بقلم هلا يوسف
لم تكن الصناعات الغذائية في يوم من الأيام صناعات عابرة في سوريا، فقد قام عليها اقتصاد كامل، وتغذى على منتجاتها ملايين المواطنين، وعمل في معاملها آلاف العمال. لكن مع اندلاع الحرب السورية وما تلاها، أصبحت التحديات كبيرة، حتى بات إنتاجها أضعف بكثير، خصوصاً بعد تحرير الأسواق. فكيف هو حالها الآن؟ وكيف يمكن استعادتها؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.
يبرز قطاع الصناعات الغذائية كخيار عملي يجمع بين الزراعة والصناعة، ويحقق قيمة مضافة حقيقية للمنتجات المحلية. كما أنه يشكل فرصة مهمة لتأمين فرص عمل وتحسين مستوى الأمن الغذائي، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة مع المنتجات المستوردة. وقد استطاعت سوريا قبل الثورة الوصول إلى أكثر من 195 دولة حول العالم، وهو ما يدل على قدرة صناعييها على المنافسة عالمياً، إذا ما توفرت الظروف المناسبة لدعم هذا القطاع وتطويره.
قاعدة قوية تقوم على الزراعة والتنوع
تعتمد الصناعات الغذائية في سوريا بشكل أساسي على الإنتاج الزراعي والحيواني، مثل الحبوب والخضار والفواكه واللحوم ومشتقات الحليب. وهذا التنوع الكبير في الموارد الزراعية يشكل نقطة قوة مهمة، إذ يتيح إنتاج أنواع مختلفة من الصناعات الغذائية على مدار العام.
وقد ساعد هذا التنوع، إلى جانب خبرة السوريين الطويلة في هذا المجال، على تطور الصناعات الغذائية عبر السنوات. فالكثير من المنتجات مثل المربيات والمخللات ودبس الفواكه وقمر الدين أصبحت معروفة بجودتها داخل سوريا وخارجها.
ولا يقتصر الأمر على المصانع الكبيرة، بل يشمل أيضاً الصناعات المنزلية والورش الصغيرة المنتشرة في الأرياف، حيث تقوم العديد من الأسر بإنتاج مواد غذائية تقليدية تسهم في دعم دخلها وتغذية السوق المحلية. وفي المقابل، كانت توجد مصانع حديثة تضم خطوط إنتاج متطورة ومختبرات لضبط الجودة، مما ساعد على إنتاج سلع تلبي المعايير العالمية.
كما تشير الأرقام إلى أن هذا القطاع كان يستحوذ على نحو 13% من إجمالي الاستثمارات في سوريا، وقد شهد القطاع بين عامي 2021 و2024 استقطاب 20 مشروعاً جديداً بتكلفة تقديرية تجاوزت 500 مليار ليرة سورية، وكان من المتوقع أن تسهم هذه المشاريع في توفير نحو 2000 فرصة عمل.
حظيت مشاريع التصنيع الزراعي والحيواني، بالإضافة إلى منشآت فرز وتوضيب المنتجات الزراعية المقامة خارج المناطق التنموية والتخصصية، بمجموعة من الحوافز الضريبية تبدأ من تاريخ التشغيل الفعلي، وتشمل تخفيضاً على ضريبة الدخل بنسبة 75% ولمدة تمتد إلى 10 سنوات، بهدف تشجيع الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
أما اليوم وبعد عام ونصف تقريباً من التحرير، وبحسب تقرير صادر عن وزارة الاقتصاد والصناعة، بلغ عدد المنشآت الصناعية الغذائية المرخصة في عام 2025 نحو 885 منشأة، في حين وصل عدد المنشآت القائمة إلى 153 منشأة فقط، مقابل مشروع واحد منفذ ضمن إطار قانون الاستثمار في هذا القطاع.
كما بلغ عدد المشاريع الحرفية المرخصة 274 مشروعاً، تم تنفيذ 66 مشروعاً فعلياً منها، بينما لم يتجاوز عدد المشاريع الغذائية المرخصة داخل المدن الصناعية مشروعين فقط. أما على مستوى المنشآت داخل المدن الصناعية، فقد بلغ عدد المنشآت المرخصة 105 منشآت، تم تنفيذ 18 مشروعاً منها، في حين لم يُسجل سوى مشروع واحد منفذ وفق قوانين الاستثمار داخل هذه المدن.
ومن خلال الأرقام السابقة نلاحظ أن قطاع الصناعات الغذائية ما زال في مرحلة غير متوازنة بين حجم التراخيص وعدد المشاريع المنفذة فعلياً، إذ إن الفجوة الواضحة بين المشاريع المرخصة وتلك التي دخلت مرحلة التنفيذ تشير إلى وجود تحديات تتعلق ببيئة الاستثمار وآليات التطبيق على أرض الواقع.
كما يظهر أن النشاط الحرفي ما يزال أكثر حضوراً مقارنة بالمشاريع الكبرى داخل المدن الصناعية، في حين يبقى تنفيذ المشاريع ضمن قانون الاستثمار محدوداً نسبياً، وهو ما يعكس بطء الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنتاج الفعلي.
تحديات كبيرة تعيق التطور
رغم الإمكانيات التي كانت تتمتع بها سوريا قبل الحرب وتحاول استعادتها الآن، يواجه قطاع الصناعات الغذائية مجموعة من التحديات التي تحد من نموه. ومن أبرز هذه التحديات ارتفاع تكاليف الإنتاج، سواء من حيث المواد الأولية أو النقل أو الطاقة، الأمر الذي يجعل المنتج السوري أقل قدرة على المنافسة مقارنة بالمنتجات الأجنبية.
ويشير رئيس القطاع الغذائي في غرفة صناعة دمشق أسامة النن إلى أن العديد من المستثمرين يكتفون حالياً بدراسة السوق دون الدخول الفعلي، بسبب ارتفاع التكاليف. كما أن دخول المنتجات المستوردة بأسعار منخفضة يزيد من صعوبة المنافسة.
من جانبه، يوضح رئيس لجنة الكونسروة والطحينة في غرفة صناعة دمشق وريفها، سامر شولح أن القطاع يواجه ما يشبه الصدمة نتيجة انتشار البضائع الأجنبية في الأسواق، بالإضافة إلى وجود قوانين قديمة لا تواكب تطورات الصناعة، عدا عن ارتفاع تكاليف الشحن التي تجعل تصدير المنتجات السورية أكثر صعوبة مقارنة بدول أخرى مثل مصر والأردن.
كما يلفت أمين سر غرفة صناعة حمص سابقاً، عصام تيزيني إلى أن بعض المنشآت توقفت عن العمل، بينما تعمل أخرى بطاقة منخفضة، نتيجة هذه الظروف، إلى جانب صعوبة تأمين المواد الخام وضعف الاستثمارات في الصناعات الكبيرة.
حلول ممكنة وآفاق مستقبلية
بعد استعراض التحديات، يطرح الخبراء مجموعة من الحلول التي يمكن أن تساعد في تطوير القطاع. ويأتي في مقدمتها نظام “الزراعة التعاقدية”، الذي يقوم على اتفاق مسبق بين المزارع والمصنع، مما يضمن توفير مواد أولية بجودة عالية وكميات مستقرة، ويساعد على تنظيم الإنتاج.
ويرى الخبير التنموي أكرم عفيف أن تطوير الصناعات الغذائية يتطلب إدارة أفضل للموارد، وتحويل المنتجات الزراعية إلى مواد قابلة للتخزين والتصدير، من خلال تقنيات مثل التجفيف والتعليب والتغليف الحديث. كما يؤكد أهمية التوسع في زراعة محاصيل جديدة واستثمار المزايا الطبيعية التي تتمتع بها سوريا.
أما الدكتور فادي عياش، فيشدد على أن الزراعة والصناعات المرتبطة بها يمكن أن تقود عملية التعافي الاقتصادي، إذا تم تحسين مدخلات الإنتاج الزراعي وتطوير الصناعات التصديرية. كما يدعو إلى استخدام تقنيات حديثة وتنظيم العمل الزراعي بشكل أفضل، إضافة إلى دعم المنتجات السورية في الأسواق الخارجية من خلال بناء سمعة قوية لها.
في الختام، يمكن القول إن الصناعات الغذائية في سوريا تقف اليوم عند مفترق طرق، بين تحديات صعبة وفرص كبيرة. فهي تمتلك قاعدة قوية من الموارد والخبرات، لكنها تحتاج إلى دعم حقيقي وتحديث في السياسات والأنظمة لتستعيد دورها الكامل. وإذا ما تم استثمار هذه الإمكانيات بشكل صحيح، فإن هذا القطاع قادر على أن يكون أحد أهم محركات الاقتصاد، وأن يسهم بشكل فعال في تحقيق التنمية والاستقرار في المرحلة القادمة.
اقرأ أيضاً: «آغرو سيريا» 2026: هل تقود المعارض التخصصية عودة الاستثمار الزراعي وسلاسل الإنتاج؟