بقلم: ريم ريّا
بعد انقطاع دام قرابة أربعة عشر عاماً، أعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف إدراج تسعة مواقع تراثية سورية على قائمة منظمة الإيسيسكو (المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة). يمثل هذا القرار عودة المواقع الثقافية السورية إلى الساحة الدولية بعد سنوات من التراجع نتيجة الحرب والدمار والعزلة.
عودة سوريا بعد سنوات من الغياب
من بين المواقع المدرجة حديثاً، قلعة صلاح الدين في اللاذقية، والجامع الأموي، وقلعة دمشق، وقصر العظم ومكتبة الأنبار في دمشق، بالإضافة إلى الجامع العمري وموقع اللجاة الأثري في درعا، وموقع أفاميا الأثري في حماة، ومكتبة الأوقاف في حلب.
ورغم أن هذا الخبر قد يبدو للوهلة الأولى ذا طابع ثقافي بحت، إلا أن دلالاته أوسع بكثير. فقضية الآثار في سوريا لم تعد مقتصرة على الأحجار القديمة أو المواقع السياحية، بل باتت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصورة البلاد واقتصادها، بل وحتى بقدرتها على استعادة مكانتها الدولية. يكاد سكان هذه المنطقة لا يحصلون على إمدادات كهرباء مستقرة، ومع ذلك تبقى الذاكرة الجماعية لتراثهم عبئاً ثقيلاً يصعب نسيانه.
اقرأ أيضاً: ملتقى رواق ورقمنة التراث السوري..ماذا يعني ذلك فعلاً؟
لماذا يعد تسجيل سوريا في الإيسيسكو مهماً؟
يرى الخبراء أن إدراج المواقع السورية على قوائم الإيسيسكو يمنحها اعترافاً دولياً متجدداً، ويعزز فرص حمايتها وترميمها، لا سيما بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بالعديد من المواقع الأثرية خلال سنوات الحرب. كما يمهد هذا الإدراج الطريق أمام التعاون الثقافي والتقني مع المنظمة، سواء من خلال الترميم أو التوثيق أو برامج التدريب، فضلاً عن إمكانية دعم المشاريع المتعلقة بالحفاظ على الهوية الثقافية السورية.
تشير التقييمات الثقافية إلى أن العديد من المواقع الأثرية السورية تحتاج حالياً إلى ترميم شامل، بعضها بسبب القصف والقتال، والبعض الآخر بسبب الإهمال والنهب والتنقيبات غير القانونية واسعة النطاق التي تصاعدت وتيرتها خلال سنوات الحرب.
البعد الاقتصادي والسياحي الذي يحمله التسجيل
تتجاوز أهمية هذا الإجراء النطاق الثقافي البحت، إذ تؤثر أيضاً على الاقتصاد والسياحة. فقبل عام 2011، كانت السياحة الأثرية مصدراً رئيسياً للدخل في سوريا، حيث كانت مدن بأكملها مثل دمشق وحلب وتدمر وبصرى تعتمد على السياحة والفنادق والحرف التقليدية. ويرى الخبراء أن إعادة إدراج المواقع السورية على القوائم الدولية من شأنه أن يسهم في إنعاش قطاع السياحة، لا سيما في ظل جهود الحكومة الرامية إلى الترويج للسياحة وجذب الاستثمارات المتعلقة بالتراث والأسواق التقليدية. كما يمكن أن تجذب هذه الإعادة منحاً ومشاريع دولية مخصصة لحفظ التراث، وهو ما تحتاجه سوريا بشدة نظراً لارتفاع تكلفة أعمال الترميم وندرة الموارد المحلية.
خلال سنوات الحرب، لم تكن الخسائر مقتصرة على البشر والبنية التحتية فقط، بل طالت أيضاً الذاكرة الثقافية للبلاد، مع تضرر مواقع تاريخية تعود لآلاف السنين، بعضها تعرض للتخريب أو الحرق أو السرقة. لذلك يرى باحثون أن استعادة الحضور السوري في المنظمات الثقافية يحمل بعداً رمزياً أيضاً، لأنه يتعلق بحماية الهوية التاريخية لسوريا وإعادة ربط الأجيال الجديدة بتاريخ المدن والمعالم التي شكلت جزءاً من ذاكرة السوريين لقرون طويلة.
وفي بلد أنهكته الحرب والانقسام والأزمات الاقتصادية، تبدو حماية التراث محاولة للحفاظ على ما تبقى من صورة المكان، حتى لو كان الناس اليوم مشغولين أكثر بأسعار الخبز والمحروقات من القلاع والمتاحف. هذه واحدة من مفارقات المنطقة كلها، التاريخ هنا ضخم إلى درجة أنه ينجو ، حتى عندما انهيار الحاضر أحيانا..