شركات

من برلين إلى دمشق.. كسر العزلة المصرفية السورية

من برلين إلى دمشق.. كسر العزلة المصرفية السورية

بقلم: ديانا الصالح

في عالم الاقتصاد، ليست كل القرارات تُقاس بالأرقام المباشرة، فبعض الخطوات تحمل دلالات سياسية مالية بما يفوق قيمتها التقنية بكثير، وهذا تماماً ما ينطبق على كسر العزلة المصرفية من خلال الاتفاق السوري الألماني الأخير بشأن البدء بتطبيع العلاقة المصرفية بين مصرف سوريا المركزي والبنك المركزي الألماني، وفتح حساب رسمي للمركزي السوري لدى الجانب الألماني.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى تفصيلاً مصرفياً يهم المختصين فقط، إلا أنه في الحقيقة يحمل أبعاداً أوسع تمس التجارة الخارجية والتحويلات المالية والاستثمار، وصولاً إلى استقرار سعر صرف الليرة السورية في بلد عاش سنوات طويلة تحت العزلة المصرفية والعقوبات.

تفاصيل كسر العزلة المصرفية السورية

اتفقت سوريا وألمانيا مؤخراً على البدء بتطبيع العلاقة بين مصرفيهما المركزيين، تمهيداً لفتح حساب رسمي لمصرف سوريا المركزي لدى البنك المركزي الألماني، في خطوة وصفها حاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية بأنها “إنجاز مهم” للقطاع المالي السوري.

وأكد الحصرية أن الاتفاق لا يقتصر على الجانب المصرفي فقط، بل يفتح الباب أمام إعادة بناء العلاقات المالية بين البلدين وتعزيز الثقة بين المؤسسات المصرفية مع بدء الإجراءات التنفيذية بشكل مباشر.

هذا الاتفاق يأتي امتداداً لزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين نهاية أذار مارس الماضي ولقائه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، حيث جرى بحث ملفات التعاون الاقتصادي والمالي، بالتزامن مع إعادة افتتاح السفارة الألمانية في دمشق بعد إغلاق دام 13 عاماً، ما يعكس توجّهاً واضحاً نحو كسر العزلة المصرفية والانفتاح على النظام المالي الدولي.

فتح الحساب.. أكثر من مجرد إجراء مصرفي

المصارف المركزية لا تفتح حسابات متبادلة كخطوة بروتوكولية، بل تأتي كإشارة واضحة على بداية وجود اعتراف مالي وثقة مؤسساتية متبادلة، وهذا ما يجعل هذه الخطوة ذات أهمية استثنائية بالنسبة لسوريا.

طوال السنوات الماضية واجهت دمشق صعوبات كبيرة في إدارة تعاملاتها الخارجية بسبب انقطاع العلاقات المباشرة مع البنوك الدولية ما أجبر التجار والمؤسسات على اللجوء إلى وسطاء ماليين وشبكات تحويل غير مباشرة مما أدى إلى رفع التكاليف وأضعف الشفافية وأبطأ من حركة التجارة أو حتى توقف بعضها.

دلالات فتح حساب لمصرف سوريا المركزي لدى البنك الألماني

فتح حساب مباشر لدى البنك الألماني يعني عملياً بداية العودة إلى القنوات المالية الرسمية، وبالتالي يمنح مصرف سوريا المركزي مساحة أكبر للحركة ضمن النظام المالي الدولي.

الأهم من ذلك أن ألمانيا لا تعتبر شريكاً عادياً بل تمثل مركزاً مالياً له تأثيره داخل الاتحاد الأوروبي وبالتالي فإن بدء هذا المسار من برلين يحمل رسالة سياسية واقتصادية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين البلدين.

تجارب دول عديدة تؤكد هذه الحقيقة، فالعراق على سبيل المثال بعد عام 2003 لم يبدأ باستعادة استقراره المالي الحقيقي إلا بعد إعادة بناء علاقاته مع البنوك الدولية وكسر العزلة المصرفية المفروضة عليه، وكذلك السودان بعد تخفيف العقوبات وجدت أن عودة العلاقات المصرفية كانت أكثر تأثيراً من المساعدات النقدية نفسها وذلك لأنها أعادت للاقتصاد القدرة على العمل الطبيعي.

التحويلات المالية.. من التعقيد إلى المسار المباشر

واحدة من أكثر المشكلات التي واجهت التجار السوريين خلال السنوات الماضية كانت صعوبة التحويلات الخارجية سواء في عمليات الاستيراد أو التصدير.

فالتحويل المالي لم يكن مجرد إجراء بنكي، بل كان رحلة طويلة من التعقيدات تبدأ بالبحث عن وسيط مصرفي موثوق، مروراً بارتفاع العمولات وليس انتهاءً بمخاطر التأخير أو التجميد أو حتى فقدان جزء من الأموال أثناء انتقالها عبر أكثر من دولة، وفي هذا السياق تشير بيانات مصرف سوريا المركزي إلى أن حجم التحويلات المالية بلغ نحو 4 مليارات دولار في 2025، مقارنة بـ 2.5 مليار دولار في 2024، ما يعكس اعتماداً متزايداً على الحوالات الخارجية.

ومع إعادة الربط المصرفي وفتح حسابات مباشرة، يمكن القول أن التحويلات ستصبح أكثر سرعة وأقل تكلفة وأكثر أماناً، وهذا سينعكس بشكل مباشر على التجارة الخارجية، لأن انخفاض تكلفة التحويل يعني انخفاض تكلفة الاستيراد، فضلاً عن أن سهولة الدفع تشجع الموردين الخارجيين على التعامل مع السوق السورية بثقة أكبر.

الأمر لا يتعلق فقط بالأرقام البنكية بل بالنتيجة النهائية التي قد تصل إلى السوق المحلية على شكل انخفاض نسبي في تكاليف المواد الأولية والبضائع المستوردة.

بمعنى آخر قد يبدأ الخبر من مصرف مركزي لكنه ينتهي على رفوف الأسواق.

هل ينعكس الاتفاق على حركة الاستيراد والتصدير؟

الإجابة الأقرب للواقع هي نعم، ولكن تدريجياً وليس بشكل فوري.

الاستيراد السوري تأثر لسنوات ليس فقط بسبب نقص التمويل بل بسبب ضعف القدرة على تنفيذ الدفعات الخارجية بشكل قانوني ومستقر، فالكثير من الشركات الأجنبية كانت تتردد في البيع للسوق السورية بسبب صعوبة التحصيل المالي حتى عندما تكون هناك رغبة تجارية واضحة، ووجود قنوات مصرفية رسمية يعيد تقليل هذه المخاطر.

خاصة أن المستورد السوري سيكون أقل اعتماداً على الوسطاء الماليين والمصدّر السوري سيكون أكثر قدرة على تحصيل قيمة صادراته عبر النظام المصرفي الطبيعي، مما يرفع من كفاءة العملية التجارية ويعزز تنافسية المنتج السوري.

ورغم أهمية الخطوة فإن تأثيرها يظل تدريجياً وليس سريعاً وذلك لأن تحسين التجارة الخارجية لا يعتمد على المصارف فقط بل إنه يحتاج إلى بيئة اقتصادية متكاملة تشمل تشريعات واضحة واستقراراً جمركياً وسياسات ضريبية متوازنة، فالتجارة لا تتحسن فقط بفتح حساب مصرفي، بل تحتاج أيضاً إلى استقرار تشريعي، وبنية جمركية فعالة، وسياسات ضريبية واضحة، أي أن المصرف قد يفتح الباب لكن الاقتصاد يحتاج إلى أكثر من مفتاح واحد.

فرصة لجذب الاستثمارات الأجنبية

أي مستثمر أجنبي يدرس الدخول إلى أي سوق جديد يسأل أولاً عن نقطة أساسية: هل أستطيع إدخال أموالي وإخراجها بشكل قانوني وآمن؟

إذا كانت الإجابة غير واضحة فإن المشروع كله يصبح محل شك، ولهذا السبب فإن إعادة الربط المصرفي تعد شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات الأجنبية، لأن المستثمر لا يبحث فقط عن فرص ربح بل عن نظام مالي يمكن الوثوق به.

ولا يمكن لشركة أوروبية كبرى أو لصندوق استثماري دولي أن يغامر في بيئة مصرفية مغلقة أو غير مستقرة، وفتح الحساب مع البنك الألماني يرسل رسالة مهمة للأسواق الخارجية مفادها أن سوريا تحاول استعادة مكانتها ضمن النظام المالي الطبيعي وأن هناك بداية لكسر العزلة المصرفية وإعادة بناء الثقة المؤسسية.

لكن النجاح الحقيقي في هذا الملف يحتاج إلى أكثر من خطوة مصرفية، فهو يتطلب بيئة قانونية مستقرة وفعّالة وضمانات استثمار واضحة.

تجربة فيتنام مثال مهم في هذا السياق، حيث بدأ الانفتاح الحقيقي هناك من إصلاح النظام المالي وربط البنوك المحلية بالشبكة الدولية وذلك قبل أن تتحول لاحقاً إلى أحد أهم مراكز الاستثمار الصناعي في آسيا. 

سعر الصرف.. السؤال الذي يهم الجميع

ربما يكون السؤال الأهم بالنسبة للمواطن السوري هو: هل سينعكس هذا الاتفاق على سعر صرف الليرة؟

من الناحية النظرية: نعم، فعندما تتحسن القنوات المالية الرسمية وتصبح التحويلات أكثر استقراراً ويقل الاعتماد على السوق السوداء، فإن الضغط على الدولار يتراجع تدريجياً الأمر الذي يمنح العملة المحلية فرصة أكبر للاستقرار.

لكن من الناحية العملية فإن الواقع الاقتصادي ليس بهذه البساطة وإنما هو أكثر تعقيداً، فسعر الصرف لا يتحكم به القطاع المصرفي وحده وإنما يتأثر بالإنتاج المحلي وحجم الصادرات والاحتياطي النقدي وكذلك العجز التجاري ومستوى الثقة العامة في الاقتصاد.

عملياً التطبيع المصرفي يمكن أن يكون بداية مهمة لكنه ليس علاجاً منفرداً، فاستقرار الليرة يحتاج إلى اقتصاد مُنتِج لا إلى قرار مصرفي فقط.

في الخلاصة

الاقتصاد السوري خلال السنوات الماضية لم يعانِ فقط من نقص السيولة أو ارتفاع الأسعار بل من فقدان الثقة بالمؤسسات المالية نفسها، وعندما يفقد السوق هذه الثقة تصبح كل عملية اقتصادية محفوفة بالخوف والتردد.

والاتفاق مع ألمانيا لا يعني نهاية الأزمة وحل المشاكل الاقتصادية، إنما يحمل إشارة قوية وهي أن النظام المالي السوري الذي عاش طويلاً في غرفة العناية المشددة بدأ يستعيد بعض المؤشرات الحيوية.

لكن الحكم الحقيقي على نجاح هذه الخطوة لن يكون في البيانات الرسمية وإنما بالواقع الملموس وتحديداً في اليوم الذي يستطيع فيه التاجر السوري فتح اعتماد مصرفي طبيعي والُمصدّر قبض مستحقاته دون وسطاء والمواطن ملاحظة أثر ذلك على الأسعار اليومية.. عندها فقط يمكن القول أن التطبيع المصرفي لم يكن مجرد خبر اقتصادي، بل بداية مرحلة جديدة.

اقرأ أيضاً: مصرف سوريا المركزي يحذر من التعامل بالعملات الرقمية

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.