بقلم: ريم ريّا
تقع الآثار التاريخية لمحافظة الحسكة في واحدة من أغنى المناطق الأثرية في العالم، وهي تتآكل بصمت، ليس بفعل مرور الزمن، بل بفعل النشاط البشري. ومع تراجع الرقابة وانهيار الهياكل الإدارية والأمنية، أصبحت هذه المواقع هدفاً سهلاً للتنقيب العشوائي والنهب المنظم، مما يهدد بقايا الحضارات الحية، ولا يقتصر الأمر على فقدان القطع الأثرية المادية فحسب، بل يهدد أيضاً بتدمير السجل التاريخي برمته تدميراً لا يمكن إصلاحه.
عمليات التنقيب جارية… كنوز دفينة في آثار الجزيرة السورية
تمثل محافظة الحسكة قلب منطقة الجزيرة السورية، التي لا تكمن أهميتها في عدد المواقع الأثرية فحسب، بل في قيمتها كسجل شامل لتطور الحضارة الإنسانية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصر الإسلامي.
هذا التراث الثقافي المتراكم، الذي جعل المنطقة على مدى عقود وجهةً للبعثات الأثرية الدولية، لم يعد موضوعاً للدراسة العلمية، بل أصبح هدفاً للتنقيبات العشوائية. المفارقة المؤلمة هي أن هذه الثروة الهائلة أصبحت مصدراً للفوضى بدلاً من الحماية، إذ تنتشر عمليات التنقيب غير القانونية في عشرات المواقع، لا سيما في المنطقة الريفية الجنوبية من الحسكة، بسبب غياب الحماية الفعالة، بل وحتى التقييم الدقيق لحجم الضرر.
اقرأ أيضاً: الآثار السورية: مسيرة طويلة من التهريب والتخريب
اقتصاد الفوضى… حين يصبح النهب وسيلة عيش
لا يمكن فهم ظاهرة التنقيبات غير القانونية واسعة الانتشار دون النظر إلى سياقها الاقتصادي والاجتماعي المحيط بها. ففي ظل الفقر وندرة فرص العمل، أصبحت المواقع الأثرية أشبه بمناجم مكشوفة يسعى فيها البعض إلى الثراء السريع. وتشير البيانات إلى أن بعض هذه العمليات تنظم باستخدام معدات حديثة وشبكات تهريب عابرة للحدود الوطنية. ويعكس التحول من الأنشطة الخاصة إلى السوق السوداء خللاً أعمق متأصلاً في اقتصاد موازٍ تغذيه الفوضى الأمنية وتورط جهات فاعلة متعددة. وهذا ما يجعل القضاء عليه تحدياً معقداً يتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.
إن الضرر الناجم عن الحفريات غير المنظمة يتجاوز سرقة القطع الأثرية، ويمتد ليشمل تدمير الأسس العلمية للموقع. تكمن القيمة الحقيقية لأي موقع أثري في طبقاته الجيولوجية التي توثق تعاقب الحضارات. يمكن أن تُدمر هذه الطبقات تدميراً كاملاً بفعل الحفريات غير المنهجية، وحتى في حال الحفاظ على بعض القطع الأثرية، يستحيل استعادة السياق التاريخي.
ومع تهريب هذه المكتشفات إلى الأسواق العالمية، تفقد هويتها الأصلية وتصبح مجرد معروضات منفصلة عن سياقها. علاوةً على ذلك، تفقد المنطقة مورداً ثقافياً واقتصادياً كان من الممكن أن يكون أساساً للتنمية. في هذا الصدد، يبدو أن التدابير الحالية، مثل محدودية التوثيق وضعف التنسيق، غير قادرة على وقف هذا النزيف ما لم يتم استبدالها بنهج شامل يعيد تقييم الوضع الراهن.
النهب المنظم للآثار في الجزيرة السورية.. اعتداء على الذاكرة والقيم
في نهاية المطاف، ما يحدث في الجزيرة السورية ليس، كما يصفه البعض، مجرد “حفريات غير قانونية“، بل هو محو ممنهج لذاكرة أرض أجداد، بعيدة كل البعد عن أي سردية معاصرة، حيث تتصادم المصالح المتضاربة. فعندما تقتلع التماثيل وتُهرّب الاكتشافات الأثرية كما لو كانت جمادات، لا يقتصر الضرر على الأحجار القديمة فحسب، بل يمتد إلى سردية وطنية تفقد معناها تدريجياً. والأسوأ من ذلك، أن هذا النهب لا يحرم الماضي فحسب، بل يحرم الأجيال القادمة أيضاً من حق فهم ما سبقهم، وكأن التاريخ يمكن إعادة كتابته بواسطة حفّار ليلي ومُهرب محترف. هنا، لا تدمر الحضارة دفعة واحدة، بل تُنقب حتى تختفي تماماً.