بقلم: ريم ريّا
تطفو قضية مصادرة الدراجات النارية في سوريا على السطح بين الحين والآخر، مُشعلةً من جديد الجدل بين السلطات، التي تُصرّ على ضرورة هذه الإجراءات للسيطرة على المخالفات المرورية والحدّ من الحوادث، وبين المواطنين، الذين يرونها عبئاً إضافياً على وسيلة نقل باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية. لم تعد الدراجات النارية مجرد وسيلة نقل بسيطة، بل أصبحت في السنوات الأخيرة خياراً اقتصادياً لا غنى عنه لآلاف العمال والموظفين والطلاب والمهنيين، نظراً لارتفاع تكلفة النقل وتراجع القدرة الشرائية. وبين ضرورة فرض النظام والحفاظ على الأمن العام، من جهة، وضرورة حماية مصالح المواطنين وسبل عيشهم، من جهة أخرى، تبقى هذه القضية من أكثر القضايا إثارةً للجدل في المجتمع السوري، مع تساؤلات متكررة حول أسباب استمرارها والحلول التي يمكن أن تنهي هذه المشكلة المزمنة.
جذور المشكلة.. كيف بدأت أزمة الدراجات النارية؟
لم تظهر أزمة الدراجات النارية في سوريا في الأشهر أو السنوات الأخيرة، بل تعود جذورها إلى سنوات عديدة. إلا أنها تفاقمت بشكل ملحوظ نتيجة للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد في العقد الماضي.
فقد أصبحت الدراجات النارية خياراً أساسياً لآلاف السوريين نظراً لانخفاض تكلفتها مقارنة بالسيارات ووسائل النقل الأخرى، فضلًا عن سهولة التنقل بها داخل المدن والأحياء المكتظة بالسكان والقرى النائية. ومع الزيادة الهائلة في أعداد الدراجات النارية، برزت مشاكل عديدة، منها غياب التنظيم الكافي وعدم التزام بعض السائقين بقوانين المرور. وانتشرت القيادة المتهورة، والقيادة عكس الاتجاه، وقيادة القاصرين، إلى جانب التعديلات التي تسبب ضوضاءً مفرطة واستياءً بين السكان. ومع ازدياد الحوادث والشكاوى العامة، شنت السلطات حملات متكررة لمصادرة الدراجات النارية المخالفة لقوانين المرور. إلا أن هذه الإجراءات لم تحل المشكلة بشكل كامل، ما يجعلها قضية متكررة في العديد من المحافظات السورية.
اقرأ أيضاً: حلب والأردن .. تأهيل الطرق المرورية بين التكلفة ومدة الإنجاز
الدراجات النارية في سوريا.. لماذا لا تنتهي المعضلة؟
على الرغم من الحملات المتكررة التي تستهدف الدراجات النارية في المدن السورية، إلا أن المشكلة تعود للظهور في كل مرة لأسباب متعددة ومترابطة. فالمصادرة والحجز ليسا سوى إجراءات مؤقتة لمعالجة الأعراض، بينما تبقى الأسباب الجذرية دون حل. وتجبر الظروف الاقتصادية الصعبة المزيد من المواطنين على الاعتماد على الدراجات النارية للتنقل والعمل، ولا تزال بعض المناطق تعاني من نقص في وسائل النقل العام، مما يجعل الاستغناء عنها شبه مستحيل بالنسبة للكثيرين.
كما يساهم ضعف تطبيق قوانين المرور وعدم التزام بعض المستخدمين بممارسات القيادة الآمنة في استمرار المخالفات والحوادث. ويرى المراقبون أيضاً أن غياب خطة وطنية شاملة لتنظيم قطاع الدراجات النارية، بما في ذلك التسجيل والترخيص والتأمين والرقابة. ما يخلق حلقة مفرغة، حيث تنخفض المخالفات لفترة وجيزة بعد كل حملة، لتعود وترتفع مجدداً مع مرور الوقت.
استياء المواطنين والحلول الممكنة
ينبع السخط الشعبي الواسع من حقيقة أن الدراجات النارية أصبحت، بالنسبة للعديد من العائلات السورية، وسيلة عمل ومصدر دخل مباشر، وليست مجرد وسيلة ترفيه أو نقل. فالعامل الذي يستخدم دراجته النارية للتنقل، والشاب الذي يعتمد عليها في توصيل الطلبات، والمزارع الذي يتنقل بين أرضه وقريته، جميعهم يتأثرون بشكل مباشر عند حجز دراجاتهم أو مصادرتها. ولذلك، يشعر الكثيرون بأنهم يدفعون ثمن مخالفات يرتكبها غيرهم، ويطالبون بالتمييز بين المخالفات الخطيرة والاستخدام الطبيعي والمنظم للدراجات النارية.
كذلك، لا يمكن تجاهل مطالب السكان الذين يشكون من الضوضاء والحوادث والقيادة المتهورة التي تهدد سلامة المشاة والسائقين. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حلول متوازنة تعود بالنفع على الجميع، من خلال تبسيط إجراءات الترخيص والتسجيل، وتنظيم استخدام الدراجات النارية قانونياً، وفرض عقوبات أشد فقط على المخالفات الخطيرة، وإطلاق حملات توعية مستمرة بشأن السلامة المرورية، وتعزيز الرقابة على قيادة القاصرين والدراجات النارية غير المسجلة. إن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في المصادرة، بل في إيجاد إطار قانوني وتنظيمي يضمن السلامة العامة مع حماية مصالح آلاف المواطنين الذين يعتمدون على هذا النوع من النقل في حياتهم اليومية.