بيئة

دراسة: بين الأنا والجماعة.. كيف تشكلنا المشاعر في زمن الاضطراب

دراسة: بين الأنا والجماعة.. كيف تشكلنا المشاعر في زمن الاضطراب

بقلم هلا يوسف

أصبح الحديث عن الهدوء الداخلي في زمن تتسارع فيه الأحداث والأخبار وتختلف فيه الآراء ضرباً من الخيال. فالمشاعر اليوم لم تعد تخص الفرد وحده، بل تتشكل من خلال ما يحيط به من مجتمع، ومن خلال ما يراه ويسمعه يومياً، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فأحياناً نشعر بالغضب أو الحزن أو القلق دون أن نكون قد مررنا بتجربة مباشرة، وكأننا نشارك الآخرين مشاعرهم. وهذا يدفعنا للتساؤل: هل هذه المشاعر نابعة منا فعلاً، أم أننا نتأثر بالجماعة التي ننتمي إليها؟ واليوم في سوريا، يصبح هذا السؤال هاماً للإجابة عليه.

في الحقيقة، حاول العديد من الباحثين عبر التاريخ فهم العلاقة بين الفرد والجماعة، وكيف تتشكل المشاعر بينهما. وقد قدموا تفسيرات مختلفة تساعدنا على فهم ما نعيشه اليوم.

كيف تتحول مشاعر الفرد إلى مشاعر جماعية؟

من أوائل من درس هذه الظاهرة كان عالم الاجتماع الفرنسي “غوستاف لوبون” في كتابه “الحشد: دراسة العقل الشعبي”. رأى لوبون أن الإنسان عندما يكون ضمن جماعة، لا يتصرف كما يتصرف وهو وحده، بل يندمج في ما يشبه “عقلاً جماعياً”. في هذه الحالة، تنتقل المشاعر بسرعة بين الناس، وقد يندفع الفرد للتصرف بشكل لم يكن ليفعله بمفرده.

لكن هذه الفكرة لم تكن الوحيدة. فقد قدم عالم الاجتماع “إميل دوركهايم” رؤية مختلفة في كتابه “الأشكال الأولية للحياة الدينية”، حيث تحدث عن مفهوم “الفوران الجماعي”. وهو شعور قوي يظهر عندما يجتمع الناس في طقوس أو مناسبات مشتركة، فيشعرون بوحدة وترابط كبيرين. هذا النوع من المشاعر لا يضعف الفرد، بل قد يمنحه شعوراً بالانتماء والقوة.

وفي حياتنا اليوم، يمكن أن نرى هذين الشكلين معاً. ففي بعض الأحيان، تقود المشاعر الجماعية إلى التوتر والانقسام، وفي أحيان أخرى تعزز التضامن بين الناس، خاصة في الأزمات مثل أزمة أسعار الكهرباء.

لماذا نتأثر بالآخرين في مشاعرنا؟

تناول عالم الاجتماع غابرييل تارد هذه الفكرة في كتابه قوانين التقليد، حيث رأى أن المجتمع يقوم أساساً على “التقليد”. فنحن نقلد بعضنا في الأفكار والسلوكيات، وكذلك في المشاعر. وعندما تنتشر فكرة أو شعور، فإنها تنتقل من شخص لآخر حتى تصبح حالة عامة.

أما عالم النفس “سيغموند فرويد”، فقد شرح هذه الظاهرة من زاوية نفسية في كتابه “علم نفس الجماهير وتحليل الأنا”. رأى فرويد أن الفرد داخل الجماعة يصبح أكثر قابلية للتأثر، وقد يميل إلى تقليد القائد أو التماهي مع المجموعة. كما أشار إلى أن بعض المشاعر المكبوتة قد تظهر بشكل أقوى عندما يكون الإنسان ضمن جماعة.

يظهر هذا بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لمنشور واحد أن يثير موجة من الغضب أو التعاطف خلال وقت قصير. وهذا يشبه ما تحدث عنه هؤلاء الباحثون، لكن بشكل أسرع وأوسع

هل مشاعرنا ثابتة أم تتشكل حسب البيئة؟

في السنوات الأخيرة، ظهرت أفكار جديدة تؤكد أن المشاعر ليست ثابتة عند جميع الناس. فقد أوضحت عالمة النفس “ليزا فيلدمان باريت” في كتابها “كيف تُصنع العواطف” أن المشاعر يتم بناؤها داخل الدماغ، بناءً على التجارب السابقة والثقافة والبيئة. أي أن الإنسان لا يولد وهو يعرف الغضب أو الحزن بشكل جاهز، بل يتعلم كيف يشعر وكيف يفسر مشاعره.

وهذا ما أكده أيضاً عالم الأنثروبولوجيا “فرانز بواس” في كتابه “عقل الإنسان البدائي”، حيث بين أن طريقة فهمنا للعالم ولمشاعرنا تتأثر بالثقافة التي نعيش فيها. فلا توجد طريقة واحدة يشعر بها جميع البشر، بل تختلف المشاعر من مجتمع لآخر.

وإذا نظرنا إلى الواقع السوري، نجد أن الناس قد يعيشون نفس الحدث، لكن يشعرون به بطرق مختلفة. فالتجارب التي مر بها كل شخص، والبيئة التي يعيش فيها، تؤثر بشكل كبير على مشاعره وتفسيره لما يحدث حوله.

في النهاية، لا يمكن فصل مشاعرنا عن المجتمع الذي نعيش فيه. نحن نتأثر بالآخرين، كما نؤثر فيهم، ومشاعرنا تتشكل في هذا التفاعل المستمر بين الفرد والجماعة. وقد حاول العديد من الباحثين كما ذكرنا سابقاً، تفسير هذه العلاقة بطرق مختلفة، لكنها جميعاً تشير إلى فكرة واحدة: الإنسان كائن اجتماعي، لا يعيش ولا يشعر بمعزل عن الآخرين، وبالتالي فهم هذه العلاقة يساعدنا على أن نكون أكثر وعياً بمشاعرنا، خاصة في زمن تزداد فيه الضغوط والتحديات. وعندما ندرك أن بعض مشاعرنا قد تكون نتيجة لما يحيط بنا، نصبح أكثر قدرة على التعامل معها بهدوء وتوازن، ونقترب أكثر من فهم أنفسنا والآخرين.

اقرأ أيضاً: التفويض الصامت: دراسة تبين كيف تدار الحروب باسمنا

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.