بقلم هلا يوسف
تعمل الحكومة السورية اليوم على استعادة عافية قطاعاتها، فبعد عام ونصف على التحرير، أصبحت الأسئلة تدور حول دور دول العالم في إعادة إعمار سوريا، من منازلها إلى قطاعاتها الاقتصادية والخدمية. وهنا يبرز دور الدعم الدولي كعامل مهم في دعم جهود التعافي. فقد جاءت موافقة البنك الدولي على تمويل مشاريع جديدة في قطاعي المياه والصحة، في خطوة لها أبعاد إنسانية وتنموية في آن واحد، وتهدف إلى تحسين حياة ملايين السوريين بشكل مباشر.
فقد وافق مجلس المديرين التنفيذيين في البنك الدولي على تقديم منحتين بقيمة إجمالية تبلغ 225 مليون دولار أمريكي، عبر المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، لدعم مشروعين جديدين في سوريا. ويهدف هذان المشروعان إلى تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتعزيز الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الجيدة.
وبحسب بيان البنك الدولي، فإن هذه المشاريع ستسهم في تحسين الحياة اليومية للسكان من خلال توفير خدمات منتظمة دون انقطاع، ومن المتوقع أن يستفيد منها نحو 4.5 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.
من جانبه، أكد وزير المالية السوري محمد يسر برنية أن المشروعين يمثلان الثالث والرابع ضمن حزمة تضم 11 مشروعاً يجري العمل عليها بالتعاون مع البنك الدولي. وأوضح أن هذه الحزمة تهدف إلى دعم الخدمات الأساسية وتعزيز مسارات التعافي في البلاد.
وأشار برنية إلى أن المشاريع السابقة شملت مشروع إصلاح شبكة نقل الكهرباء بقيمة 146 مليون دولار، ومشروع تقوية الإدارة المالية الحكومية بقيمة 20 مليون دولار، مما يعكس توجهاً تدريجياً نحو إعادة بناء القطاعات الحيوية.
مشروع المياه… معالجة الأضرار وبناء نظام مستدام
يعد مشروع دعم قطاع المياه الموافق عليه، والذي تبلغ قيمته 150 مليون دولار، من أهم المشاريع المطروحة، إذ يهدف إلى تحسين الوصول إلى المياه النظيفة، وإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي في عدد من المحافظات السورية.
وتبرز أهمية هذا المشروع في ظل الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية، حيث أشار البنك الدولي إلى أن أكثر من نصف شبكات المياه ونحو 70% من محطات معالجة الصرف الصحي تعرضت لأضرار جسيمة. كما انخفضت نسبة توفر المياه بنحو 40% مقارنة بما قبل الحرب، وأصبح أكثر من نصف السكان يعانون من نقص في خدمات المياه والنظافة، فيما تراجع نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 700 متر مكعب سنوياً، وهو مستوى يقل بكثير عن حد شح المياه.
ويستهدف المشروع إعادة تأهيل مرافق المياه والصرف الصحي في مناطق ذات كثافة سكانية عالية تأثرت خلال السنوات الماضية بالحرب، مع التركيز على تلبية الاحتياجات العاجلة للسكان، بما في ذلك اللاجئون العائدون والنازحون داخلياً.
كما يشمل المشروع إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية لمعالجة المياه ونقلها، وتعزيز قدرتها على مواجهة التغيرات المناخية، خاصة في محافظات إدلب وحمص وحماة، إلى جانب تحسين خدمات الصرف الصحي في دمشق للحد من التلوث البيئي.
ولا يقتصر المشروع على الجانب الخدمي فقط، بل يمتد ليشمل تطوير أنظمة إدارة الموارد المائية، من خلال تقييم سلامة السدود، وإنشاء أنظمة معلومات متكاملة تربط بين المياه والمناخ.
وفي هذا السياق، أوضح مدير تنظيم قطاع المياه عبادة مبيض أن المشروع يمثل تحولاً مهماً من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى التعافي طويل الأمد، مؤكداً أنه يعالج البنية التحتية المتضررة، ويرفع جودة الخدمات، ويعزز كفاءة استخدام الموارد، إلى جانب إدخال أنظمة حديثة للإدارة وبناء القدرات المؤسسية.
كما أعلنت وزارة الطاقة السورية أن المشروع يأتي ضمن برنامج يمتد لخمس سنوات (2026–2031)، ويهدف إلى إعادة تأهيل القطاع بشكل متكامل وفق معايير دولية.
مشروع الصحة… تحسين الخدمات ومواجهة التحديات
أما المشروع الثاني، الذي تبلغ قيمته 75 مليون دولار، فيركز على دعم وتعزيز النظام الصحي في سوريا، والذي تأثر بشكل كبير نتيجة الحرب، حيث تضررت المرافق الصحية وتشتت الخدمات وضعفت إدارتها.
ويهدف المشروع إلى تحسين وصول المواطنين إلى خدمات صحية عالية الجودة، من خلال تطوير خدمات الرعاية الصحية الأولية في نحو 150 مركزاً صحياً موزعة في مختلف أنحاء البلاد.
وسيستهدف المشروع بشكل خاص الفئات الأكثر احتياجاً، مثل الأمهات والأطفال وحديثي الولادة، بالإضافة إلى النازحين واللاجئين العائدين والأسر ذات الدخل المحدود.
كما يعتمد اختيار المراكز الصحية المستفيدة على معايير واضحة، تشمل حجم التأثير، وعدالة التوزيع، وجاهزية المراكز، وسهولة الوصول إليها.
ويتضمن المشروع أيضاً تعزيز قدرات النظام الصحي في مجالات الكشف المبكر والاستجابة للأوبئة والطوارئ، إضافة إلى دعم الكوادر الصحية والأنظمة المؤسسية لضمان استمرارية الخدمات.
وأشار البنك الدولي إلى أن قطاع الصحة في سوريا يواجه تحديات كبيرة، من بينها نقص التمويل، مما يدفع العديد من الأسر إلى تحمل تكاليف العلاج على نفقتها الخاصة، إضافة إلى أن النموذج التقليدي للرعاية الصحية، الذي يعتمد بشكل أساسي على المستشفيات، لم يعد مناسباً للاحتياجات الحالية.
وتعقيباً على ذلك، أكد مدير دائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي جان كريستوف كاريه أن استعادة الخدمات الأساسية، خاصة في مجالي المياه والصحة، تمثل أولوية رئيسية، مشيراً إلى أن تحسين هذه الخدمات سيسهم في رفع مستوى المعيشة وتعزيز التماسك الاجتماعي، إضافة إلى تسهيل عودة اللاجئين واندماجهم في المجتمع.
آفاق مستقبلية وخطط توسع قادمة
أوضح وزير المالية أن هذه المشاريع تتقاطع مع مبادرة “سوريا بلا مخيمات”، التي تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية وتشجيع عودة اللاجئين إلى مناطقهم الأصلية.
كما كشف عن التحضير لمجموعة جديدة من المشاريع التي ستعرض لاحقاً على مجلس إدارة البنك الدولي، وتشمل قطاعات متعددة مثل المال والمصارف، والتعليم، والحماية الاجتماعية، إضافة إلى الطاقة والتحول الرقمي، بقيمة إجمالية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار.
وشدد برنية على أهمية التنفيذ السريع والفعال لهذه المشاريع وفق معايير حوكمة مالية دقيقة، معتبراً أن تحقيق نتائج ملموسة سيشجع على جذب المزيد من التمويل الدولي، ويفتح المجال أمام مشاركة أوسع من الجهات المانحة.
كما أشار إلى عودة نشاط مؤسسة التمويل الدولية في سوريا، ووجود مشاريع قيد الدراسة لدعم القطاع الخاص، في مؤشر على تحسن بيئة التعاون الدولي.
في الختام، تعكس هذه المشاريع بداية مرحلة جديدة في مسار التعافي في سوريا، حيث يتم التركيز على القطاعات الأكثر تأثيراً في حياة المواطنين. وفي الوقت الذي لا تزال التحديات كبيرة أمام التعافي، إلا أن هناك خطوات عملية وتوجه واضح محلي ودولي نحو إعادة بناء البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية بشكل تدريجي.
اقرأ أيضاً: بدل الحملات المجانية.. لماذا لا يعود الأطباء في ألمانيا إلى سوريا؟