أخبار سوريا

حين تتحول المشاعر إلى سلعة: بين المخالفة ومسؤولية الدولة في ضبط الإعلانات

حين تتحول المشاعر إلى سلعة: بين المخالفة ومسؤولية الدولة في ضبط الإعلانات

بقلم هلا يوسف

لم يترك السوشال ميديا مجالاً كبيراً للمنافسة الشريفة في ظل وجود مئات الشركات التي تنتج نفس المنتج عدا عن المنتجات المستوردة المنافسة، وهذا ما قد يدفع بعض الشركات إلى استغلال الإعلان بأي طريقة لجلب مستهلكين وزبائن، حتى لو اضطروا لركوب موجة جديدة مختلفة عنهم، أو تطويع آلام الناس لخدمة منتجهم. فنحن نعلم أن الإعلان في عصرنا تحول إلى صناعة معقدة قائمة على الدراسات النفسية للجمهور المستهلك، وتحليل السلوك والوعي واللاوعي معاً. وفي الوقت الذي من المفترض أن يظل الإعلان مساحة للإبداع والشفافية، فإن بعض الممارسات تجاوزت هذا الحد، لتصل إلى استغلال مشاعر الناس وقيمهم ورموزهم الوطنية والإنسانية لأغراض تجارية بحتة، وهنا تبدأ المشكلة.

ويمكن طرح مثالاً حقيقياً عن ما تم ذكره في السابق في المخالفة التي تم توجيهها إلى إعلان أنتج لصالح شركة الأجداد، حيث تضمن لقطات صوتية من معركة تحرير ومشاهد لمعتقل داخل السجن. وقد اعتبر ذلك مخالفة صريحة للضوابط الناظمة للمحتوى الإعلاني، مع مطالبة بحذف الإعلان فوراً من جميع المنصات. فالمسألة لم تكن شكلية أو إجرائية، بل تتعلق بجوهر العلاقة بين الإعلان والمجتمع، مما يطرح تساؤلات حول مدى أحقية الإعلان الاستثمار بالألم والرموز الوطنية لبيع منتج غذائي؟ وأين يقف الحد الفاصل بين الإبداع والتلاعب؟

كيف يتم استغلال مشاعرنا دون أن نشعر؟

تعتمد الإعلانات الحديثة على ما يعرف بالتأثير العاطفي غير المباشر. فالمتلقي قد يظن أنه يتخذ قراراته بعقلانية، بينما تكون مشاعره قد تم توجيهها مسبقاً عبر الموسيقى، والصورة، والإيقاع السريع، والرموز، وحتى الألوان.

في الفيلم الوثائقي “استبداد الصورة” الصادر عن قناة الجزيرة، يشرح الباحث المغربي سعيد بنكراد كيف تستخدم الصورة كأداة لبرمجة الرغبات، لا لتقديم معلومات. فالصورة أسرع من الكلمة وأشد تأثيراً، وقادرة على الوصول إلى مناطق لا واعية في النفس.

هذا ما يفسر لجوء بعض الحملات الإعلانية إلى مشاهد الحرب، أو السجون، أو الأطفال، أو الأزمات الإنسانية. فهذه العناصر تثير الخوف أو الفخر أو التعاطف، وتخلق حالة شعورية قوية. وعندما يتم ربط هذه الحالة بمنتج لا علاقة له بتلك القضايا، ينشأ ارتباط عاطفي مصطنع يدفع المستهلك إلى اتخاذ قرار شراء لا يستند إلى حاجة حقيقية.

والجدير بالذكر أن المشكلة لا تكمن في استخدام العاطفة بحد ذاتها، فالإعلان بطبيعته خطاب عاطفي. لكن الجدل يبدأ عندما يتم استغلال القيم العليا كالتضحيات الوطنية أو المعاناة الإنسانية لتختزل في وسيلة بيع، عندها تتحول العاطفة من قيمة إنسانية إلى أداة تسويق.

من الإقناع إلى الخداع… متى يفقد الإعلان أخلاقيته؟

تناول الناقد الفرنسي رولان بارت في تحليلاته الإعلانية العلاقة بين الصورة والاستهلاك، موضحاً أن الإعلان لا يبيع منتجاً فقط، بل يعيد إنتاج منظومة قيم. فالمنتج لا يعرض بوصفه سلعة، بل بوصفه طريقاً إلى السعادة، أو الرفاه، أو الانتماء، أو الحب. ومن هنا تتشكل النزعة الاستهلاكية التي أشار إليها اقتصاديون ومفكرون، حيث يصبح الامتلاك تعبيراً عن الهوية، بمعنى آخر ما تشتريه يحدد من أنت. ومع تكرار هذا الخطاب تتحول الرغبة إلى حاجة، والحاجة إلى ضرورة نفسية.

في هذا السياق، يصبح استغلال المشاعر أكثر خطورة. لأن الإعلان لا يكتفي بإثارة الانتباه، بل يعيد تشكيل وعينا بالقيم. فإذا ارتبطت الرموز الوطنية بمنتج غذائي، أو ارتبطت العبادة بسلعة استهلاكية مثل إعلان بن الحموي الذي استغل آية قرأنية وربطها ببدء العمل مع فنجان قهوة، فإن القيمة الأصلية تتآكل تدريجياً، ويعاد تعريفها في سياق تجاري.

وهنا لا نتحدث فقط عن إجراء استغلال المشاعر بحد ذاته، بل نربطه بالنتيجة التي تتجاوز حدود الشراء إلى فقدان الثقة. فعندما يكتشف الجمهور أن مشاعره تم استخدامها كوسيلة ضغط، تتزعزع ثقته ليس فقط في الإعلان التجاري، بل حتى في الحملات التوعوية والخدمية، وهذا ما يؤدي إلى خلل الشفافية مع كل ما تنتجه الدولة والشركات.

لماذا يجب أن تتدخل الدولة؟

من خلال المناقشة السابقة قد يصل الكثير من القراء إلى استنتاج أن الأسلم للمستهلك عندما يصل إلى منتج يستغله هو الاعتماد على تجربته الخاصة، بمعنى أن يختار المنتج المناسب له بعد التجريب، وبالتالي نصل إلى فكرة أن السوق كفيل بتصحيح نفسه، وإن الجمهور قادر على التمييز. لكن التجربة الدولية تشير إلى أن غياب الضوابط يفتح الباب لممارسات مضللة، يصعب ضبطها دون إطار قانوني واضح.

ففي الاتحاد الأوروبي، صدر قانون الخدمات الرقمية لضبط عمل المنصات الرقمية والإعلانات عبر الإنترنت. حيث يفرض القانون شفافية الإعلانات، ويلزم المنصات بالإفصاح عن الجهة المعلنة وسبب ظهور الإعلان للمستخدم، ويحظر استهداف الأطفال، كما يمنع استخدام البيانات الحساسة كالدين أو العرق في توجيه الإعلانات. كما يجرم ما يعرف “بالأنماط المظلمة”، أي التصاميم التي تدفع المستخدم لاتخاذ قرار لم يكن ليتخذه لولا الخداع البصري أو الإجرائي.

وفي الولايات المتحدة، خضعت شركة مشروبات طاقة شهيرة لمساءلة قانونية بسبب إعلانها الذي أوحى بقدرات غير واقعية، ما أدى إلى تعويضات مالية للمستهلكين، وصلت إلى 10 دولارات لكل مستهلك، بعد اعتبار الرسالة الإعلانية مضللة.

أما في السعودية، فتوجد عدة أنظمة تضبط المجال الإعلاني، من بينها نظام الإعلام المرئي والمسموع ونظام مكافحة الغش التجاري، بالإضافة إلى تنظيمات التجارة الإلكترونية. هذه الأنظمة تمنع الإعلانات المضللة، وتحظر استغلال الأطفال أو المرضى وتلزم بالشفافية، وتفرض غرامات قد تصل إلى 500 ألف ريال، مع إمكانية مضاعفتها عند التكرار.

قد يقول الكثير من العاملين في هذا المجال أن هذا التدخل يقيد الإبداع، إلا أن الهدف منه هو حماية المجال العام من التشويه. فكما تحمي الدولة المستهلك من الغش في السلع، فهي معنية أيضاً بحمايته من الغش في المعنى.

في النهاية، يجب أن يكون الإعلان رسالة قائمة على الفن الإبداعي القادر على الوصول إلى الجمهور بطريقة سلسلة وشفافة من غير تزييف أو استغلال، لا أن يتحول إلى أداة ضغط نفسي، تستغل مشاعر الخوف والحزن والفخر الديني أو الوطني لزيادة المبيعات. وبعد مخالفة شركة الأجداد لنظام الإعلانات، تأتي مسؤولية الدولة في فرض قوانينها وتشريعاتها التي تحمي وعي الجمهور. كما يجب أن تكون هناك مسؤولية اجتماعية لدى الجمهور في رفض تحويل مشاعره لسلعة، وهذا ما عبر عنه الجمهور السوري بعد إعلان شركة أجداد وبن الحموي.

اقرأ أيضاً: السوريون ممنوعون من العمل عن بعد!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.