رياضة

بيانات غريبة: معامل النسيج التركية قد تنتقل إلى سوريا بدل الخروج منها!

بقلم: ديانا الصالح

رغم الصورة المتداولة منذ سنوات عن خروج المصانع من سوريا وتراجع قدرتها الصناعية، عاد قطاع النسيج هذا الأسبوع إلى واجهة النقاش الاقتصادي لكن من زاوية مختلفة تماماً: حيث حذّر صناعيون أتراك من احتمال انتقال معامل النسيج التركية والملابس الجاهزة من تركيا إلى سوريا، وسط ارتفاع تكاليف الإنتاج داخل السوق التركية وتراجع المنافسة ضمن القطاع هناك.

هذا الاقتراح فتح باباً واسعاً للنقاش بين من يراه فرصة اقتصادية نادرة لسوريا حتى تستعيد جزءاً من دورها الصناعي، وبين من يعتبره خطراً طويل الأمد قد يرهق الاقتصاد الوطني ويضعف ما تبقى من المنتج المحلي.

موجة سوريا.. انتقال معامل النسيج التركية إلى سوريا

وفقاً لتصريحات الصناعي التركي براق سرتباش عضو مجلس غرفة صناعة منطقة إيجه والرئيس السابق لاتحاد مصدّري الألبسة الجاهزة في إيجه، فإن العديد من الشركات التركية كانت قد بدأت في السابق بنقل إنتاجها إلى مصر، مضيفاً أن الأيام المقبلة ستبدأ ما أسماه “موجة سوريا” في إشارة إلى احتمال انتقال جزء من الاستثمارات الصناعية إلى الداخل السوري.

كما أوضح أن قطاع الألبسة الجاهزة من أكثر القطاعات سهولة في النقل قائلاً إن الآلات يمكن تحميلها ونقلها بسرعة مقارنة بقطاعات صناعية أخرى أكثر تعقيداً وثقلاً.

أزمة داخل معامل النسيج التركية تبحث عن مخرج

لا تأتي هذه التصريحات من فراغ بل تعكس وجود أزمة حقيقية يعيشها قطاع النسيج في تركيا والذي يواجه ارتفاعاً مستمراً في تكاليف التشغيل والطاقة والأجور فضلاً عن ضغوط سعر الصرف وتراجع القدرة التنافسية أمام دول تقدّم بيئات إنتاج أقل كلفة وأكثر دعماً للتصدير.

أما التراجع في صادرات قطاع الألبسة الجاهزة التركية من 22 مليار دولار إلى 17 مليار دولار لا يعد مجرد رقم اقتصادي، بل مؤشراً واضحاً على أن القطاع يمر بأزمة حقيقية تحتاج إلى إعادة تموضع سريع من شأنها أن تدفع الشركات إلى البحث عن بدائل إقليمية بحيث تحفظ قدرتها على البقاء في الأسواق الأوروبية والعالمية، خاصة أن صناعة النسيج تعتمد على سرعة التسليم وكلفة الإنتاج.

ومن الناحية الاقتصادية الصرفة فإن منطق انتقال معامل النسيج التركية يبدو مفهوماً، خاصة مع هذا التراجع الواضح في تنافسية القطاع داخل تركيا ذاتها، فالمستثمر الصناعي لا يبحث عن بلد جديد فقط بل عن هامش ربح يستطيع من خلاله الحفاظ على وجوده في السوق، خاصة وأن صناعة النسيج تعتمد على عاملين أساسيين: سرعة التسليم وانخفاض كلفة الإنتاج.

كما أن ارتفاع الأجور والطاقة وتكاليف التشغيل داخل تركيا دفع العديد من الشركات سابقاً إلى نقل جزء من إنتاجها إلى مصر واليوم يُطرح اسم سوريا ضمن المسار نفسه، لذلك فإن الحديث عن “موجة سوريا” لا يبدو مجرد تصريح إعلامي بل قراءة اقتصادية لتحوّل فعلي في قرارات المستثمرين الصناعيين الأتراك.

سوريا كوجهة صناعية بديلة

طرح اسم سوريا كوجهة صناعية بديلة بدا لافتاً، خاصة أن الخطاب الاقتصادي السائد خلال السنوات الماضية كان يقوم على فكرة هروب الصناعات من سوريا لا إليها، وذلك نتيجة تراجع البنية التحتية وارتفاع تكاليف التشغيل وعدم استقرار البيئة الاستثمارية.

لكن في المقابل يرى مؤيدو هذا الطرح أن سوريا ما تزال تمتلك مقومات مهمة في قطاع النسيج تحديداً، أبرزها الخبرة التاريخية الطويلة في مدن كبرى مثل حلب ودمشق وتوفر اليد العاملة الماهرة إضافة إلى انخفاض كلفة العمالة مقارنة بدول أخرى، كل ذلك يضاف عليه الموقع الجغرافي الذي يسمح بسهولة الربط مع الأسواق الإقليمية.

ويرى خبراء اقتصاد وصناعيون أن انتقال معامل النسيج التركية إلى سوريا – إن حدث فعلاً – لن يكون هدفه نقل العمالة التركية بل الاستفادة من انخفاض كلفة التشغيل داخل سوريا، وخاصة الأجور الأقل مقارنة بتركيا إلى جانب وجود خبرة سورية متراكمة في قطاع النسيج منذ عقود.

وهذا يعني أن المستثمر التركي سيبحث عن العمالة المحلية الجاهزة، لا عن استيراد عمال من الخارج، خصوصاً في مدن مثل حلب ودمشق التي تمتلك إرثاً صناعياً كبيراً في هذا المجال.

قطاع النسيج .. الصناعة الأسرع انتقالاً بين الدول

يعد قطاع النسيج والملابس الجاهزة من أكثر القطاعات الصناعية قابلية لإعادة التموضع الجغرافي وذلك لأنه يعتمد على العمالة المكثفة أكثر من اعتماده على البنية الصناعية الثقيلة، كما أن خطوط الإنتاج فيه قابلة للنقل بسرعة نسبياً ولا تحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة التشغيل.

ولهذا السبب كانت مصر واحدة من الوجهات التي استقطبت جزءاً من هذه الاستثمارات في السابق، فيما يُطرح اليوم اسم سوريا ضمن هذا المسار، إلا أن هذا لا يعني انتقالاً فورياً وواسع النطاق، بل يكشف عن تغير حقيقي في حسابات المستثمرين الصناعيين الأتراك، حيث أن المستثمر بات يبحث عن بيئة إنتاج أقل ضغطاً وأكثر ربحاً.

الفرص الاقتصادية المحتملة لسوريا

في حال تحولت هذه التصريحات إلى استثمارات فعلية وانتقلت معامل النسيج التركية إلى سوريا، فإن المكاسب المحتملة لسوريا قد تكون كبيرة، بدءاً من توفير فرص عمل مباشرة لآلاف العمال، خاصة في المحافظات التي تمتلك إرثاً صناعياً في النسيج، وصولاً لإعادة ترميم بنية تحتية خاصة بالصناعة اهترأت على طول السنين الماضية.

ويعد قطاع النسيج من أكثر القطاعات كثافة في اليد العاملة ما يعني أن عودة معامل جديدة قد تنعكس بسرعة على سوق العمل سواء عبر التوظيف المباشر أو من خلال القطاعات المرتبطة به مثل النقل والخدمات والتغليف والمواد الأولية وغيرها.

ليس هذا فحسب، بل إنّ قطاع النسيج السوري قد وصل في مراحل تاريخية سابقة إلى مستويات متقدمة من النشاط الصناعي والتصديري، جعلته يُقارن في بعض الأدبيات الاقتصادية بمراكز صناعية كبرى.

إضافة إلى ذلك فإن زيادة الإنتاج المحلي ورفع فرص التصدير تعني تدفقاً أكبر للعملة الصعبة وتحركاً أوسع لعجلة الاقتصاد الداخلية، خاصة في حال ترافق ذلك مع إعادة تشغيل المدن الصناعية المتوقفة أو المتضررة.

ويعزز هذا الطرح ما يظهر من اهتمام رسمي وصناعي بإعادة إحياء قطاع النسيج السوري، حيث جرى مؤخراً بحث واقع الصناعة النسيجية وسبل تطويرها مع رجل الأعمال والصناعي السوري محمد كامل صباغ شرباتي أحد أبرز الأسماء التاريخية في هذا القطاع، والذي سبق أن ترأس غرفة صناعة حلب والاتحاد العربي للصناعات النسيجية.

إعادة طرح هذا الملف اليوم يمكن قراءتها كمؤشر على محاولة استعادة أحد أهم القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد السوري، وهو ما يجعل أي استثمار خارجي بحاجة إلى خطة واضحة تضمن بقاء الصناعي السوري شريكاً أساسياً لا طرفاً يتم تجاوزه لصالح رأس المال الأجنبي.

ازدهار مؤقت على حساب الصناعة الوطنية!

لا ينظر الجميع إلى هذا السيناريو بإيجابية، فهناك من يرى أن فتح الباب أمام انتقال مصانع مدعومة من الخارج قد يخلق ازدهاراً سريعاً ظاهرياً، إلا أنه وعلى المدى البعيد قد ينهك الاقتصاد الوطني ويضعف الصناعة المحلية بدل أن يدعمها.

أصحاب هذا الرأي يشيرون إلى أن المصانع السورية المحلية تعاني أساساً من ارتفاع التكاليف التشغيلية والإنتاجية من كهرباء ومحروقات وتمويل ونقل دون وجود دعمٍ كافٍ يمكّنها من الصمود أو المنافسة.

ومع دخول مصانع أكبر وأكثر قدرة على التمويل والدعم من دولها الأصلية، قد تجد المنشآت المحلية نفسها عاجزة عن الاستمرار، ما يؤدي إلى إغلاقها تدريجياً وخسارة رأس المال المحلي لقدرته على تطوير وتجديد نفسه.

وبالتالي فإن أي ازدهار سريع قد يأتي على حساب المنتج الوطني نفسه إذا لم يكن ضمن سياسة اقتصادية تحمي الصناعيين المحليين وتمنع تحوّل القطاع إلى قطّاع مملوك لرأس المال الأجنبي العابر.

إذاً المتضرر الحقيقي ليس العامل السوري بل صاحب رأس المال المحلي خاصة أصحاب الورش والمعامل الصغيرة والمتوسطة الذين يعانون أصلاً من ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف التمويل.

فدخول مصانع أكبر وأكثر قدرة على التسعير التنافسي قد يضع الصناعي المحلي أمام منافسة غير متكافئة تهدد استمراره في السوق، ولهذا يحذر اقتصاديون من أن نجاح هذه الخطوة يجب ألا يُقاس فقط بعدد المعامل الجديدة، بل بقدرة الدولة على حماية المنتج المحلي ومنع تحوّل السوق إلى بيئة طاردة لرأس المال الوطني، لأن أي ازدهار سريع قد يأتي على حساب المنتج الوطني نفسه إذا لم يكن ضمن سياسة اقتصادية واضحة وعادلة.

دعم الصناعة المحلية لا استبدالها

يرى اقتصاديون أن الحل الأكثر استدامة لا يكمن فقط في جذب مصانع جديدة، بل في دعم الصناعة والزراعة المحلية أولاً، عبر تخفيف تكاليف الإنتاج وتحسين البنية التحتية وتقديم حوافز حقيقية للمصانع الوطنية حتى تستعيد قدرتها على المنافسة.

لاسيما أن قطاع النسيج كان يشكّل نحو 27% من الناتج الصناعي غير النفطي في سوريا، ويساهم بحوالي 45% من الصادرات غير النفطية، كما كان يوفر فرص عمل لما يقارب 30% من إجمالي القوى العاملة في القطاع الصناعي ونحو 20% من المواطنين السوريين، ما يعكس حجم هذا القطاع كأحد أهم أعمدة الاقتصاد الإنتاجي في البلاد، وهو ما يوضح أن أي تحوّل في هذا المجال لا يتعلق فقط بفرص استثمار جديدة بل بإعادة تشكيل واحدة من أكبر القواعد الصناعية في سوريا.

وبهذا فإن نجاح أي استثمار خارجي يجب أن يكون مكمّلاً للإنتاج المحلي لا بديلاً عنه، لأن بناء اقتصاد متوازن لا يتحقق عبر استبدال المنتج الوطني وإنما عبر تقويته وربطه باستثمارات جديدة تخلق قيمة مضافة حقيقية.

وبين التفاؤل والحذر تبقى المسألة مرتبطة بقدرة سوريا على تحويل هذا الاهتمام الصناعي الخارجي إلى مشروع تنموي طويل الأمد لا مجرد موجة مؤقتة قد تبدو مربحة اليوم لكنها تترك أثراً أكثر تعقيداً غداً.

اقرأ أيضاً: بين الاستيراد والدعم المحلي: أين تتجه صناعة الألبسة في حلب؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.