبيّن منظمة الصحة العالمية أن 7134 فرداً توفوا نتيجة الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي A على مستوى العالم، خلال عام 2016، أي بنسبة 0.5% من إجمالي وفيات التهاب الكبد الفيروسي.
توصيات للحد من انتشار المرض:
بناءً على معطيات منظمة الصحة العالمية، يمكن الحد من انتشار التهاب الكبد A، باتباع ما يلي:
- وضع خطة عاجلة للتخلص السليم من مياه الصرف الصحي ضمن المجتمعات.
- توفير إمدادات مياه الشرب الموثوقة والآمنة.
- المحافظة على النظافة الشخصية مثل غسل اليدين بالماء والصابون قبل وبعد تناول الطعام، كذلك الأمر بعد استخدام المرحاض.
أما بالنسبة لوضع بلدة محجة في ريف درعا، فيشير خبراء الصحة العامة إلى ضرورة إيجاد حل لتراكم القمامة في الأحياء، وتعقيم خزانات المدارس ومرافقها بشكل دوري مع إطلاق حملات توعية مستمرة وليس فقط عند وقوع الأزمة، إضافة إلى دراسة مشاكل الصرف الصحي وأسباب عدم ثقة الأهالي بنظافة مياه الشرب لإيجاد حلول عاجلة.
أعراض المرض
علمياً، تظهر أعراض الإصابة بالفيروس عادةً بعد مرور بضعة أسابيع (2 إلى 8 أسابيع)، وقد لا تظهر هذه الأعراض على جميع المصابين، وهي كما يلي:
- الشعور بالغثيان والقيء
- الإسهال المفاجئ
- الإرهاق والضعف
- الشعور بألم أو تشنج غير مريح في منطقة أعلى الكبد
- الخروج يكون شاحباً أو رمادياً
- فقدان الشهية
- ارتفاع طفيف بدرجة حرارة الجسم
- لون البول يصبح داكناً
- ألم في المفاصل
- اليرقان (اصفرار الجلد مع وضوح بياض العينين)
- الحكة شديدة أحياناً
الوقاية بالحقنة
قد يشكل اللقاح المضاد لالتهاب الكبد الوبائي A عاملاً مهماً للوقاية من الإصابة، ويُعطى بالتدرج على حقنتين، حيث تؤخذ أول حقنة ثم تليها الأخرى بعد 6 أشهر تقريباً، كما يمكن إعطاؤه في حقنة مزدوجة تحتوي اللقاحين A وB، على ثلاث مراحل خلال 6 أشهر أيضاً.
وتجدر الإشارة إلى ضرورة مشاورة الطبيب في حال رغبتك بالتزود باللقاح، أو ساورتك مخاوف احتمال الإصابة بالتهاب الكبد A.
ختاماً، يسلط انتشار التهاب الكبد (A) في بلدة محجة الضوء على تحديات مرتبطة بالوضع الخدمي وتهالك البنية التحتية، إلى جانب المخاوف من بعض الممارسات الزراعية كاستخدام مياه ملوثة في الري، ويبقى التساؤل مطروحاً حول مدى قدرة الجهات المعنية على احتواء البؤرة ومنع توسعها في ظلّ استمرار العوامل المساعدة على انتشارها.
اقرأ أيضاً: سدود درعا تمتلئ… لكن هل تتحسن معها إدارة المياه؟