بقلم هلا يوسف
تعد أزمة الفروغ العقارية من أبرز المشكلات التي واجهت الحكومة السورية بعد التحرير. فضياع حقوق مر عليها عقود طويلة وبعضها وصل إلى سبعين عاماً، قد يفتح المجال لصنع مظالم جديدة بحق أشخاص اتبعوا القانون السائد خلال تلك العقود. وبعد تظاهر العديد من أصحاب الفروغ في دمشق خلال السنة الماضية، شهدت مدينة حماة أمس 27 نيسان 2026 حالة من التوتر المتصاعد في الشارع التجاري، بعد إغلاق غالبية المحال التجارية أبوابها، وخروج مئات المتضررين إلى الشوارع للاحتجاج على ما وصفوه بالقرارات الجائرة المتعلقة بتخمين الإيجارات والضرائب.
ويؤكد المحتجون أن هذه التقديرات الجديدة لا تتناسب مع الوضع الاقتصادي الصعب في البلاد، ولا مع القدرة الشرائية للمواطنين، مما جعل أصحاب المحال يشعرون بأنهم أمام أعباء مالية تفوق قدرتهم على الاستمرار.
وتشير معلومات المحتجين إلى أن لجان التخمين التابعة للحكومة السورية قامت برفع الإيجارات السنوية والضرائب بشكل كبير جداً، وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 15000%. أدى هذا الارتفاع الحاد إلى قفزات ضخمة في التكاليف. ويؤكد متضررون أن بعض المحال التي كانت تقدر سابقاً بنحو 800 ألف ليرة سورية، أصبحت اليوم تقدر بأكثر من 120 مليون ليرة سورية، وهو ما وصفوه بأنه ارتفاع غير مسبوق في تاريخ المنطقة.
ويحذر المحتجون من أن استمرار هذه القرارات قد يؤدي إلى إغلاق عدد كبير من المحلات التجارية، بسبب عجز أصحابها عن تحمل الأعباء الجديدة، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على حركة الأسواق، وقد يؤدي إلى تراجع فرص العمل وزيادة البطالة. كما يوجه بعض المتظاهرين انتقادات للجان التخمين، متهمين إياها بالاعتماد على تقديرات غير دقيقة، وبأن هذه القرارات تفتقر إلى أسس قانونية واضحة، مطالبين بإعادة النظر فيها بما يراعي الواقع الاقتصادي.
يعتبر المتضررون أن هذه القرارات تستهدف مصدر رزق آلاف العائلات. كما يشيرون إلى أن الاحتجاجات السابقة والمراجعات التي تمت لم تحقق أي نتيجة، في ظل اتهامات متكررة للجان التخمين بأنها تعمل بشكل منفرد وبناءً على اجتهادات شخصية، بعيداً عن القوانين المعمول بها في باقي المحافظات السورية.
خلفية الأزمة ومواقف المتضررين والخبراء
بحسب ما قاله المتحدث باسم “لجنة حماية حقوق مالكي الفروغ” ماهر الكردي، فإن جذور الأزمة تعود إلى أواخر العام الماضي، عندما أصدر النائب العام في حماة كتاباً رسمياً إلى نقابة المهندسين، طلب فيه تشكيل لجنة من خبراء معتمدين من وزارة العدل لوضع قيم تخمينية جديدة لجميع شوارع وأحياء مدينة حماة والبلدات المحيطة بها. لكن أصحاب الفروغ اعتبروا أن هذه الجداول الجديدة استثنائية، ولا تستند إلى أي أساس قانوني واضح، بل جاءت نتيجة اجتهادات شخصية لا تتماشى مع الأطر القانونية المعتمدة في باقي المحافظات.
تعقيباً على ذلك، قال أحد أصحاب الفروغ المتضررين أنه صدم عند اطلاعه على التخمينات الجديدة، خاصة أن التقديرات السابقة كانت مشابهة لدمشق وحلب، وكانت تتراوح بين مليون وخمسة ملايين ليرة كحد أقصى. لكن فيما بعد بدأت القيم ترتفع بشكل كبير، حيث أصبح محل كان يقدر بمليون ليرة أصبح يقدر بحوالي 12 و13 مليون، ثم قفز خلال أشهر إلى 30 و40 مليون ليرة. كما أشار إلى وجود تفاوت واضح بين محلات متجاورة، حيث يقدر محل بحوالي 12 مليون ليرة، بينما يقدر محل أصغر منه 40 مليون.
وفي حالة أخرى، ارتفعت قيمة تخمين محل تجاري من 780 ألف ليرة إلى 120 مليون ليرة، وهي أرقام وصفها أصحابها بأنها لا تستند إلى منطق أو قانون. كما أشار بعض المتضررين إلى أنه عند مراجعة نقابة المهندسين، تبين عدم وجود آلية واضحة للتخمين، وأن كل مهندس يعتمد على تقديره الشخصي. وبعد ستة أشهر من الوعود والمماطلة مع النائب العام والنقابة، صدرت التخمينات النهائية التي فاقت كل التوقعات بحسب تعبير أحد المتضررين، الذي أكد أن مطلبهم الأساسي هو المساواة مع دمشق وحلب.
وأشار أحد مالكي الفروغ المتضررين أنهم دفعوا مبالغ كبيرة عند شراء هذه المحال بنظام الفروغ، وبنوا حياتهم الاقتصادية عليها، ثم فوجئوا بأن التقديرات وصلت إلى 120 مليون ليرة، وكأن ما دفعوه سابقاً لم يعد له أي قيمة، متسائلاً عن مصير الأموال التي دفعوها منذ البداية.
بينما أكد ماهر الكردي أن لجان التخمين تعمل وفق جداول وصفها مختصون بأنها غير نظامية وغير قانونية بشكل كامل، مشيراً إلى أن القوانين المعتمدة تتطلب موافقة أربع وزارات في دمشق لاعتماد هذه الجداول. وأضاف أن اللجنة اجتمعت مع النائب العام ثلاث مرات، ووعدهم بالعودة إلى جداول دمشق أو حلب أو نفس آلياتها، لكنهم فوجئوا بجداول مختلفة تماماً لا تشبه أي نموذج معروف. كما أوضح أن بعض التقديرات وصلت إلى 30 و40 و50 مليون ليرة، بينما بلغ أعلى تخمين لمحل سينما الشرق ما بين 450 إلى مليون ليرة سنوياً. وأشار أيضاً إلى وجود فروقات كبيرة مقارنة بدمشق، حيث تم تخفيض تخمين محل مساحته 60 متراً في سوق الحميدية إلى 5 ملايين ليرة بعد تسوية ودية. ويؤكد الكردي أن المشكلة الأساسية هي تجاهل قيمة الفروغ التي دفعها أصحابها، حيث يتم احتساب قيمة العقار فقط دون الاعتراف بالحقوق المالية السابقة.
أما مصطفى عابدين، عضو لجنة مالكي الفروغ، فيرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع الأرقام، بل أيضاً بمخالفة واضحة للآلية المعمول بها في باقي المحافظات السورية. ويشير إلى أن حماة أصبحت حالة استثنائية، في حين أن باقي المحافظات تعمل بالقوانين القديمة إلى حين صدور تشريعات جديدة من مجلس الشعب. ويضيف أن ما يجري في حماة هو تجاوز واضح للقانون نتيجة اجتهادات شخصية لبعض المهندسين، الذين يتصرفون وفق مصالحهم بحسب رأيه، وكأن المدينة خارج الإطار القانوني للدولة.
ومع سيطرت هذا الوضع على المحلات، أصبح السؤال المطروح من قبل المتضررين: ما مصير الأموال التي دفعوها سابقاً مقابل حق الفروغ؟ وهو حق حصلوا عليه بعقود قانونية، ودفعوا مقابله مبالغ قد تعادل أحياناً ثمن العقار نفسه. ومع التقديرات الجديدة، أصبح أصحاب الفروغ أمام خيارين صعبين: إما دفع إيجارات سنوية ضخمة قد تعادل قيمة عقارات كاملة، أو خسارة حقوقهم التي بنوا عليها أعمالهم طوال سنوات طويلة.
لم تكن هذه الاحتجاجات هي المرة الأولى في مدينة حماة بسبب ملف الفروغ، فقد شهدت المدينة في 21 كانون الأول 2025 وقفة احتجاجية أمام القصر العدلي، شارك فيها العشرات من أصحاب الفروغ. ويؤكد المحتجون أن هذه القرارات قد تؤدي إلى شلل في الحركة التجارية، في ظل عجز الكثير من أصحاب المحال عن تحمل التكاليف الجديدة.
الفروغ في القانون السوري
بالعودة إلى القانون السوري لفهم آليات الفروغ وكيف كان يتم، يوضح المحامي فواز الخوجة أن نظام الفروغ يقوم على عقود قديمة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث يمنح المستأجر حق استثمار المحل مقابل دفعات مالية وإيجار سنوي ونسبة من البيع. ويشير إلى أن القانون رقم /111/ لعام 1952 منح المحلات التجارية حق التمديد الحكمي، مما يجعل هذه العقود التزامات قانونية ومالية قائمة، ويؤكد أن المستأجر يملك حق توريث المحل وبيعه ضمن القانون.
ويحذر الخوجة من أن فتح هذا الملف بدون دراسة عميقة قد يخلق أزمة اجتماعية واسعة تمس نحو 10 ملايين شخص بين أصحاب محال وعائلاتهم وعمالهم. ويرى أن الحل لا يكون عبر قرارات تنفيذية، بل عبر مجلس الشعب، مع ضرورة تشكيل لجنة تضم قضاة ومحامين وغرفة التجارة وممثلين عن الطرفين. كما يشير إلى أن جذور النظام كانت تقوم على توازن بين المالك والمستأجر، لكن تغير الظروف الاقتصادية أدى إلى اختلال هذا التوازن.
بينما يقدم خبير التنمية والتحكيم الدكتور عارف طرابيشي رؤية مختلفة، حيث يوضح أن مصطلح الفروغ هو مصطلح غير رسمي، ويقابله في دول أخرى بدل الخلو. ويؤكد أن الخلط بين العقار والمتجر هو أصل المشكلة، فالعقار هو البناء، بينما المتجر كيان اقتصادي مستقل له قيمة معنوية وتجارية. ويشير إلى أن هذا الخلط يؤدي إلى معظم النزاعات المتعلقة بالتخلية وبدل الإيجار.
كما يلفت طرابيشي إلى أهمية الوساطة والتحكيم التجاري كوسائل أسرع وأكثر مرونة من المحاكم، رغم أن الثقافة القانونية ما زالت ضعيفة في هذا الجانب. ويؤكد أن التحكيم يمكن أن يوفر حلولًا عادلة إذا تم التمييز بين قيمة العقار وقيمة المتجر بشكل واضح، مع الإشارة إلى أن بعض القضايا تخضع للنظام العام ولا يمكن التحكيم فيها، لكنها تظل وسيلة مهمة في حل النزاعات التجارية الحديثة.
في النهاية، تبدو أزمة التخمينات في حماة اليوم أكبر من مجرد خلاف على أرقام مالية، لأنها تمس حياة وعمل آلاف العائلات من أصحاب الفروغ وعمالهم. ووضع أرقام فلكية يجعلهم أمام خيار واحد قائم على التنازل عن حقوقهم، مما يعرض السوق لحالة فوضى. لذلك يبقى من الأفضل إيجاد حل عادل ومتوازن يراعي الواقع الاقتصادي ويحفظ حقوق الجميع.
اقرأ أيضاً: الإيجارات القديمة و«التمديد الحكمي».. التفاصيل والتحديات والسيناريوهات المتوقعة!