سياحة و سفر

مجلس الشعب القادم تحت المجهر: ما أولويات الشارع السوري من ممثليه الجدد؟

مجلس الشعب القادم تحت المجهر: ما أولويات الشارع السوري من ممثليه الجدد؟

الكاتب: أحمد علي

ليس سهلاً على السوريين أن ينظروا إلى مجلس جديد بوصفه تفصيلاً إجرائياً. البلاد ما تزال في طور انتقال مفتوح، والمؤسسات تُعاد صياغتها تحت ضغط السياسة والمعيشة معاً، ولذلك يصبح السؤال عن مجلس الشعب أكثر من سؤال عن مقاعد وأسماء. ما الذي يمكن أن يفعله؟ من سيمثل؟ وما الذي ينتظره الناس منه فعلاً، بعدما صار الفارق واسعاً بين حجم الخطاب العام وحجم ما يلمسه المواطن في يومه العادي.

من هذه الزاوية، لا يبدو المجلس المقبل مجرد محطة تنظيمية في مسار سياسي أطول، بل أقرب إلى اختبار مبكر لفكرة الدولة نفسها. لأن السوريين لا يراقبون فقط من سيدخل القاعة، بل ماذا سيحدث بعد ذلك. هل سيولد مجلس يكتفي بتثبيت الشكل، أم مؤسسة تحاول أن تقترب من الوظيفة. وهل سيُقرأ كجزء من ترتيب انتقالي مؤقت، أم كبداية لمسار تمثيلي ورقابي يمكن البناء عليه.

مجلس الشعب القادم بين التمثيل والاطمئنان العام

الوقائع القريبة تفسر هذا الترقب. اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أعلنت في 18 نيسان مباشرة الإجراءات العملية والتحضيرات الخاصة باستكمال العملية الانتخابية في الحسكة، مع حديث عن لجان فرعية وهيئات ناخبة وترتيبات مطلوبة لإنجاز المسار في منطقة بقيت خارج الإيقاع السابق. وهذا يعني أن صورة المجلس لم تغلق بعد على كامل الجغرافيا، وأن تمثيل بعض المناطق ما يزال جزءاً من السؤال لا من الجواب.

إلى جانب ذلك، يبقى المجلس نفسه وليد نظام انتخابي مؤقت أُقر في آب 2025، على أساس مجلس مؤلف من 210 أعضاء، يُنتخب ثلثاه ويُستكمل الثلث الباقي بالتعيين. هذه الصيغة تعطي المجلس وزنه، لكنها تفرض عليه عبئه أيضاً. لأن أي مؤسسة تولد في ظرف انتقالي، وبنظام غير نهائي، ستجد نفسها تحت رقابة مضاعفة. الناس لن تكتفي بالسؤال عن قانونيتها الإجرائية، بل ستسأل عن قدرتها على صناعة حد أدنى من الثقة.

ولهذا، فإن الأولوية الأولى في نظر الشارع تبدو واضحة. التمثيل. لكن المقصود هنا ليس التمثيل بالمعنى العددي البارد فقط، ولا مجرد جمع مقاعد من المحافظات على نحو متوازن شكلياً. المقصود هو أن يشعر السوريون، في مدنهم وأطرافهم ومناطقهم التي عاشت تأخراً أو تعقيداً أو عزلة، أن المجلس لا يُبنى من فوقهم، بل يمر عبرهم أيضاً. التمثيل هنا ليس عنواناً دستورياً فقط، بل عنصر طمأنة. من حضر. من غاب. من تكلم باسم الناس فعلاً، ومن بدا كأنه يعبر عن حسن الاختيار الإداري أكثر مما يعبر عن مزاج عام حقيقي.

هذه النقطة ليست نظرية. النقاشات التي رافقت النظام المؤقت منذ 2025، كما أظهرتها تغطيات رويترز وأسوشيتد برس، لم تخلُ من أسئلة حول الشمول، ولا سيما مع اعتماد صيغة غير مباشرة لانتخاب جزء من الأعضاء، ومع بقاء التعيين في الثلث الأخير من المقاعد، ومع تعقيد التمثيل في بعض المناطق التي لم تكن الظروف السياسية والإدارية فيها مستقرة بما يكفي. لذلك فإن أول ما سيفحصه الشارع السوري في المجلس القادم ليس خطابه الافتتاحي، بل تركيبته. هل يبدو مجلساً لسوريا كلها، أم مجلساً عن سوريا فقط.

من التمثيل إلى الوظيفة

لكن التمثيل وحده لا يكفي. قد يكون المجلس واسع الحضور، ثم يظل ضعيف الأثر. وهنا تأتي الأولوية الثانية، وهي أن يكون مجلساً يعمل، لا مجلساً يتكلم فقط. الناس لا تنتظر من ممثليها لغة أعلى عن تعقيدات المرحلة. هذا الكلام صار معروفاً. ما ينتظرونه هو شيء أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه، أن يعيد المجلس السياسة إلى معناها العملي. أي إلى الموازنة، والخدمات، والرقابة، وسؤال الحكومة عن الكهرباء والمياه والرواتب والمحروقات والتعليم والصحة والبلديات.

في بلد مثل سوريا، تبدو هذه المطالب معيشية في ظاهرها، لكنها سياسية في عمقها. لأن المشكلة لم تعد فقط في ضعف الموارد، بل في طريقة إدارتها، وفي مقدار ما يُهدر من ثقة عامة حين يشعر الناس أن أحداً لا يسأل السلطة التنفيذية علناً وبانتظام عن الفواتير التي يدفعها المجتمع كل يوم. من هنا، لا يريد الشارع السوري مجلساً يحل الأزمة الاقتصادية، فذلك أبعد من قدرة أي مجلس. لكنه يريد مجلساً يمنع تحويل الأزمة إلى قدر يومي بلا مساءلة.

وهذا يقود إلى المعنى الثالث الذي ينتظره الناس من ممثليهم الجدد، وهو الرقابة. لا بمعناها الاحتفالي، ولا بمعناها المحدود في كلمات الاستجواب الشكلية، بل بمعناها الذي يضع المؤسسات التنفيذية تحت ضغط السؤال العام. أين تذهب الموارد. لماذا تتقدم أولوية على أخرى. لماذا تتأخر خدمة يفترض أنها أساسية. المجلس، من هذه الزاوية، ليس مطلوباً منه أن يدير الوزارات، بل أن يمنعها من أن تعمل خارج النظر العام.

والأمر لا يتوقف عند الخدمات فقط. هناك أيضاً ملف الكفاءة. هذا ملف يومي، لكنه في سوريا يحمل وزناً سياسياً مضاعفاً. لأن جزءاً كبيراً من الضيق المعيشي المتراكم لا يعود إلى الفقر وحده، بل إلى إدارة مثقلة بالبطء، وتداخل الصلاحيات، وضعف المتابعة، ومنطق يخلط بين الولاء والقدرة. لذلك، حين يريد السوريون مجلساً فاعلاً، فهم يريدون أيضاً مجلساً يعيد طرح سؤال الكفاءة داخل الدولة من جديد، لا بوصفه موضوعاً إدارياً ثانوياً، بل بوصفه شرطاً في فكرة العدالة نفسها. لا عدالة في التمثيل إذا كانت الإدارة التي تخدم الناس تُبنى على غير الجدارة.

سيادة القانون قبل التهدئة اللفظية

الأولوية الرابعة تبدو أقل ظهوراً في النقاش اليومي، لكنها أكثر عمقاً. وهي سيادة القانون. السوريون لا يحتاجون من مجلسهم القادم كلاماً إضافياً عن احترام القانون بقدر ما يحتاجون مؤسسة تساعد في إعادة القانون إلى مكانه الفعلي بين الدولة والمواطن. في هذا البلد، جرى استهلاك النصوص كثيراً، بينما بقي الإحساس العام هشاً في العلاقة مع القضاء، والإدارة، وحق الاعتراض، والحصول على الحق من دون إذلال.

لهذا، فإن جزءاً من الرقابة التي ينتظرها الناس من المجلس لا يتعلق بالموازنة والخدمات فقط، بل بالطريقة التي تُدار بها الدولة من حيث المبدأ. هل هناك مساءلة حقيقية. هل توجد قدرة على مراجعة القرارات. هل يستطيع المواطن أن يثق بأن المؤسسات ليست مغلقة فوقه بالكامل. وهل يملك ممثلوه الجرأة على جعل هذه الملفات علنية، لا مجرد شعارات عامة عن بناء الدولة.

ومن هذا الباب تحديداً، يبرز ملف العدالة الانتقالية والمفقودين والانتهاكات السابقة وجبر الضرر. قد لا يكون هذا الملف أول ما يخطر على بال المواطن حين يسأل عن أسعار الخبز أو ساعات الكهرباء، لكنه يبقى من أكثر الملفات حساسية في تكوين الشرعية الجديدة. والشارع، وإن اختلف في كثير من التفاصيل، لا يبدو مستعداً للتعامل مع هذه القضايا بوصفها عبئاً يمكن تأجيله بلا أفق. لذلك سيبقى المجلس المقبل موضع فحص من جهة ما إذا كان قادراً على فتح هذه الملفات بلغة قانونية ومسؤولة، أم سيتركها معلقة بين الرمزية والخوف من الاشتباك الجدي معها.

من مؤسسة انتقالية إلى ضمانة عامة

هنا يتجمع المعنى الأوسع لكل ما سبق. الشارع السوري لا يبحث عن ممثلين جدد فقط، بل عن ضمانات جديدة. الفرق بين الاثنين كبير. الممثل قد ينجح في الكلام باسم الناس. أما الضمانة فهي ما يجعل هذا الكلام جزءاً من آلية عامة تضبط السلطة، وتعيد توزيع الثقة، وتمنع الاستثناء من أن يتحول إلى طريقة حكم دائمة.

وهذا هو العبء الحقيقي للمجلس القادم. ليس أن ينجح في الظهور، بل أن ينجح في الوظيفة. ليس أن يعطي صورة عن عودة المؤسسة، بل أن يمنح الناس شعوراً بأن المؤسسة عادت لهم هم. وفي بلد خرج من سنوات طويلة اختلطت فيها السلطة بالقوة، والقانون بالمزاج، والإدارة بالخوف، فإن هذا الشعور لا يُبنى بسهولة. لكنه يبدأ من أشياء واضحة. تمثيل يطمئن. رقابة تُرى. معيشة تُناقش علناً. قانون يُستعاد في الممارسة. وعدالة لا تُدفن تحت اسم الاستقرار.

لهذا، فإن أولويات الشارع السوري من ممثليه الجدد تبدو، في النهاية، أكثر بساطة مما قد يوحي به الخطاب السياسي، وأكثر صعوبة أيضاً. الناس تريد مجلساً لا يكرر اللغة نفسها، بل يغيّر معناها. مجلساً يضع السلطة التنفيذية تحت السؤال، لا تحت المجاملة. ويجعل فكرة التمثيل أقرب إلى الحياة اليومية، لا أقرب إلى الأرقام فقط. عند هذا الحد فقط، يمكن للمجلس الجديد أن يتحول من جزء في مشهد انتقالي، إلى شيء يقترب من الضمانة العامة.

الخلاصة أن المجلس القادم لن يُمنح الثقة لمجرد انعقاده. سيكسبها بقدر ما ينجح في إقناع السوريين بأنهم لم يحصلوا على واجهة جديدة فقط، بل على مساحة عامة أوسع لطرح ما يريدون من ممثليهم الجدد. وما يريده الشارع، في جوهره، ليس معقداً. تمثيل حقيقي، رقابة فاعلة، ملفات معيشية لا تُرحّل، قانون يحمي، ومؤسسة تشريعية تشعر الناس أن الدولة بدأت تخرج من طور الشعار إلى طور العمل.

اقرأ أيضاً: قرار بتشكيل المجلس السوري الروماني برئاسة نور الدين عبد الواحد

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.