بقلم: ريم ريّا
في الحسكة، لا تختصر الزراعة في موسمٍ عابر، بل تختصر فيها معادلة الأمن الغذائي السوري بأكملها. المحافظة التي شكلت قبل 2011 مع إقليم الجزيرة نحو 60% من إنتاج القمح الوطني، عادت هذا العام لتقدم مؤشرات تعافٍ مشجعة بفعل الهطولات المطرية الجيدة وتحسن الظروف المناخية. غير أن هذا التعافي يبقى معلقاً بخيط بالغ الهشاشة، وهو توفر الطاقة اللازمة للري. فبين سنبلةٍ تتشكل في الحقل، وصهريج مازوتٍ لم يصل بعد، يقف الموسم الزراعي على مفترق طرق. في هذا المقال سنطلع على وجهين للزراعة في الحسكة: التعافي والتحديات.
مؤشرات تعافٍ لزراعة الحسكة في القمح والشعير
حسب معطيات مديرية الزراعة، شهد موسم 2025 – 2026، تحسناً ملحوظاً في نمو محصولي القمح والشعير، سواء في المساحات البعلية أو المروية. إذ بلغت مساحة القمح المروي نحو 100 ألف و200 هكتار، مقابل 363 ألفاً و300 هكتار للقمح البعل، فيما سجل الشعير 21 ألف هكتار مروي و268 ألف هكتار بعل موزعة على مناطق الاستقرار الزراعي الخمسة.
الهطولات المطرية المتلاحقة، مصحوبة بدرجات حرارة دافئة بشكل نسبي، حسّنت من معدلات الإنبات ونمو الساق والأوراق، ودخلت النباتات مرحلة تشكيل السنابل في المساحات المروية. هذه المؤشرات تعني نظرياً، أن الموسم مرشح ليكون أفضل من سنوات الجفاف السابقة والتي يتراجع فيها الإنتاج بشكل حاد، حين انخفض محصول القمح على المستوى الوطني من أكثر من 4 ملايين طن قبل الحرب إلى نحو 1.15 مليون طن في موسم 2025.
لكن الزراعة في الحسكة ليست زراعة مطرية خالصة. جزء أساسي من الإنتاج يعتمد على الآبار والري التكميلي، تحديداً في المراحل الحاسمة من شهري شباط وآذار، حيث تحدد “الريات الأخيرة” وزن الحبة وجودة الغلة. ومن هنا تبدأ القصة بالتعقيد.
اقرأ أيضاً: الريّ الحديث في سوريا ومهمة إعادة إحياء الزراعة.. هل يحل مشاكل المياه والإنتاج؟
الري والمازوت كعنق الزجاجة لهذا الموسم
في الريف الجنوبي للمحافظة، يعتمد غالبية المزارعين على مضخات تعمل بالمازوت لاستخراج مياه الآبار، في ظل محدودية الاعتماد على مياه نهر الخابور وتراجع انتظام الهطل المطري. ومع التحولات الإدارية والميدانية الأخيرة التي شهدتها منطقة الجزيرة، والتي شملت استعادة الحكومة السيطرة على مساحات واسعة من الأرياف وحقول النفط جنوب وشرق المحافظة، دخلت آليات توزيع المحروقات في حالة ارتباك بدت واضحة.
المشكلة ليست في ارتفاع السعر فحسب، بل في غياب منظومة توزيع مستقرة للفلاحين في القرى التي انتقلت حديثاً إلى الإدارة الحكومية. الأسواق غير الرسمية التي كانت تؤمّن المازوت بأسعار مرتفعة توقفت، فيما لم يستكمل بعد إنشاء بديل رسمي فعال. النتيجة أن مرحلة “تكوين السنابل” ، وهي مرحلة لا تحتمل التأجيل باتت رهينة توفر الوقود خلال أيام لا أسابيع.
أي نقص في الري خلال هذه الفترة قد يؤدي إلى حبوب فارغة أو منخفضة الوزن، ما ينعكس مباشرةً على الغلة النهائية. وفي محافظة تعد ركناً أساسياً في توازن العرض الوطني من الحبوب، فإن تراجعاً محدوداً في الإنتاج قد يترجم إلى ضغط إضافي على الاستيراد والأسعار.
في الواقع، أزمة المازوت ليست سوى عرض لمشكلة هيكلية أوسع. الزراعة في الحسكة تعاني منذ ما قبل الحرب من اختلالات في إدارة الموارد المائية وعدم إكتراث بإنذارات الجفاف. كفاءة الري لم تتجاوز في أفضل الحالات 45%، وفاقد النقل في القنوات وصل إلى 35%، ما يعني أن جزءاً كبيراً من المياه يهدر قبل أن يصل إلى الحقول.
مع تراجع الهطل بنسبة قاربت 54% عن المعدلات التاريخية في بعض السنوات، وتضرر 75% من الأراضي المطرية، أصبح الضغط على المياه الجوفية أكبر، إضافةً إلى ذلك، فإن سنوات الصراع خلفت تلوثاً بيئياً واسعاً نتيجة التسربات النفطية البدائية، وتضررت البنية التحتية من طرق ومحطات ضخ، ما رفع كلفة الإنتاج والنقل. كما أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً، مع تداول “خام برنت” قرب أعلى مستوياته في غضون سبعة أشهر، يضغط على كلفة تأمين المشتقات محلياً.
أما اقتصادياً، تشير بيانات الأمن الغذائي إلى أن نحو 64% من إنفاق الأسر في الحسكة يذهب للغذاء، فيما تلجأ نسبة كبيرة إلى استراتيجيات تأقلم مجهدة. أي تراجع جديد في الإنتاج الزراعي سيضاعف العبء على هذه الأسر، ويعمق حلقة الهشاشة.
هل توجد خطة حكومية لإنقاذ الزراعة؟
تستند التوقعات الإيجابية إلى فرضية أن استعادة السيطرة على الحقول النفطية يمكن أن تحسن توفر المحروقات وتخفض كلفتها، ما ينعكس إيجاباً على الزراعة. التقديرات تشير إلى إمكانية توليد عائدات نفطية سنوية بين 3.2 و3.8 مليارات دولار في حال استعادة جزء معتبر من القدرة الإنتاجية، إضافةً إلى استيراد قد يصل إلى 2 إلى 2.8 مليار دولار.
لكن لنكن واقعيين. تحويل هذه الأرقام إلى أثر فعلي في الحقول يتطلب آليات تنفيذ واضحة. وحتى الآن يطالب المزارعون بخطة محددة لتوزيع المازوت الزراعي وفق المساحات المزروعة، وإنشاء نقاط توزيع قريبة من القرى، وإشراك لجان محلية في الرقابة لضمان العدالة ومنع التسرب إلى السوق السوداء.
على المدى الأبعد، تحتاج الزراعة في الحسكة إلى برنامج متكامل لإعادة تأهيل شبكات الري ومحطات الضخ، باستثمارات تقدر بين 2.5 و3 مليارات دولار، إضافةً إلى تحسين كفاءة استخدام المياه، وتوسيع الاعتماد على الطاقة الكهربائية في تشغيل المضخات لتقليل الاعتماد على الديزل.
ختاماً، يجب على الجهات المعنية أن تعي أهمية الربط بين قطاعي النفط والزراعة، فهذا ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية، برميل نفط يمكن أن يمّول ساعة كهرباء، وساعة كهرباء قد تنقذ هكتار قمح.
الموسم الحالي يقدم فرصة نادرة. الأمطار جاءت في وقتها، والنباتات تنمو بمؤشرات جيدة، والتحولات الإدارية فتحت باباً لإعادة تنظيم قطاع الطاقة. غير أن التاريخ القريب يُعلم أن وفرة الموارد لا تجدي وحدها لصناعة الاستقرار.
في الحسكة، المسألة لم تعد مجرد إنتاج سنابل، بل إعادة بناء ثقة الفلاح بالدولة وبجدوى الزراعة نفسها. إن لم تترجم السيطرة على الموارد إلى خدمات ملموسة وسريعة، فقد يتحول التعافي الحالي إلى انتعاش عابر. القمح هذا العام يبدو واعداً، لكن مستقبله لن يحسم في في السماء فقط، بل في طريقة إدارة الأرض وما تحتها من ثروات.