بقلم: ريم ريّا
يشهد قطاع الألبسة في حلب تحولات جذرية تعكس التحولات الاقتصادية التي تشهدها سوريا في فترة ما بعد الحرب. فبين تزايد الواردات وتراجع القدرة الإنتاجية المحلية، يواجه المصنّعون واقعاً جديداً يفرض تحديات غير مسبوقة. ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن السياق الأوسع، بما في ذلك تغير السياسات الاقتصادية، وتضرر البنية التحتية الصناعية، وبطء إعادة بناء السوق المحلية. لذا، تعدّ هذه الحالة مثالاً واضحاً على أهمية التوازن الدقيق بين حماية الإنتاج المحلي والمشاركة في اقتصاد مفتوح.
ضغط الاستيراد واختلال شروط المنافسة في صناعة الألبسة
أدى فتح سوق الاستيراد بشروط تفضيلية إلى تدفق هائل للمنتجات الأجنبية، وخاصة التركية والصينية، إلى السوق السورية، مما خلق منافسة غير عادلة. لا تقتصر المنافسة على السعر فحسب، بل تشمل أيضاً التوافر واستدامة الإنتاج، في حين تفتقر المنتجات المحلية، نظراً للصعوبات التي تواجهها، إلى الجودة.
لا ينكر الصناعيون في حلب مبدأ المنافسة، لكنهم يشيرون إلى غياب الحد الأدنى من الشروط اللازمة لمنافسة عادلة، مثل الطاقة بأسعار معقولة، وسلسلة إمداد مستقرة، وإمكانية الوصول إلى المواد الخام. في هذا الصدد، يبدو أن المشكلة لا تكمن في جعل السوق حرة، بل في توقيت تحرير السوق وتنفيذه في بيئة غير مهيأة.
اقرأ أيضاً: أسواق البالة تنقذ السوريين.. أين الرؤية الاقتصادية؟
إرث الحرب وتآكل القاعدة الإنتاجية
لا يمكن فصل تراجع صناعة النسيج والألبسة في حلب عن آثار الحرب التي استمرت لأكثر من عقد، وأدت إلى تدمير البنية التحتية، وهجرة العمالة الماهرة، ونزوح رؤوس الأموال. وقد أضعفت هذه العوامل القدرة الإنتاجية، وجعلت الصناعة أقل قدرة على التكيف مع التغيرات المفاجئة.
إضافةً إلى ذلك، ساهمت العقوبات وصعوبة استيراد المعدات الحديثة في اتساع الفجوة التكنولوجية بين المنتجات المحلية والأجنبية. ونتيجةً لذلك، لم تعد الصناعة قادرة على المنافسة بنفس الأدوات السابقة، مما يجعلها عرضةً لأي تحرير اقتصادي غير مقصود.
جدلية السوق الحر وحماية المنتج المحلي
يعكس النقاش الدائر حالياً بين قادة الصناعة وغرفة الصناعة تفسيراً مختلفاً للواقع الاقتصادي. فبينما يدعو بعض المصنّعين إلى فرض قيود أو تعريفات جمركية على الواردات لحماية الصناعة المحلية، تتبنى السلطات الحكومية نهجاً منفتحاً قائماً على الثقة في القدرة التنافسية للمنتجات السورية.
ولا يعكس هذا التباين تضارب المصالح فحسب، بل يعكس أيضاً اختلافاً في تقييم مدى جاهزية السوق المحلية للاندماج في نظام السوق الحرة. وبين هذين الموقفين تكمن الحاجة إلى سياسة توازن بين تعزيز المنافسة ومنع تراجع القطاعات الإنتاجية، وذلك من خلال أدوات تنظيمية مُحكمة التصميم لا تعيق السوق ولا تحررها من القيود.
المعارض كأداة إنعاش محدودة الأثر
تمثل فعاليات مثل معرض خان الحرير محاولةً لتنشيط قطاع النسيج من خلال فتح قنوات تسويقية جديدة وتعزيز التواصل بين المنتجين والمستهلكين. ورغم الأهمية الرمزية والاقتصادية لهذه المبادرات، إلا أن تأثيرها سيكون محدوداً ما لم تنفذ إصلاحات أعمق في بيئة الإنتاج.
فبينما قد تسهم المعارض التجارية في تحسين المبيعات على المدى القصير، إلا أنها لا تعالج المشكلات الهيكلية المتعلقة بالطاقة والتكاليف والقدرة التنافسية. ومع ذلك، يمكن اعتبارها مؤشراً على الرغبة في التعافي ومحاولةً لاستعادة دور حلب التاريخي كمركز صناعي رئيسي.
في الختام، يجسد واقع قطاع الألبسة في حلب معادلةً معقدة تجمع بين التحرير الاقتصادي والتحديات الهيكلية. فبينما تسهم الواردات في تنويع السوق وتمثل خطوةً نحو اقتصاد متحرر، إلا أنها تشكّل تحدياً كبيراً نظراً لنقاط الضعف الحالية في الصناعة المحلية.
وبدون سياساتٍ متوازنة تعالج الأسباب الجذرية للمشكلة، قد يصبح هذا التحرير، بدلاً من أن يكون فرصةً للنمو، عاملاً إضافياً في تراجع الإنتاج المحلي، مما يجعل مستقبل القطاع مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على إدارة هذا التحوّل بعناية وواقعية.