مشاهير

المورينجا في الرقة: هل تصبح النباتات الطبية باباً لاقتصاد زراعي بديل؟

المورينجا في الرقة: هل تصبح النباتات الطبية باباً لاقتصاد زراعي بديل؟

الكاتب: أحمد علي

لا يبدأ التحول الزراعي من قرار واسع دائماً. أحياناً يبدأ من شجرة تزرع على سبيل التجربة، ثم تكشف ما هو أبعد من حجمها. في الرقة، تبدو المورينجا بهذا المعنى أكثر من نبات جديد في حقل محدود. إنها سؤال عن الماء والكلفة والسوق، وعن قدرة الزراعة السورية على أن تجد هوامش جديدة داخل أزمة طويلة.

لا يجوز تحميل المورينجا ما لا تحتمل. ليست بديلاً عن القمح، ولا وصفة جاهزة لإنقاذ الفلاح. لكنها تصلح كبداية لنقاش جدي حول النباتات الطبية والعطرية، وحول إمكان بناء اقتصاد زراعي صغير، أقل اعتماداً على المحاصيل التقليدية وحدها، وأكثر قرباً من التصنيع المحلي والقيمة المضافة.

المورينجا في الرقة: تجربة تحت الاختبار

الخبر القادم من الرقة لا يتحدث عن تعميم واسع ولا عن خطة نهائية. وكالة سانا عرضت المسألة بوصفها تجربة زراعة شجرة المورينجا ضمن جهود تنويع الإنتاج الزراعي، مع حديث عن تجارب فردية محدودة وإمكان التوسع لاحقاً إذا أثبتت الدراسات ملاءمتها. هذه الصياغة الهادئة هي الأهم، لأنها تضع الفكرة في مكانها الصحيح. التجربة لا تصبح سياسة بمجرد نجاحها في حقل واحد.

مدير البحوث العلمية الزراعية في الرقة محمد الموسى أوضح أن تشجيع زراعة أي نبات لا يتم بالحماس أو بالرغبة فقط. هناك آلية علمية تمتد ثلاث سنوات داخل المراكز البحثية، ثم ثلاث سنوات أخرى في الحقول الزراعية لدى الفلاحين. هذه ليست بيروقراطية زائدة. إنها محاولة لحماية الفلاح من الاندفاع، وحماية السوق من موجات زراعية تنشأ بسرعة ثم تنطفئ بسرعة أكبر.

أشار الموسى أيضاً إلى نتائج إيجابية ظهرت في بعض الاستخدامات المحدودة، ومنها خلط المورينجا مع نباتات طبية وعطرية مثل الكزبرة والميرمية والحلبة، وما أظهرته بعض الحالات من مساهمة في خفض مستويات السكر التراكمي. لكنه شدد على أن هذه النتائج فردية، ولا تصلح أساساً لتوصية رسمية أو لاستخدام واسع قبل استكمال الدراسات. هنا تظهر الحدود الضرورية بين التجربة والادعاء. الغذاء شيء، والدواء شيء آخر.

لماذا تبحث الرقة عن محاصيل أخرى؟

الرقة محافظة زراعية ثقيلة الوزن. ارتبطت طويلاً بالقمح والقطن والخضار والثروة الحيوانية، ولم تكن يوماً على هامش الخريطة الزراعية السورية. لذلك فإن الحديث عن المورينجا لا يعني الخروج من الزراعة الأساسية، بل محاولة إضافة هامش جديد إلى اقتصاد ريفي يتعرض لضغوط متراكمة.

هذه الضغوط لم تعد خافية. تقرير منشور في صحيفة الثورة السورية، استناداً إلى تقديرات منظمة الأغذية والزراعة، أشار إلى أن إنتاج القمح في سوريا عام 2025 هبط إلى أقل من مليون طن، بعد أن كانت مستويات الإنتاج قبل سنوات تتجاوز 4 ملايين طن سنوياً وتكفي لتحقيق الاكتفاء الذاتي. كما أشار التقرير نفسه إلى تراجع إنتاج القطن بأكثر من 90 في المئة، من أكثر من مليون طن قبل عام 2010 إلى أقل من 20 ألف طن في عام 2021.

هذه الأرقام تضع سؤال البدائل في سياقه. لا أحد يقترح استبدال القمح بالمورينجا. القمح مسألة أمن غذائي. لكن الفلاح الذي يواجه كلفة وقود مرتفعة، ومياهاً أقل انتظاماً، وأسمدة مكلفة، وأسواقاً مضطربة، يحتاج إلى أكثر من محصول واحد كي يخفف هشاشة دخله. هنا تظهر النباتات الطبية والعطرية كمساحة ممكنة، لا كحل كامل.

في الرقة تحديداً، ما زال القمح في قلب المشهد. فقد أعلنت سانا في نيسان 2026 أن التحضيرات لاستلام موسم القمح في المحافظة تجاوزت 70 في المئة، مع توقع جاهزية المراكز والصوامع خلال الشهر التالي، ووصول الطاقة التخزينية للحبوب دكمة إلى نحو 250 ألف طن. هذا الرقم يذكّر بأن المحاصيل الاستراتيجية باقية في المركز. لكن المركز لا يمنع وجود أطراف مساعدة تدعم الدخل الريفي.

شجرة تتحمل المناخ، لكن السوق لا يتحمل العشوائية

ينظر بعض المهندسين الزراعيين إلى المورينجا بوصفها شجرة مناسبة لبيئات مثل الرقة ودير الزور والحسكة. المهندس بشير الهوها تحدث عن قدرتها على تحمل الظروف المناخية، وعن حاجتها المحدودة إلى العناية، وعن استخدامها في تحسين التربة وعلف الحيوانات ودعم تربية النحل بسبب كثرة أزهارها. كما أشار إلى انتشار زراعتها في إدلب، بما قد يعطي مؤشراً على إمكان نجاحها في بيئات سورية مختلفة.

هذه الصفات مهمة، لكنها ليست كافية. نجاح النبات في الحقل لا يعني نجاحه في الاقتصاد. فالمحصول يحتاج إلى مشترين، ومعايير جودة، وقنوات تسويق، وتصنيع، وتخزين، وتجفيف، وتعبئة. إذا غابت هذه السلسلة، قد يجد الفلاح نفسه أمام شجرة تنمو جيداً، لكنها لا تمنحه دخلاً ثابتاً.

هنا يظهر الفارق بين زراعة فردية وقطاع زراعي. الأولى تحتاج إلى حقل صغير ومبادرة شخصية. الثانية تحتاج إلى مشاتل موثوقة، وشتول أو بذار معروفة المصدر، وإرشاد زراعي، ومخابر تحليل، وربط مع الصناعات الغذائية والدوائية والتجميلية. المورينجا قد تكون قليلة المطالب في الأرض، لكنها ليست قليلة المطالب في السوق.

النباتات الطبية كاقتصاد محلي صغير

تجربة المورينجا تفتح باباً أوسع على النباتات الطبية والعطرية في سوريا. هذا القطاع لا يحتاج دائماً إلى مساحات كبيرة، ويمكن أن يدخل في مشروعات أسرية وصغيرة، وفي التجفيف والتعبئة والزيوت والمستحضرات الغذائية والعشبية. صحيفة الحرية نقلت عن الدكتور المهندس الزراعي هيثم زوباري أن سوريا تمتلك أكثر من 3600 نوع نبات طبي وفق مفهوم واسع للنبات الطبي، بما يشمل الأشجار والشجيرات والنباتات الحولية والمعمرة، البرية والمزروعة، التي يمكن الاستفادة من تركيبها الكيميائي.

الرقم كبير. لكنه لا يصبح قيمة اقتصادية بمجرد ذكره. الزعتر، الميرمية، حبة البركة، الحلبة، البابونج، الكزبرة، الشيح، الوردة الشامية، وحشيشة الليمون، كلها أمثلة على نباتات يمكن أن تدخل في الغذاء والدواء والعطور والزيوت. لكن الانتقال من التنوع الطبيعي إلى الدخل يحتاج إلى تنظيم. يحتاج إلى زراعة محسوبة، وقطاف صحيح، وتجفيف سليم، وتعبئة، وتحليل، وترخيص، وتسويق.

زوباري أشار كذلك إلى عوائق أمام هذا القطاع، منها ضعف قناعة بعض المزارعين، والحاجة إلى قنوات تسويق واضحة، وضرورة توفير دعم مالي، وضبط مهنة طب الأعشاب على أسس علمية. هذه العوائق هي نفسها تقريباً التي ستواجه المورينجا إذا انتقلت من التجربة إلى التوسع. المشكلة ليست في النبات فقط. المشكلة في البنية التي تحيط به.

بين الغذاء والدواء: حدود لا بد منها

للمورينجا سمعة واسعة في العالم. تستخدم أوراقها وبذورها وأجزاؤها المختلفة في الغذاء والطب الشعبي والمكملات، وتشير مراجعات علمية حديثة إلى غناها بمركبات حيوية وعناصر غذائية. لكن هذه السمعة قد تتحول إلى فخ إذا خرجت من العلم إلى التسويق غير المنضبط.

لا ينبغي تحويل المورينجا إلى علاج عام. هذا الخطاب يضر المستهلك ويضر النبات نفسه. الاستخدام الغذائي شيء، والادعاء العلاجي شيء آخر. حتى الدراسات التي تتحدث عن إمكانات صحية تضع عادة شروطاً وحدوداً، وتشير إلى الحاجة إلى مزيد من البحث السريري وضبط الجرعات والاستخدامات.

لذلك تبدو ملاحظة مدير البحوث الزراعية في الرقة أساسية. النتائج الفردية لا تكفي للتوصية الرسمية. إذا دخلت المورينجا إلى الأسواق على شكل مسحوق أو شاي أو مكمل، فيجب أن تدخل ضمن مواصفات وتحاليل ورقابة، لا عبر وعود علاجية متداولة في الصفحات والمحال. الثقة في هذا القطاع قد تضيع بسرعة إذا سبق الإعلانُ العلمَ.

الزراعة الذكية لا تعني محصولاً واحداً

أعلنت وزارة الزراعة السورية في شباط 2026 خطة خمسية تمتد من 2026 إلى 2030، تركز على تحسين الأصناف، وتوسيع الزراعة المتكيفة مع المناخ، وتعزيز الأمن الغذائي عبر الاستخدام المستدام للمياه والأراضي. الخطة تحدثت عن أصناف عالية الإنتاجية ومقاومة للجفاف والأمراض، وعن ممارسات زراعية ذكية مناخياً، وعن تقريب البحث العلمي من حقول المزارعين.

تجربة المورينجا تقع داخل هذا الإطار الأوسع. فإذا كانت الزراعة السورية تبحث عن محاصيل أكثر قدرة على تحمل الجفاف والملوحة وارتفاع الكلفة، فإن النباتات الطبية والعطرية تستحق الاختبار. لكن الزراعة الذكية لا تعني التعلق بمحصول واحد. تعني بناء سلة خيارات، منها الأصناف المحسنة من القمح والشعير، والمحاصيل العلفية، والبقوليات، والنباتات الطبية، وتقنيات الري الأكثر كفاءة.

في آذار 2026، بدأ صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا مرحلة تدريبية ضمن مشروع دعم الزراعة في الرقة ودير الزور، شملت 753 مزارعاً من أربع تعاونيات، مع موضوعات مثل الزراعة الذكية مناخياً، وتقنيات الري الحديثة، والإدارة المستدامة للأراضي، والاستخدام الآمن للمبيدات والأسمدة. وبلغ إجمالي ميزانية المشروع 1.82 مليون يورو. هذا النوع من التدريب هو ما تحتاجه المورينجا قبل أي توسع. لا يكفي أن يعرف الفلاح أن الشجرة تتحمل المناخ. يجب أن يعرف كيف يزرعها، وكيف يقلمها، وكيف يحصدها، وكيف يحولها إلى منتج قابل للبيع.

مركز للنباتات الطبية: خطوة تتوقف على التنفيذ

تتجه مديرية البحوث العلمية الزراعية في الرقة، بحسب التصريحات المنشورة، إلى إحداث مركز متخصص بالنباتات الطبية والعطرية يركز على الأنواع التي تلائم بيئة المحافظة. هذه الخطوة قد تكون أهم من المورينجا نفسها. فالنبات قد ينجح أو لا ينجح، أما المركز فيمكن أن يبني معرفة محلية تراكمية إذا امتلك أدواته.

القيمة الحقيقية للمركز لن تكون في اسمه، بل في قربه من الحقول. عليه أن يختبر الأصناف، ويقيس الإنتاجية، ويدرس التربة والمياه، ويقارن الكلفة بالعائد، وينشر نتائج مفهومة للفلاحين. الرقة لا تحتاج إلى بحث معزول على الورق. تحتاج إلى بحث تطبيقي يقول للفلاح أي نبات يناسب منطقته، وكم يكلف الدونم، وكم ينتج، ومن يمكن أن يشتري الناتج.

إذا عمل المركز بهذه الطريقة، فقد يصبح نقطة ارتكاز لاقتصاد صغير حول النباتات الطبية. وإذا تحول إلى عنوان إداري من دون تمويل ومخابر وإرشاد وشراكات تسويقية، فلن يغير كثيراً. الفرق بين الحالتين هو الفرق بين مؤسسة تعمل في الحقل ومؤسسة تكتفي بوصفه.

هل تكون المورينجا بديلاً اقتصادياً؟

كلمة بديل تحتاج إلى حذر. المورينجا لن تكون بديلاً عن القمح أو عن المحاصيل التي يرتبط بها الأمن الغذائي. لكنها قد تكون محصولاً مكملاً، يضيف دخلاً لفلاحين في مساحات محدودة، ويفتح باباً لمشروعات صغيرة في التجفيف والتعبئة والزيوت والأعلاف وتربية النحل.

هذا هو المعنى الواقعي للاقتصاد الزراعي البديل. ليس انقلاباً على المحاصيل التقليدية، بل توسيعاً لخيارات الريف. كل خيار جديد، إذا كان مدروساً وله سوق، يقلل هشاشة الدخل. وفي الرقة، حيث ترتبط حياة كثير من الأسر بالأرض، يمكن لمحصول صغير ذي قيمة مضافة أن يصنع فرقاً، خاصة إذا دخلت التعاونيات والمشروعات المنزلية في التصنيع الأولي والتسويق.

لكن الخطر قائم أيضاً. التوسع غير المدروس قد ينتج خيبة. إذا زرع كثيرون المورينجا دفعة واحدة ثم غاب التسويق، ستنخفض الأسعار وتفشل التجربة. وإذا انتشرت منتجات غير مرخصة بادعاءات صحية مبالغ فيها، ستتضرر الثقة. وإذا جاءت الشتول من مصادر مجهولة، فقد تظهر مشكلات جودة أو أمراض. لهذا لا بد من البطء. ليس بطء التعطيل، بل بطء الاختبار الجاد.

في الختام

المورينجا في الرقة ليست حكاية شجرة غريبة تدخل إلى الحقول. إنها إشارة إلى حاجة أعمق في الزراعة السورية. الحاجة إلى تنويع محسوب، وإلى محاصيل أقل استنزافاً، وإلى منتجات يمكن أن تحمل قيمة مضافة، وإلى ربط البحث العلمي بحياة الفلاح لا بملفات الإدارات فقط.

التجربة تستحق المتابعة، لكنها لا تستحق الضجيج. ثلاث سنوات في المراكز البحثية وثلاث سنوات في الحقول، كما تقول مديرية البحوث، قد تبدو مدة طويلة، لكنها الطريق الأكثر أماناً. فإذا أثبتت المورينجا ملاءمتها، ووجدت سوقاً وتصنيعاً ورقابة، فقد تصبح جزءاً من اقتصاد زراعي بديل ومكمل في الرقة. أما إذا قفزت من التجربة إلى الدعاية، فستبقى وعداً أخضر لا يغيّر كثيراً في دخل الفلاح ولا في شكل الزراعة.

اقرأ أيضاً: الرقة بين الهدم والاعتراض: ماذا يجري في حي الأندلس؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.