اخبار مصر

سوق دمشق للدولار والذهب: رحلة الحرب بين السياسة النقدية والسوق السوداء

سوق دمشق للدولار والذهب: رحلة الحرب بين السياسة النقدية والسوق السوداء

بقلم هلا يوسف

لم تكن خطوة إنشاء سوق للدولار والذهب في سوريا فكرة جديدة، بل قديمة طرحها الكثير من الخبراء الاقتصاديون على مصرف سوريا المركزي منذ عهد النظام السابق، لكن تطبيقها في المرحلة الحالية يعد نقطة تحول في السياسات النقدية، لها إيجابياتها وتحدياتها ولها سلبياتها، لأنها خطوة صحيحة بحسب الخبراء. لذلك في هذا المقال سنتناول تداعيات هذا القرار، وكيف سيؤثر على سوق العملات السورية.

أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية عن توجهه نحو إحداث سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، إلى جانب إطلاق منصة إلكترونية لتنظيم عمليات بيع وشراء العملات بالتعاون مع شركة دولية. ويأتي هذا التوجه ضمن مساعٍ تهدف إلى ضبط سوق الصرف، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، والحد من نشاط السوق السوداء التي لعبت دوراً كبيراً في تشوهات الأسعار خلال السنوات الماضية.

ويقوم هذا المشروع على فكرة إنشاء منصة رقمية تعتمد على بيانات لحظية لحركة العرض والطلب، بما يتيح الوصول إلى سعر أكثر واقعية وشفافية، ويحد من التباين الكبير الذي طبع أسعار الصرف لفترة طويلة.

بحسب ما أوضحه حصرية فإن الهدف من المنصة هو بناء بيئة تداول منظمة تعتمد على معايير حديثة، وتسمح بمشاركة الجهات المرخصة فقط في عمليات البيع والشراء. ومن المتوقع أن يسهم ذلك في تقليص المضاربات غير المنظمة، وتوحيد مرجعية التسعير، بما ينعكس تدريجياً على استقرار سوق العملات.

كما تعتمد الآلية الجديدة، وفق التوجه الرسمي، على متابعة حركة العرض والطلب بشكل مباشر، وتحديث سعر الصرف بصورة مستمرة بحيث يعكس القيمة الحقيقية لليرة السورية مقابل الدولار، بدلاً من الاعتماد على تقديرات منفصلة أو أسعار متعددة.

خطوة مطلوبة ولكن بشروط أساسية

قال الخبير الاقتصادي والمستشار التنفيذي في وزارة الاقتصاد والصناعة جورج خزام إن هذه الخطوة تتوافق مع طرحه الذي قدمه منذ عام 2023، والذي يدعو إلى إنشاء منصة رسمية لبيع وشراء الدولار والذهب بهدف الحد من تأثير الصفحات غير الرسمية التي تتحكم بجزء من حركة السوق والمعيشة اليومية على حد وصفه.

ويرى خزام أن أهمية هذه المنصة تكمن في قدرتها على كشف سعر التوازن الحقيقي الناتج عن تفاعل العرض والطلب، بدلاً من ما يصفه “بالسعر الوهمي” الذي لا يعكس القوة الشرائية الفعلية لليرة. ويؤكد أن دور المصرف المركزي في هذه الحالة لا يتطلب بالضرورة امتلاك احتياطات ضخمة، بل يتركز في التنظيم والمراقبة والإعلان عن السعر العادل.

غير أن خزام يشدد على أن نجاح التجربة يرتبط بإجراءات معينة، في مقدمتها وقف تقييد السحب من المصارف، بسبب تأثيره بشكل مباشر على الثقة وزيادة الإيداعات. ويحذر من أن استمرار هذه السياسة قد يدفع إلى ظهور أنظمة دفع موازية تتحكم بالسيولة، مما يضعف فعالية السياسة النقدية.

ويقترح خزام نموذجاً عملياً يقوم على إنشاء بنك للدفع الإلكتروني بإشراف المصرف المركزي، يتولى عمليات بيع وشراء الدولار مقابل عمولة محددة، بالإضافة إلى إدارة الرواتب والمدفوعات الإلكترونية عبر تطبيق خاص يتيح التداول بالليرة والدولار مع ضمان حماية كاملة للأرصدة.

كما يشير إلى ضرورة إلزام الصرافين والمصارف الخاصة بتسجيل عملياتهم عبر المنصة، بما يحد من التداول غير الرسمي، ويؤدي تدريجياً إلى تكوين سعر يعكس التوازن الحقيقي بين العرض والطلب. ويؤكد أن مفهوم السعر الوهمي لا يعني غياب السعر، بل عدم قدرته على التعبير عن الواقع الاقتصادي، مما يجعل بعض السياسات أقل فاعلية.

أما بالنسبة لأدوات ضبط السوق، يطرح خزام إمكانية استخدام أدوات مالية مثل سندات خزينة قابلة للتداول لمواجهة نقص السيولة، إلى جانب دعم الإنتاج والمشاريع الاستثمارية لزيادة حجم الكتلة النقدية، مما يقلل من قدرة المضاربين على إحداث تقلبات حادة في سعر الصرف.

ويؤكد أن الثقة تبقى العنصر الحاسم، وأن أي منصة لن تنجح دون إشراف متعدد وربط كامل بين المصارف، مع إعلان تلقائي وشفاف للأسعار دون تدخل بشري مباشر.

السوق المعلنة بين الفرص والتحديات

من جانبه، أوضح خبراء مصرفيون أن الهدف الأساسي من المنصة هو تقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، والتي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على آلية التسعير في السوق، حيث يتم الاعتماد فعلياً على السعر الموازي في كثير من المعاملات.

ويرى هؤلاء أن المنصة تمثل خطوة تنظيمية مهمة، لكنها ليست حلاً فورياً، إذ من غير المتوقع أن تلغي السوق السوداء بشكل مباشر، بل قد تساهم في تقليصها تدريجياً إذا تم توسيع نطاق استخدامها.

كما أشاروا إلى أن نجاح التجربة مرتبط أيضاً بقدرة الاقتصاد على التحسن الفعلي من حيث الإنتاج والصادرات، لأن سعر الصرف في النهاية يعكس قوة الاقتصاد الحقيقي.

لكن حذروا من إمكانية استفادة كبار المضاربين أو ما يُعرف “بحيتان السوق” من هذه الآلية في مراحلها الأولى، مما يجعل النتيجة النهائية مرتبطة بطريقة إدارة المنصة ومدى قرب سعرها من الواقع.

كما شددوا على أن نجاح المشروع يتطلب توفر احتياطي كافٍ من القطع الأجنبي، معتبرين أن إدارة سوق الصرف تحتاج إلى قدرة فعلية على التدخل، وليس فقط تنظيم الأسعار، وأن الاحتياطات المتاحة حالياً قد تكون غير كافية لضبط السوق بشكل كامل.

كما شبهوا ما يحدث الآن في السوق السورية بالمعركة بين السياسة النقدية الرسمية وقوى السوق غير المنظمة. ودعوا إلى أن يلعب المصرف المركزي دوراً أكثر فاعلية يتجاوز المراقبة إلى التدخل عند الحاجة عبر إدارة السيولة.

أما بالنسبة لملف الحوالات، فقد حذروا من أن أي قيود قد تؤدي إلى انخفاض قيمتها أو دفع المواطنين للجوء إلى قنوات غير رسمية، مما يعني خسارة مصدر مالي مهم للاقتصاد.

كما أشاروا إلى أن الثقة بالقطاع المصرفي ما تزال ضعيفة، رغم أن بعض التحسنات السابقة في سعر الصرف كانت مرتبطة بارتفاع هذه الثقة لدى المواطنين.

باختصار، يبدو أن سوق دمشق للعملات والذهب يمثل خطوة تنظيمية مهمة في إصلاح سوق الصرف، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات كبيرة تتعلق بضعف الاحتياطي النقدي، واستمرار نشاط السوق السوداء، والحاجة إلى تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي. لذلك نتائج هذا السوق تبقى مرهونة بقدرة المركزي على إدارة العمل بفاعلية لتحقيق التوازن، وكسب ثقة المواطنين.

اقرأ أيضاً: تراخيص شركات الصرافة الجديدة.. هل تقضي على السوق السوداء أم تمنحها وجهاً آخر؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.