مشاهير

“الكصاص”.. بداية رحلة صناعة الصوف من الأغنام إلى اللباس

“الكصاص”.. بداية رحلة صناعة الصوف من الأغنام إلى اللباس

بقلم هلا يوسف

يستعد مربو الأغنام في هذا التوقيت من كل عام للبدء بطقس تقليدي اعتادوا عليه منذ أن امتهنوا هذه المهنة وهو “الكصاص” أي جز الصوف، لتكون البُشرى بوفرة الإنتاج وفي نفس الوقت إعلان عن بداية فصل الربيع واعتدال الطقس. كما لا يقتصر هذا التقليد على كونه عملاً مرتبطاً بتربية المواشي، بل يمثل جزءاً من حياة الريف، حيث تتداخل فيه الخبرة مع العادات الاجتماعية التي توارثها الناس جيلاً بعد جيل.

يختلف موعد انطلاق الجز من عام إلى آخر تبعاً لحالة الطقس، فبعض المربين يفضلون الانتظار حتى يستقر الجو، بينما يسارع آخرون إلى البدء مع أولى موجات الدفء. وفي كل الأحوال، تبقى العملية ضرورية، لأن الصوف الكثيف يتحول مع ارتفاع الحرارة إلى عبء على الأغنام، ما يجعل التخلص منه خطوة مهمة للحفاظ على صحتها.

مهنة تحتاج خبرة… ومردود لم يعد كما كان

قد يبدو أن مهنة جز الصوف عمل بسيط، لكن في الحقيقة هي مهنة تعتمد بشكل كبير على الخبرة والدقة. فبحسب أحد العاملين في هذا المجال أكد أن التعامل مع الأغنام يتطلب هدوءاً ومعرفة بطبيعتها، لتجنب إصابتها أثناء القص، خاصة في المناطق الحساسة. كما أن الطريقة التي يتم بها قص الصوف تلعب دوراً في تحديد جودته، إذ يفضل أن يبقى متماسكاً في قطعة واحدة.

ويضيف العامل أن أهمية الصوف الاقتصادية تراجعت كثيراً مقارنة بالماضي. فبعد أن كانت مادة أساسية في صناعة الأغطية والسجاد ومختلف مستلزمات المنزل، أصبحت اليوم أقل طلباً بسبب انتشار البدائل الجاهزة. وهذا ما دفع الكثير من المربين إلى بيع الصوف بأسعار منخفضة، أو حتى التخلص منه لعدم جدوى الاحتفاظ به.

بينما يوضح مربي ماشية آخر من منطقة عامودا، أن غياب الطلب في الأسواق جعله غير قادر على تسويق الصوف، مما يضطره في كثير من الأحيان إلى إتلافه، في مؤشر واضح على التحولات التي طرأت على هذا المورد التقليدي.

طقوس متوارثة وعناية ضرورية بالأغنام

على الرغم من تراجع مردوده الاقتصادي، لا يزال موسم “الكصاص” يحتفظ بجانبه الاجتماعي، حيث تسود روح التعاون بين الأهالي فيما يُعرف “بالفزعة“. إذ يتجمع أبناء القرية لمساعدة بعضهم البعض في إنجاز العمل، فيتنقلون من قطيع إلى آخر، وسط أجواء مليئة بالمودة، تتخللها الأحاديث والوجبات والأهازيج الشعبية التي تخفف من مشقة العمل.

وتبدأ التحضيرات قبل أيام من الجز، حيث يتم غسل الأغنام جيداً لإزالة الأوساخ، ثم يترك الصوف حتى يجف تماماً، وهي خطوة ضرورية لتسهيل عملية القص. وعند البدء، تستخدم مقصات مخصصة، مع تثبيت الحيوان بطريقة آمنة لتجنب حركته المفاجئة.

وتتطلب هذه العملية انتباهاً كبيراً، لذلك يحرص المربون على تجهيز مواد التعقيم مسبقاً، مثل اليود والكحول، لاستخدامها فوراً في حال حدوث أي جرح. كما يؤكد أحد الأطباء البيطريين أن اختيار الوقت المناسب للجز، ويفضل أن يكون الطقس معتدلاً، يساهم في حماية الأغنام من الأمراض، خاصة التنفسية. وينصح أيضاً بتجنب جز النعاج في مراحل الحمل المتقدمة، ومتابعة القطيع بعد الانتهاء للتأكد من سلامته.

ولا تقتصر أهمية الجز على تخفيف العبء عن الحيوان، بل تساعد أيضاً في الوقاية من الأمراض الجلدية، عبر التخلص من الطفيليات والأوساخ المتراكمة، بالإضافة إلى تحسين تهوية الجلد وتجديد نمو الصوف.

في النهاية، يبقى “الكصاص” أكثر من مجرد موسم عمل، فهو صورة حية عن حياة الريف وتفاصيلها اليومية. ورغم التغيرات التي أثرت على قيمته الاقتصادية، لا يزال يحمل معنى خاصاً لدى الأهالي، باعتباره مناسبة تجمعهم وتعيد إحياء روح التعاون بينهم، وتحافظ على تقاليد ما زالت حاضرة في ذاكرة المكان.

اقرأ أيضاً: الموائد السورية تشتاق لعواسها في الخليج .. من الرابح من تصدير الأغنام؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.