بقلم هلا يوسف
لا تزال سوريا والحكومة السورية الجديدة تحت أنظار المجتمع الدولي والوكالات الإعلامية الدولية التي تتبع كل خطوة لها، وتقيّم كل مسار تسير فيه. ومع توجيه البوصلة السورية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، كان هناك توقعات لدى البعض بأنّ الدعم الغربي سيمنع الحكومة الجديدة من التعامل مع روسيا والصين. لكن الواقع فرض نفسه، فالواقعية السياسية والاقتصادية عنت حدوث أمرٍ مختلف. هذا ما تحدثت عنه وكالة رويترز في تقريرها الأخير حول النفط القادم من روسيا إلى سوريا. وهذا ما سنضع أبرز نقاطه لكم في هذا المقال.
تشير معطيات حديثة نشرتها وكالة رويترز إلى تحولات مهمة في ملف الطاقة في سوريا بعد تحرير سوريا من النظام السابق في كانون الأول 2024. فمع بداية مرحلة جديدة سياسياً، حاولت الحكومة السورية التقرب من الغرب. لكنّ الواقع الاقتصادي فرض عليها خيارات محدودة، خاصة في قطاع النفط الذي يعاني من ضعف في الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب. وفي هذا السياق، برزت روسيا كمصدر رئيسي للنفط إلى سوريا، مما عكس حجم التعقيدات الاقتصادية والسياسية التي تواجه الحكومة السورية.
روسيا تصبح المورد الرئيسي للنفط إلى سوريا
بحسب تقرير رويترز، التي اعتمدت على تحليل بيانات الإعلانات الرسمية وتتبع السفن عبر منصات مثل مجموعة بورصات لندن ومواقع متخصصة مثل “مارين ترافيك” و”شيبنكست”، ارتفعت شحنات النفط الروسية إلى سوريا بنسبة 75% لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً خلال العام الحالي. ورغم أن هذه الكمية تعد صغيرة مقارنة بإجمالي صادرات روسيا العالمية، إلا أنها تمثل عنصراً أساسياً في تلبية احتياجات السوق السورية.
وتوضح البيانات أن روسيا كانت أول من أرسل ناقلة نفط إلى سوريا بعد التحرير، واستمرت في تزويدها بنحو 16.8 مليون برميل خلال عام 2025، أي ما يعادل حوالي 46 ألف برميل يومياً عبر 19 شحنة بين كانون الأول وشباط. كما رصدت رويترز وصول 21 سفينة روسية تقريباً بشكل أسبوعي إلى الموانئ السورية، وجميعها خاضعة لعقوبات غربية.
ويمثل هذا التحول تغييراً جذرياً مقارنة بالسنوات السابقة، حيث كانت إيران المورد الرئيسي للنفط الخام إلى سوريا طوال سنوات الحرب، إذ تشير بيانات شركة “كبلر” إلى أن واردات سوريا في عام 2024، والتي بلغت نحو 22.2 مليون برميل، جاءت بالكامل من إيران قبل أن تتوقف الإمدادات بعد التحرير.
أما على مستوى الإنتاج المحلي، فرغم استعادة الحكومة السيطرة على بعض الحقول في شرق البلاد، لا يزال الإنتاج محدوداً. فحقل العمر، وهو الأكبر في سوريا، ينتج نحو 5000 برميل يومياً فقط، بينما بلغ إجمالي الإنتاج المحلي حوالي 35 ألف برميل يومياً في عام 2025، مقارنة بحوالي 350 ألف برميل يومياً قبل الحرب. بينما تقدر احتياجات سوريا اليومية من النفط والوقود بين 120 و150 ألف برميل، بالإضافة إلى نحو 50 ألف برميل يتم تهريبها يومياً من لبنان، الذي يستورد كذلك النفط من دول عدة منها تركيا والسعودية وروسيا.
وبذلك تغطي الشحنات الروسية نحو ثلث الطلب المحلي، وهو ما يجعلها عنصراً حيوياً في استقرار السوق. وذكر مسؤول في الشركة السورية لنقل النفط، بحسب رويترز، أن العقود مع روسيا تم إبرامها قبل ارتفاع الأسعار الناتج عن التوترات الإقليمية، مما سمح بالحصول على النفط بخصومات مقارنة بسعر خام برنت.
وعلى الرغم من إعلان وصول الشحنات عبر وسائل الإعلام الرسمية، لا تكشف السلطات السورية عن مصدرها، في ما يبدو أنه محاولة لتجنب الحساسية الداخلية تجاه روسيا بسبب دعمها السابق للنظام. وكانت الشحنة الوحيدة التي تم الإعلان عن مصدرها صراحة هي من السعودية في تشرين الثاني، وقد تم وصفها بأنها منحة.
قيود اقتصادية وتعقيدات سياسية تحيط بالتجارة
توضح رويترز نقلاً عن محللين وثلاثة مسؤولين سوريين، أن هذه العلاقة مع روسيا تعكس ضرورة اقتصادية أكثر من كونها خياراً سياسياً. إذ إن الاقتصاد السوري لا يزال ضعيف الاندماج في النظام المالي العالمي، بالرغم من قيام أوروبا والولايات المتحدة برفع العقوبات العام الماضي. كما أن محدودية السوق وضعف القدرة الشرائية يصعبان على الحكومة السورية توقيع عقود طويلة الأجل مع موردين كبار مثل دول الخليج.
وأشار مسؤول في الشركة السورية للبترول إلى أن الحكومة تحاول تنويع مصادرها، وقد سعت لإبرام صفقة مع تركيا، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح حتى الآن. كما أن إعادة تفعيل حساب مصرف سوريا المركزي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في آذار 2025 فتحت المجال أمام تحسين الاتصالات المالية، لكنها لم تحل المشكلة بشكل كامل.
بينما أوضحت شركة التحليلات البحرية “سينماكس” أن القيود المالية والمخاطر التجارية وسنوات الصراع قللت من قدرة سوريا على التعامل مع شركات الشحن التقليدية، مما يجعل الشبكات المرتبطة بروسيا الخيار الأكثر واقعية حالياً بحسب تقرير رويترز. لكنها حذرت من أن هذه الشبكات قد تؤثر سلباً على سمعة سوريا التجارية في المستقبل، مشيرة إلى أن العودة إلى سلاسل التوريد العالمية لن تحدث بسرعة.
كما كشف التقرير عن استخدام طرق نقل معقدة، مثل نقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، غالباً قرب اليونان أو قبرص أو مصر، وهي طريقة تستخدم لتقليل التكاليف أو لإخفاء مصدر الشحنات والالتفاف على العقوبات. وقد رصدت “سينماكس” سلوكاً غير طبيعي في بيانات بعض السفن، مثل بث مواقعها بشكل متقطع أو استخدام هويات سفن أخرى.
وتعليقاً على ذلك قال الخبير الاقتصادي السوري كرم شعار لوكالة رويترز أن هذه التجارة قد تجعل قطاع الطاقة السوري عرضة لخطر عودة العقوبات الغربية، وأضاف أنه في حال فشل الولايات المتحدة في التوصل إلى تسوية مع روسيا بشأن أوكرانيا، فقد تضغط على سوريا لوقف استيراد النفط الروسي بشكل مفاجئ.
كما حذرت نعوم ريدان، محللة المخاطر البحرية والطاقة في معهد واشنطن، من أن القضية لا تتعلق فقط بتأمين النفط، بل أيضاً بتحديد الأطراف المستفيدة من هذه التجارة، خاصة في ظل وجود جهات خاضعة للعقوبات ضمن سلاسل التوريد.
كما تطرق تقرير رويترز على الاستفادة التي تحققها روسيا من هذه العلاقة الاقتصادية، وأشارت أن ذلك يمنح روسيا نفوذاً إضافياً داخل سوريا، خاصة مع استمرار وجود قاعدتين عسكريتين لها بحرية وجوية. وقد أشار مسؤولون إلى أن مستقبل هاتين القاعدتين يعد موضوعاً رئيسياً في النقاشات مع الدول الغربية. وفي هذا السياق، دعا عضو الكونغرس الأمريكي جو ويلسون إلى إنهاء الوجود الروسي، معتبراً أن ذلك يتماشى مع رغبة غالبية السوريين.
في الختام، لا بد من الإشارة أن التقرير يشير بشكل واضح إلى أن خيارات الحكومة السورية بما يخص النفط محدودة، واختيارها للنفط الروسي لا يحمل أبعاداً سياسية بقدر ما هو خيار مفروض من واقع اقتصادي ضعيف. ومن خلال تقرير رويترز السابق نستنتج أن سوريا لا تزال في مرحلة انتقالية معقدة، تحاول فيها تحقيق توازن معقد بين تأمين احتياجاتها الداخلية والحفاظ على علاقاتها الخارجية.
اقرأ أيضاً: في نهاية 2025.. ما الذي تستفيده روسيا من قاعدتها الجوية في سوريا؟