الكاتب: أحمد علي
تقدّم المجتمعات الخارجة من الصراع بسؤال بسيط في شكله وصعب في جوهره، كيف يمكن حماية المستقبل من تكرار الماضي من دون إهمال حقوق من تضرروا منه. يحاول مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح تقديم إجابة تشريعية عبر جمع مسارات متوازية في إطار واحد، بحيث لا تُختزل المعالجة في المحاكم وحدها، ولا تُترك الذاكرة وحدها للخطابات.
النص يقترح منظومة تربط كشف الحقيقة بالمحاسبة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، مع التأكيد على مشاركة الضحايا والمجتمع المدني وشفافية الإجراءات بوصفها شروطاً لنجاح أي انتقال سياسي أو اجتماعي.
العدالة الانتقالية بوصفها إطاراً
ليست العدالة الانتقالية في المشروع شعاراً عاماً، بل تعريفاً محدداً لمنظومة تجمع تدابير قضائية وغير قضائية لمعالجة الانتهاكات الجسيمة. تتوزع هذه المنظومة على كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار، مع ربط ذلك بالمصالحة والسلم الأهلي.
وهذا التصور يضع العدالة الانتقالية في موقع الأداة العملية، لا الخطاب العاطفي، ويجعلها أقرب إلى برنامج عمل يمكن تقييمه من خلال نتائجه. ومن هنا تبرز أهمية المبادئ التي يذكرها المشروع، مثل مركزية الضحايا، ورفض الإفلات من العقاب، وحظر التمييز، وضرورة الشفافية، والالتزام بضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى التأكيد على تمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 30 في المئة في بعض المؤسسات والمسارات المرتبطة بالهيئة.
وهذه المبادئ لا تعمل وحدها ما لم تتحول إلى إجراءات يمكن تتبعها. لذلك يلح المشروع على فكرة استقلال الهيئة وحيادها، وحماية الشهود، وتيسير الرقابة، ونشر التقارير، بما يعكس فهماً مفاده أن الثقة لا تُكتسب بالوعود، بل بمسار واضح يفتح المجال للمساءلة العامة ويحد من التضارب بين المؤسسات.
نطاق زمني وحدود تطبيق
يحدد المشروع نطاقاً زمنياً واسعاً لتطبيق أحكامه على الجرائم المرتكبة من 16 تشرين الثاني 1970 حتى 8 كانون الأول 2024، مع الإشارة إلى أن أحكامه لا تمس التزامات الدولة الدولية. اختيار هذا الامتداد الزمني يثير نقاشاً مشروعاً حول الأولويات، لأن اتساع الفترة قد يرفع سقف التوقعات ويزيد الحاجة إلى قدرات تنفيذية كبيرة، وقد يخلق ضغطاً على الهيئة لتحديد ما هو عاجل وما يمكن أن يُعالج على مراحل.
وفي تفاصيل المسار الخاص بكشف الحقيقة، يرد تكليف لجنة كشف الحقيقة بتوثيق الانتهاكات خلال فترة تبدأ عام 1970 وتنتهي في كانون الأول 2024، مع تأكيد أن عملها لا يمس اختصاص القضاء. وهذا التباين بين نطاق القانون العام ونطاق عمل لجنة الحقيقة كما ورد في النص قد يفتح باباً لتأويلات متعددة، منها أن المقصود مرحلة أولى تُستكمل لاحقاً، أو أن الصياغة تحتاج إلى اتساق أكبر حتى لا تتضارب توقعات الجمهور حول ما ستغطيه كل مؤسسة.
في جميع الأحوال، تظل العلاقة بين الزمن والإنصاف حساسة، لأن بعض الضحايا ينتظرون الاعتراف قبل أي شيء، بينما تحتاج الدولة إلى إدارة الملف ضمن قدرة واقعية تمنع الانهيار الإداري أو التسييس.
مؤسسات التنفيذ والرقابة
يقوم البناء المؤسسي في المشروع على هيئة وطنية للعدالة الانتقالية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مع إمكانية إنشاء فروع داخل البلاد ومكاتب خارجها لتسهيل الوصول إلى الضحايا والشهود والوثائق. وتظهر رغبة المشروع في توزيع الأدوار عبر مؤسسات متعددة تعمل تحت مظلة الهيئة، مثل الدوائر القضائية المتخصصة، والنيابة العامة للعدالة الانتقالية، ومجلس فحص السجلات، ولجنة كشف الحقيقة، ولجنة جبر الضرر وصندوقها، ولجنة إعادة هيكلة المؤسسات، ولجان المصالحة المحلية، ولجنة الذاكرة الوطنية.
في مسار الإصلاح المؤسسي، يقترح المشروع آلية لفحص السجلات تستهدف شاغلي الوظائف العامة والمرشحين لها، وتمتد إلى قطاعات حساسة مثل التعليم والإعلام والاتصالات والمصارف. الغاية المعلنة هي التحقق من عدم الاشتراك في الانتهاكات الجسيمة أو الترويج لها أو إنكارها وفق ما ورد في النص.
ويوضح المشروع أن المجلس المعني يصدر قرارات قابلة للطعن، وأن المخرجات قد تتدرج بين الإبقاء في الوظيفة أو الإعفاء أو الإحالة إلى جهة الادعاء المختصة. هذا المسار يضع الإصلاح في قلب العدالة الانتقالية، لأن معالجة الانتهاكات لا تتوقف عند معاقبة الأفراد، بل تمتد إلى مراجعة بنى وممارسات سمحت بالانتهاك أو تسترّت عليه.
إلى جانب ذلك، يتحدث المشروع عن لجنة وطنية لإعادة هيكلة المؤسسات ومراجعة القوانين الناظمة لمؤسسات تُعد حساسة، بهدف بناء مؤسسات خاضعة للرقابة ومنع تكرار الانتهاكات. نجاح هذا المسار يعتمد على معايير واضحة وحدود دقيقة، لأن أي غموض قد يفتح المجال لتصفية الحسابات أو الإقصاء السياسي، وهو ما قد يُفقد العدالة الانتقالية معناها ويحوّلها إلى ساحة صراع جديدة.
كشف الحقيقة والمحاكمة
يربط المشروع بين مسار الحقيقة ومسار المحاسبة عبر قواعد تنسيق، إذ تُحال الملفات التي تتضمن أدلة على جرائم جسيمة إلى المسار المختص تمهيداً لإحالتها إلى الجهة القضائية المعنية، مع التأكيد على عدم تعارض الإجراءات. وفي المسار القضائي، ينشئ المشروع دوائر قضائية متخصصة تضم قضاة تحقيق وإحالة وحكم، تتبع للسلطة القضائية، وتُحدد صلاحياتها واختصاصاتها عبر نصوص تنظيمية تصدر وفق الآلية التي يذكرها المشروع.
كما ينشئ نيابة عامة متخصصة تختص بالإشراف على التحقيقات والإحالة إلى الدوائر ومراقبة تنفيذ بعض الإجراءات المرتبطة بالتسويات أو الاعترافات عندما ينص القانون على ذلك.
على مستوى توصيف الجرائم، يذكر المشروع فئات تشمل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتعذيب والجرائم الاقتصادية الكبرى، ويعرض مواد تفصيلية لبعض الجرائم وما قد تتضمنه من أفعال مثل القتل العمد والتعذيب والتهجير القسري والهجمات على المدنيين.
كما يتضمن نصوصاً تجرّم أفعالاً تعرقل سير العدالة الانتقالية، مثل إتلاف الأدلة والتأثير على الشهود والشهادة الكاذبة، ويورد مادة تتعلق بإنكار الجرائم أو تمجيدها وفق الصياغة الواردة.
وتعطي هذه البنية الانطباع بأن المشروع يريد الجمع بين الردع والاعتراف والإنصاف، لكن أي نظام قضائي متخصص يحتاج إلى ضمانات عالية لتجنب الانتقائية، وإلى قدرات تحقيق وأرشفة وشهود وخبرات جنائية، وإلى حماية قانونية فعلية لمن يدلي بشهادته. دون ذلك، قد تتحول المحاكمة إلى عنوان كبير بقدرة تنفيذ محدودة، أو إلى معركة سياسية تضعف ثقة الناس بالعدالة بدل أن تعززها.
جبر الضرر وحفظ الذاكرة
لا يُختزل جبر الضرر في المشروع في التعويض المالي، بل يُعرّف بوصفه وقف الفعل الضار وآثاره وإعادة الحال ما أمكن، وإلا فالتعويض المادي والمعنوي، مع الإقرار بإمكان جبر ضرر رمزي وفردي وجماعي. ويقترح المشروع إنشاء صندوق مستقل لتمويل برامج جبر الضرر يتمتع باستقلال مالي وإداري، وتُذكر له موارد متنوعة. هذه التعبيرات تضع جبر الضرر في موقع الاستحقاق، لا المنحة، وتؤكد أن الاعتراف بمعاناة الضحايا لا يقل أهمية عن الإجراءات القضائية.
أما الذاكرة، فيقترح المشروع أدوات عملية عبر مراكز للذاكرة الوطنية تُعنى بالأرشفة وجمع الشهادات والوثائق ودعم المواد السمعية البصرية، مع التشديد على مشاركة الضحايا والناجين. كما يتضمن فكرة يوم وطني للذاكرة والعدالة، بهدف تكريم الضحايا ودعم مسار المصالحة وضمان عدم التكرار.
وفي جانب المصالحة، ينشئ لجاناً محلية تحت إشراف الهيئة لتسوية نزاعات مجتمعية وتشجيع العودة الطوعية ونبذ خطاب الكراهية، مع التأكيد على أنها لا تحل محل القضاء وأن عملها محكوم بموافقة الأطراف وبضوابط قانونية.
في المحصلة، يقدّم المشروع تصوراً واسعاً للعدالة الانتقالية يحاول الجمع بين المساءلة والحقيقة وجبر الضرر والإصلاح والذاكرة ضمن هندسة مؤسساتية واحدة. نجاح هذا التصور سيظل مرتبطاً بوضوح الأولويات، وبحماية استقلال المؤسسات المقترحة، وبقدرتها على إدارة توقعات الضحايا والمجتمع، وبوجود موارد بشرية ومالية تسمح بالعمل المتدرج دون إبطاء أو تسييس.
كما أن الاعتماد على لوائح تنفيذية ومراسيم تنظيمية يجعل تفاصيل التطبيق هي الاختبار الحقيقي لمدى قابلية النص للتحول من مشروع على الورق إلى مسار ثقة عام.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية بعد عام من السقوط: ما تحقق وما تعثر!