بقلم: ريم ريّا
تعد قرية الدويلة في ريف إدلب الغربي نموذجاً للقرى “المنسية” أو المهمشة التي تعاني من غياب شبه تام للخدمات الأساسية. تقع القرية في منطقة جبلية وعرة، وتشتهر ببيوتها القديمة التي يعيش سكانها فيها، متمسكين بنمط حياة ريفي وتراثي قديم، وتعتبر جزءاً من المناطق التي تفتقر للمشاريع الخدمية الضرورية. في هذا المقال سنعرض ما تعاني منه القرية وما أهم مطالب السكان.
موقع قرية الدويلة في إدلب وعمل سكانها
تقع قرية الدويلة في ريف إدلب الشمالي، تتبع إدارياً لناحية بلدة كفرتخاريم، وتعتبر قرية صغيرة من ناحية المساحة وعدد السكان، إذ يقدر عدد سكانها الأصليين قرابة 2500 – 3000 نسمة مع سكان المزارع المحيطة بها ومنها “المتيلجة” و”الحصن” حسب الإحصائيات الغير رسمية لعام 2023، ولم تتوفر إحصائيات حديثة أخرى. وهي من بين عشرات القرى المنسية في الشمال السوري، وتفتقر لوجود الكثير من الخدمات.
تقع “الدويلة” إلى الشمال الغربي من مدينة إدلب وعلى بعد 40 كيلو متراً منها وعلى بعد 15 كيلومتراً جنوب غرب مدينة “كفر تخاريم” في أعلى نقطة من الجبل الذي يسمى باسمها جبل “الدويلة” على ارتفاع 800 متر عن سطح البحر وسط إطلالة مميزة، وتطل على سهل “العمق” وسهول “عزمارين” من الغرب، وعلى “أرمناز” و”بياطس” و”بيرة أرمناز” و”ملس” وسهل “الروج” من جهة الشرق.
يمكن الوصول إلى قرية “الدويلة” عبر طريق جبلي شديد الوعورة يبدأ من منتصف الطريق الواصل بين مدينتي “كفرتخاريم ” و”سلقين” ومن ثم الاتجاه جنوباً لمسافة عشرة كيلومترات تقريباً فوق الجبل وقد تم شق هذا الطريق بالعمل الشعبي من قبل الأهالي حيث استمر العمل به عدة سنوات وتم شقه بالفأس و”الرفش” ليكون الطريق الوحيد الذي يربط القرية بمحيطها وليشكل جزءاً حيوياً من موقع وأهمية القرية.
يوجد فيها مدرسة وحيدة للتعليم الأساسي، ورغم صعوبة متابعة التعليم لعدم وجود مدرسة ثانوية وصعوبة الطريق الذي يربطها بمحيطها فإن هناك العديد من حملة الشهادات الجامعية في القرية. ويعتمد الأهالي في معيشتهم على الزراعة وتربية الحيوانات حيث يعتمدون على الزراعة البعلية كزراعة الزيتون والتين والكرمة والتبغ لعدم وجود مياه للري وكذلك اعتمادهم على تربية الماعز والأبقار لوجود مساحات حراجية وجبلية واسعة تستخدم لرعي تلك الحيوانات.
اقرأ أيضاً: هل يتحول السفر بين المحافظات السورية إلى رفاهية؟
نمط حياة أهل القرية المنسية
لا يزال الأهالي في “الدويلة” يحافظون على عاداتهم وتقاليدهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم في مختلف المناسبات وخاصة في الأعراس والزواج والأعياد كما أن معظم كبار السن والمعمرين فيها لا يزالون يرتدون الزي التقليدي المؤلف من “السروال” و”الملتان” للرجال وبالنسبة للمرأة ثوب مع “زنار” على الخصر مع عصبة على الرأس في حين أن أعراس القرية كانت تستمر ثلاثة أيام ويشارك فيها كل أهالي القرية وتقتصر على “الطبل والمزمار” وبعض الأغاني والدبكات الشعبية المشهورة في المنطقة.
كما أن أهالي القرية لا يزالون يعتمدون على مياه الآبار السطحية ومياه الأمطار في تأمين مياه الشرب لعدم وجود شبكة مياه فيها حيث كانوا ينقلونها بواسطة “الراوية” وهي عبارة عن وعاء من الجلد مؤلف من قسمين يوضع على ظهر حمار، كما أن الحيوانات كانت الوسيلة الوحيدة في تنقل وسفر أهل القرية إلى القرى والبلدات والمدن المجاورة وخاصة “أرمناز” و”كفرتخاريم” و”سلقين”.
إضافةً إلى اعتمادهم على المحراث القديم المسمى “الفدان” في فلاحة وزراعة معظم أراضيهم الجبلية لغاية الآن بسبب وعورتها وصعوبة حراثتها بالمحراث الحديث، وكذلك اعتمادهم على آلة “الحيلين” في عملية دراسة القمح والشعير وهي آلة خشبية تحوي مسننات معدنية يجرها حصان ويتم من خلالها فصل حبات القمح والشعير عن العيدان.
الدويلة وهي القرية الصغيرة التي سمي الجبل بكامله باسمها قد تم وصلها منذ 15 عاماً بكل من سلقين وكفرتخاريم، ولم يبق الشيء الكثير من ماضيها، سوى معصرة وجذع عمود وصهريج في باحة مدرستها الإبتدائية، وفي الحي الجنوبي الشرقي قطعتا عمود أطول من قطع الأعمدة المألوفة في الكنائس وأروقة المنازل وربما كانتا لنصب جنائزي لأحد المدافن الرومانية أو لأحد المعابد الرومانية. والعنصر المعماري الوحيد الذي ربما يعود الى كنيسة من القرن السادس مرمي بين خرائب منزل متهدم في الحي الجنوبي الشرقي.
الجدير بالذكر، أن تسمية القرية جاءت، من تصغير لكلمة دولة وأن سبب التسمية كما يعتقد عدد من الباحثين لكونها كانت بموقعها الاستراتيجي المميز مركزاً مهماً ومقراً هاماً وحصناً منيعاً وثغراً من الثغور القديمة في المنطقة. ويؤكد ذلك وجود بقايا آثار لحصن قديم بالقرب من القرية وإلى الشمال منها حيث يعد تاريخها جزءاً من تاريخ هذا الحصن وأنه نظراً لمكانته وأهميته فقد ورد ذكره في الحروب الصليبية حيث تكون بهذا الموقع أشبه بالدولة المنيعة.
في عام 2026 أبرز ما تحتاجه القرية وما يطالب به السكان
بفعل محدودية الموارد، يضطر السكان إلى تغيير نمط حياتهم لتكييف مع الحياة، فيتبعون تقنين استخدام الماء، الذي أصبح جزءاً من الروتين اليومي لهم، ليس بدافع الوعي البيئي، بل نتيجة العجز والعوز. فلم يعد الماء في الدويلة مورداً طبيعياً متاحاً، بل تحول إلى عبء اقتصادي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية للسكان. حتى بات جل اعتمادهم على صهاريج المياه، التي يصل سعر الواحد منها إلى نحو 700 ليرة تركية، وهو مبلغ لا يبدو بسيطاً في منطقة تعتمد فيها معظم الأسر على دخل محدود أو غير ثابت.
أما بالنسبة الآبار البدائية التي ما زال السكان يقومون بحفرها، فلا تشكل حلاً حقيقياً، إذ أن معظمها غير صالح للاستخدام المنزلي، ناهيك عن الحاجة إلى تكاليف إضافية لمعالجته، مع غياب أي شبكة مياه منظمة أو دعم مستقر منذ زمن بعيد، تبقى الدويلة عالقة في دائرة مغلقة ومنسية، وتدور في فلك الحاجة الدائمة والتكاليف المرتفعة والوضع الاقتصادي الخانق والخيارات المحدودة.
نقص الخدمات في القرية تجاوز البنى التحتية ووصل إلى الواقع الصحي، فزيارة الطبيب ليست أمراً بسيطاً، فهي تحتاج إلى وقت، ومواصلات، ومال، هذا ما يجعل البعض يؤجل العلاج أو يعتمد على حلول مؤقتة، وهذا يزيد الوضع سوءاً. السكان في القرية لا يطالبون بأكثر من الحد الأدنى للعيش، في ظل غياب تدخل فعلي ليس بجديد.