رياضة

الخطر الصامت في سوريا.. المباني المتصدعة كإرث حيّ للحرب والزلزال

الخطر الصامت في سوريا.. المباني المتصدعة كإرث حيّ للحرب والزلزال

بقلم: ريم ريّا

في سوريا ما بعد الحرب، لم تعد الكارثة حدثاً استثنائياً، بل حالة يومية مؤجلة. بين جدران متشققة وأسقف فقدت توازنها منذ سنوات، يعيش آلاف السوريين في منازل لا يفصلهم عن الموت فيها سوى صدفة أو هزة أو خطأ ترميم. بالرغم من مرور أكثر من عقد على الدمار الواسع، ثم زلزال شباط 2023 الذي أعاد اختبار هشاشة العمران السوري، ما زالت المباني المتضررة حاضرة كقنابل صامتة موقوتة في قلب المدن، تنتظر لحظة الانهيار. انهيار مبنى حي العامرية مؤخراً في حلب، لم يكن حادثاً مفاجئاً بقدر ما كان تذكيراً قاسياً بأن ملف الأبنية الآيلة للسقوط لم يُفتح يوماً بجدية، وأن الحديث عن إعادة الإعمار سبق دائماً سؤال السلامة. في هذا المقال سنتناول موضوع المباني الآيلة للسقوط في سوريا، ونطرح حلول تناسب الواقع.

خريطة الخطر بالأرقام.. مبانٍ متصدعة برسم الانهيار تنتظر مصيرها

تكشف التقديرات الأممية والتقارير المحلية في سوريا، حجم أزمة عمرانية مركبة في البلاد. فبحسب تقييمات أجريت بعد زلزال 2023، صُنف أكثر من 4 آلاف مبنى في مختلف المحافظات على أنها غير آمنة وتحتاج إلى هدم فوري، في حين يوجد ما يقارب 12 ألف مبنى متصدع يتطلب تدعيماً إنشائياً عاجلاً.

في حلب وحدها، جرى هدم 220 مبنى خطر بعد الزلزال، بينما لا تزال أكثر من 300 بناية بانتظار المعالجة أو الإزالة. أحياء مثل: السكري، بستان القصر، الشعار، القاطرجي، سجلت خلال الأعوام السابقة تصدعات وانهيارات جزئية، غالباً ما عولجت كحوادث منفصلة، لا كخطر وقعي مُحدق، بالرغم من وحدة السبب!

أما دمشق، شهدت المدينة القديمة ومحيطها حوادث انهيار مرتبطة بتضرر سابق أو حرائق، أبرزها انهيار جزء من مبنى “السرايا” في ساحة المرجة، إلى جانب أضرار واسعة خلفتها حرائق حي ساروجة، التي أتت على أكثر من 15 منزلاً وموقعاً أثرياً.

الصورة لا تختلف في اللاذقية، فقد تسببت الهزات الأرضية بزيادة تصدع مبانٍ قديمة، مثل مبنى حي الشيخ ضاهر، الذي تقرر هدمه بعد تشقق خطر، رغم معرفة الجهات المعنية بحالته قبل أشهر من الهدم. درعا على الخط أيضاً، فقد حذرت فرق الدفاع المدني من إشغال مبانٍ متضررة جراء القصف، وتدخلت لإزالة أجزاء خطرة في بلدة “محجة”.

وزارة الإدارة المحلية قدرت عدد الأبنية التي تحتاج إلى تدعيم إنشائي بنحو 63.905 في المحافظات المتضررة، وهو رقم يعكس اتساع المشكلة، حتى لو افترضنا أن جزءاً منها ما زال صالحاً للسكن بشروط. ويضاف إلى ذلك إرث الحرب الطويلة، حيث قدر البنك الدولي كلفة الأضرار في القطاع السكني السوري بأكثر من 33 مليار دولار منذ عام 2011، مع ملايين الأطنان من الركام، وآلاف الوحدات المتضررة جزئياً أو كلياً.

انهيار المنزل المؤلف من طبقتين في حي العامرية في حلب أثناء أعمال الترميم، واحتجاز الطفل “أحمد خالد حمادي” تحت الانقاض، ليس استثناءً، بل نموذجاً لما يمكن أن يحدث في آلاف الأبنية المتشابهة في عموم المحافظات السورية.

اقرأ أيضاً: غوطة دمشق الآن… بعد نفض غبار الحرب هل من حلول للتنمية؟

بين الخوف اليومي والصدمة المؤجلة كيف وصلت المباني لهذه الحالة؟

لا يقتصر أثر هذه المبني على الخطر الفيزيائي وحسب، بل يمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي. العائلات التي تعيش تحت أسقف متصدعة تعيش في حالة توتر دائم، حيث يتحول البيت من مساحة أمان إلى مصدر تهديد.

الأطفال الذين نجوا من الحرب يجدون أنفسهم أمام صدمات متجددة، مع كل  انهيار أو خبر إنقاذ، استمرار السكن في مبانٍ مهددة هو شكل آخر من أشكال العنف المؤجل. هذا النمط من الحياة يبقي الحرب والكوارث حاضرة في الحياة اليومية، حتى بعد توقف القصف أو زوال التهديد من الطبيعة.

لم تصل آلاف المباني في سوريا إلى مرحلة الخطر بفعل عامل واحد، بل نتيجة تراكم طويل لجملة من الأسباب. فالعديد من الأبنية تعرضت خلال سنوات الصراع لأضرار جزئية بفعل القصف، ما أضعف بنيتها الإنشائية، دون أن تخضع لاحقاً لأي تقييم هندسي جدي أو خطط تدعيم حقيقية.

فضلاً، عن غياب الرقابة، فانتشرت أعمال الترميم العشوائي التي ركزت على المعالجات الشكلية، فأخفت الشقوق الظاهرة بدلاً من معالجة الخلل البنيوي، مانحةً السكان شعوراً مؤقتاً بالأمان يكاد يكون أقرب للوهم، ولا يستند لأي أساس إنشائي سليم.

في السياق ذاته، لم تنشأ حتى اليوم عمليات مسح شاملة ومحدثة للأبنية المتصدعة، ولا توجد قاعدة بيانات واضحة تحدد درجات الخطورة وتلزم الجهات المعنية بالتحرك. وما فاقم الوضع أكثر هو الواقع المعيشي الصعب، وارتفاع الإيجارات وأزمة السكن، ما اضطر كثير من العائلات إلى البقاء في مساكن تعرف مسبقاً أنها غير آمنة، لكن انعدام البدائل أجبرها على البقاء تحت الخطر.

كل ذلك يتقاطع مع تقاعس مؤسسي واضح، متمثل في تأخر قرارات الهدم أو التدعيم، إلى جانب التعقيدات الإدارية والقانونية التي تعرقل مسار التدخل السريع. ناهيك عن تكرار الحرائق والقصف المتكرر من “العدو الإسرائيلي” الذي كان لا يهدأ في فترة من الفترات، خاصةً في دمشق ومحيطها ليضيف طبقة جديدة من الضرر، إذ تصاب مبانٍ إضافية بأضرار جسيمة من دون أن تعالج أو يعوض أصحابها، ما يفضي إلى توسيع دائرة الخطر ويبقيها مفتوحة على احتمالات الانهيار في أي لحظة.

هل يمكن فعل شي؟ ما الحلول الممكنة؟

في الحقيقة، معالجة ملف المباني الآيلة للسقوط يتطلب الانتقال من التعامل مع الحوادث بعد وقوعها إلى اعتماد مقاربة وقائية واضحة. وذلك عبر خطوات عديدة:

  • الخطوة الأولى: إجراء مسح شامل ومحدد للأبنية المتضررة، وتصنيفها وفق درجات الخطورة، لتحديد الأولويات واتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة.
  • الخطوة الثانية: ربط أي أعمال ترميم أو تدعيم، بتقارير هندسية إلزامية، تمنع المعالجات الشكلية غير الآمنة، وتضمن أن يكون التدخل مبنياً على أسس إنشائية صحيحة. لكن في الحالات عالية الخطورة، الإخلاء الوقائي ضرورة لا اختيار، على أن يترافق بتأمين بدائل سكنية مؤقتة تحفظ كرامة السكان، وتخفف عنهم عبء الخوف والهلع اليومي.
  • الخطوة الثالثة: العنصر الحاسم المتمثل بالتمويل، سواء من خلال توجيه موارد إعادة الإعمار نحو التدعيم أو الهدم الآمن، أو من خلال شراكات مع منظمات دولية مختصة، أو السير على نهج تركيا في ترميم المباني الآيلة للسقوط بعد زلزال 2023، كبرنامج تقوية المباني العامة وزيادة الاستعداد المجتمعي من خلال مشاريع مثل، تخفيف المخاطر الزلزالية في اسطنبول  (ISMEP) الذي أعاد تقوية نحو 1.643 مبنى عاماً مع تعزيز قدرات فرق الإغاثة وأنظمة المراقبة، رغم بقاء تعداد الأبنية الضعيفة كبيراً في العاصمة. وتركيا لم تكتفِ بتحديد الأضرار، بل أعلنت عن خطة طموحة لإعادة البناء على نطاق واسع، شملت التزامات ببناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية الجديدة، وتحديد عدد من المباني التي ستعاد تقويتها بدلاً من هدمها عندما يكون ذلك ممكناً وآمناً.
  • الخطوة الرابعة: يمكن اللجوء إلى حلول سكنية سريعة، كالمساكن مسبقة الصنع وقد تم اعتمادها بشكل كبير في الساحل السوري أثناء زلزال شباط 2023، أو ربما اقتراح الضواحي المؤقتة ريثما تستكمل المعالجات.
رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.