أخبار سوريا

200 ألف “داخل” جديد سنوياً من الشباب السوري… وسوق عمل لا يتسع

200 ألف “داخل” جديد سنوياً من الشباب السوري… وسوق عمل لا يتسع

بقلم: ريم ريّا

يواجه الشباب السوري اليوم واقعاً اقتصادياً قاسياً، نتيجةً للأزمات الممتدة والتحولات المستمرة في سوق العمل. ويقدر معدل بطالة الشباب بنحو 33%، حيث يدخل أكثر من 200 ألف شاب سوق العمل سنوياً في اقتصاد يتسم تقليدياً بندرة الفرص. ولا ينبع هذا التحدي من نقص الوظائف فحسب، بل أيضاً من طبيعتها المتغيرة. فلم تعد الشهادة الجامعية كافية لضمان وظيفة دائمة، بل باتت الحاجة قائمة إلى مهارات تمكن من التكيف مع اقتصاد سريع التحول قائم على الرقمنة والعمل المرن. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تكمن المشكلة في نقص الفرص أم في فجوة المهارات بين الشباب ومتطلبات سوق العمل؟

فجوة المهارات الرقمية والانتقال إلى اقتصاد المعرفة

تعتبر  فجوة اكتساب المهارات الرقمية الأساسية والمتقدمة من أبرز التحديات التي تواجه الشباب السوري اليوم. وتشير البيانات العالمية إلى أن الطلب على الوظائف التقنية، كالبرمجة والتسويق الرقمي، قد ازداد بأكثر من 40% خلال السنوات الثلاث الماضية.

ورغم هذا التوجه العالمي، لا تزال شريحة كبيرة من الشباب عالقة في نماذج التعليم التقليدية التي تعجز عن مواكبة التحول الرقمي، وتركز على الجانب النظري أكثر من التطبيقي. ولا تكمن المشكلة في اكتساب المهارات فحسب، بل في تحويلها إلى مشاريع أو أعمال حقيقية. فليس كافياً امتلاك لغة برمجة أو شهادة تدريبية دون تطبيق عملي من خلال مشاريع صغيرة أو عمل حر. هذه الفجوة بين “التعليم” و”الإنتاج” تُشكّل عائقاً حقيقياً يحول دون وصول الشباب إلى سوق العمل الرقمي العالمي المتنامي.

اقرأ أيضاً: سوق العمل في سوريا بين الواقع والاحتمالات المستقبلية

نقص العمالة في سوق العمل والعملية المرتبطة بإعادة الإعمار

في المقابل، لا يزال قطاع الحرف والمهن يمثل فرصة حقيقية في السوق المحلية، لا سيما مع توسع مشاريع إعادة الإعمار. وقد ازداد الطلب بشكل ملحوظ على مهن مثل الكهربائي والسباك وفني التبريد. وتشير البيانات الميدانية إلى أن دخل بعض العمال المهرة في مدن مثل دمشق وحلب قد يفوق دخل الموظف الحكومي بعدة أضعاف، مما يسلط الضوء على الاختلالات في التوزيع التقليدي للقيمة الاقتصادية.

ومع ذلك، تكمن المشكلة الرئيسية في أن نسبة كبيرة من الشباب لا يختارون هذه المهن بسبب الوصمة الاجتماعية أو نقص التدريب المهني. وهذا يخلق فجوة بين احتياجات السوق الفعلية والتخصصات المتاحة في التعليم والتدريب. ويجبر هذا النقص الاقتصاد المحلي على الاعتماد على عرض محدود من المهارات المتخصصة، على الرغم من أن هذا القطاع قادر على توفير آلاف الوظائف بشكل مباشر كل عام.

محدودية المعرفة المالية والعمل الحر بالنسبة للشباب السوري

يعتبر ضعف المعرفة المالية أحد أبرز التحديات التي تواجه الشباب السوري، والتي غالباً ما يتم تجاهلها، وهو عامل لا يقل أهمية عن المهارات التقنية أو المهنية. فحتى عندما يحصل الشباب على دخل بالدولار أو الليرة السورية، فإن افتقارهم للمعرفة بأساسيات الادخار والاستثمار وإدارة المخاطر يؤدي سريعاً إلى خسارة هذا الدخل. وتشير الأدلة إلى أن العديد من حالات الإخفاق المالي ترتبط بسوء إدارة الأموال أو عدم فهم تقلبات السوق وأسعار الصرف.

في المقابل، تشجع الاقتصادات الحديثة مفهوم “المستثمرين الأفراد” أو “المشاريع الصغيرة”، حيث ينتقل الشباب من البحث عن وظائف إلى العمل الحر. إلا أن هذا التحول يتطلب معرفة مالية، وهي غير منتشرة على نطاق واسع حتى الآن، مما يبقي العديد من الشباب خارج نطاق الاستقرار الاقتصادي حتى في ظل توفر فرص عمل مؤقتة.

إلى جانب المهارات التقنية والمهنية، ثمة نقص واضح في المهارات الشخصية، كمهارات العمل الجماعي، والتواصل الرقمي، وإدارة الوقت، وبناء العلامة التجارية الشخصية، وكلها أساسية في سوق العمل اليوم. في بيئة عمل تعتمد بشكل متزايد على العمل عن بعد والمنصات الرقمية، أصبحت القدرة على استخدام أدوات مثل زووم وتريلو والتواصل بفعالية ضمن فرق افتراضية عاملاً حاسماً في الحصول على وظيفة.

وبالمثل، يؤدي عدم القدرة على بناء حضور رقمي احترافي على منصات مثل لينكدإن أو تقديم العمل بشكل احترافي إلى تهميش العديد من الشباب الموهوبين، على الرغم من مهاراتهم المتميزة. ووفقاً لتقديرات دولية، ستتأثر حوالي 65% من الوظائف الحالية بأدوات الذكاء الاصطناعي في السنوات القادمة، مما يجعل التكيف مع هذه الأدوات جزءاً أساسياً من القدرة التنافسية في سوق العمل، وليس مجرد ميزة إضافية.

ختاماً، لا يقتصر نقص فرص دخول الشباب السوري إلى سوق العمل على عامل واحد، بل هو نتاج مجموعة من أوجه القصور في المهارات الرقمية والمهنية والمالية والاجتماعية، والتي تفاقمت بسبب الوضع الاقتصادي الصعب وتزايد أعداد السكان في سوق عمل محدود الفرص.

ومع ذلك، تشير المؤشرات أيضاً إلى وجود فرص حقيقية يمكن استغلالها في الاقتصاد الرقمي، والقطاع المهني، أو ريادة الأعمال الخاصة. هذه الفجوة ليست دائمة، ويمكن تقليصها من خلال التعليم التطبيقي والتدريب العملي، وإعادة تعريف مفهوم “العمل”.. من التوظيف التقليدي إلى فرصة لخلق قيمة في سوق عمل متطور باستمرار.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.