بقلم: ريم ريّا
بالمجمل عند الحديث عن الأطفال والحرب، يتبادر للأذهان بشكل تلقائي صور الأطفال تحت الأنقاض، والمدارس المدمرة والعوائل النازحة، وترسم صورة لطفولة سُرقت فجأة. بطبيعة الحال هذا التصوّر ليس خاطئاً، بل هو الواقع الذي تركز عليه معظم التغطيات الإعلامية والدراسات البحثية، باعتباره الصورة الأقسى والشكل الأشد والمباشر لتأثير الحرب والصراع على الأطفال.
لكن، في حال نظرنا للصورة الكاملة، فالحرب لا تقاس فقط بما تهدمه وتحدثه من خراب، بل أيضاً بما تغيّره بصمت. داخل بلدان الصراع وسوريا إحداها، نشأ ملايين الأطفال في مناطق لم تشهد قصفاً واسعاً أو تهجيراً مباشراً. فالعديد من المناطق السورية بقيت بعيدة نسبياً عن التوترات الأمنية وخطوط المواجهة.
أطفال تلك المناطق لم يروا منازلهم تُهدم، ولم يجبروا على النزوح، لكنهم كبروا في بلد يعيش حرباً، يسمعون أخبارها ويراقبون القلق المرتسم على وجوه الكبار حولهم، ويتشكل وعيهم في ظل واقعٍ غير مضطرب أمام أعينهم لكنه غير مستقر بمختلف جنباته.
هنا وأمام هذا الطرح، السؤال الأجدى ليس عما إذا كانت الحرب قد أثرت عليهم، بل عن نوع هذا التأثير وما حدوده وطبيعته. العيش في أتون الصراع لكن دون تجربة عنف مباشرة، كيف يؤثر على نفسية الطفل؟ علاقته بالآخرين وسلوكه الاجتماعي؟ ما طبيعة هذا الأثر، وهل يختلف عما تخلفه الصدمة المباشرة، أم هو أقل حدة وأكثر رسوخاً على المدى الطويل؟.
سنحاول في هذا المقال مقاربة هذه الأسئلة من زوايا تحليلية، ننطلق منها من دراسات اجتماعية ونفسية، وتجارب بحثية جرت على مناطق نزاع مشابهة. لنفهم معنى أن يعيش الأطفال الحرب وتبعاتها “كواقع يومي”، وليس كحدث على أساس “التماس المباشر”.
الحرب “كبيئة نفسية” في السياق السوري.. وتأثيرها على الأطفال
في علم النفس الاجتماعي، لا يبنى فهم الصدمة على أنها نتيجة لحدث عنيف مباشر فقط، بل يتم تحليلها ضمن ما يعرف “ببيئة التهديد المزمن Chronic Threat Environment“، حيث يشكل الخطر المحتمل والمستمر عامل ضغط نفسي بحد ذاته. فيصبح العيش في بلد يشهد صراعاً مسلحاً تجربة نفسية ممتدة، حتى في المناطق التي لم تتعرض للتدمير بشكل مباشر أو شهدت عمليات عسكرية.
هذا الإطار قابل للإسقاط على الحالة السورية، بل يكاد ينطبق عليها بشكل واضح. فعدد كبير من الأطفال نشأوا في مناطق لم تشهد عمليات عسكرية واسعة أو لم تشهدها مطلقاً، ولم يجبروا على النزوح أو فقدان منازلهم وذكرياتهم، لكنهم كبروا داخل فضاء عام مشبع بلغة الحرب، أخبار يومية عن القتال في مناطق أخرى، نعوش تجوب أحيائهم لضحايا قتلوا في الحرب، خطاب عام مشحون بالخطر، قلق مزمن مرتسم على وجوه الأهل وأسئلة أكبر من عمرهم وأوسع من إدراكهم تطرح حول المستقبل والأمان. ليتحول الصراع إلى مرجعية وخلفية حاضرة في حديث اليوم وممتدة إلى تصوّر الغد.
هذا السياق المطروح، تدعمه دراسة منشورة في “Journal of Child Psychology and Psychiatry“، تقوم هذه الدراسة المكثفة ذات المفهوم الاجتماعي “البيئة الاجتماعية” بتقييم تأثير الحرب الأهلية السلفادورية على الصحة العقلية لـ 54 طفلاً يبلغون من العمر 12 عاماً، ولدوا في الحرب، وتعرضوا لمستويات مختلفة من عنف الحرب.
تشير الدراسة إلى أن الأطفال الذين يعيشون في بيئات نزاع، حتى دون التعرض بشكل مباشر للعنف، يُظهرون مستويات أعلى من القلق والتوتر مقارنةً بأقرانهم في مجتمعات مستقرة بالمطلق، ويرتبط ذلك بشكل أساسي بالشعور المستمر بعدم الأمان، وعدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل إذ يبدو ضبابي وقاتم، وشعورهم لا يرتبط بالصدمة بحد ذاتها كما الأطفال الذين وقعت عليهم الحرب بشكل مباشر.
في الحالة السورية، يكتسب هذا العامل أهمية خاصة، فالحرب بطبيعتها صاخبة وتمتد لسنوات طويلة، وفي سوريا امتدت لقرابة العقد من الزمن، ما جعل “بيئة التهديد المزمن” جزءاً من مرحلة الطفولة ذاتها. بالتالي إن أثر الصراع على أطفال هذه المناطق لا يظهر بالضرورة في أعراض صدمة حادة، بقدر ما يتجلى على صورة أنماط قلق مزمن، حذر سلوكي، إضافةً إلى تغيّر تدريجي في تصور العالم باعتباره مكاناً غير مستقر ومضطرب بطبيعته.
اقرأ أيضاً: “أطفال الصراع”.. كيف يعيد العنف السياسي تشكيل الأجيال؟
الفروق النفسية بين التعرض المباشر وغير المباشر للحرب
بشكل عام وما هو ملاحظ علمياً واجتماعياً، أن “اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)“، تظهر بشكل أوضح عند الأطفال الذين يتعرضون بشكل مباشر للأحداث العنيفة كالقصف، فقدان أحد الوالدين، مشاهدة الموت والدمار. ففي البلدان التي شهدت حروباً وأحداثاً دامية، سجلت نسب مرتفعة من أعراض (PTSD)، شملت الكوابيس المتكررة، استعادة للحدث الصادم فجأة، فضلاً عن فرط الاستثارة العصبية.
على سبيل المثال، تشير دراسة أجريت على أطفال في غزة في عامي 2019 و2024، إلى أن أكثر من 60% من الأطفال الذين تعرضوا للقصف المباشر أظهروا أعراضاً واضحة لاضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في التفكير بالموت واضطرابات النوم.
في حين، أجرى مركز التدريب المجتمعي لإدارة الأزمات (CTCCM) دراسة تقييم الاحتياجات للأطفال ذوي الإعاقة والمصابين والمنفصلين عن ذويهم أو غير المصحوبين بذويهم، بدعم من تحالف أطفال الحرب. وترسم هذه الدراسة صورةً مؤلمةً عن الصحة النفسية للأطفال في غزة. أما الدراسة التي نشرت عام 2019 في مجلة “لانسيت”، أشارت إلى أن 22% من الأفراد في المناطق المتضررة من النزاعات يعانون من اضطرابات نفسية. في المقابل، تشير بيانات هذه الدراسة لتقييم الاحتياجات إلى أن جميع الأطفال الأكثر ضعفاً في غزة تقريباً يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي ودعم للتعافي من الصدمات.
هذه الدراسات يمكن استخدمها كمرجعية تفسيرية للحالة السورية، لاسيما في المناطق التي شهدت قصفاً ودماراً بشكل واسع. بالمقابل الأطفال السوريون الذين نشأوا في مناطق لم تتعرض للدمار المباشر، لا يظهرون عادةً هذه النسب المرتفعة من اضطرابات ما بعد الصدمة. إلا أن ذلك لا يعني غياب الأثر النفسي، بل اختلاف طبيعته.
تشير الملاحظات الميدانية والدراسات المقارنة، أن هؤلاء الأطفال يسجلون مستويات متوسطة من القلق واضطرابات النوم، والحذر السلوكي بشكل عام. ما يضعهم ضمن فئة التأثر النفسي غير الصادم، لكنه ممتد التأثير زمنياً.
كذلك، من اللافت في الدراسات النفسية ما يعرف “بفرط اليقظة الاجتماعية Social Hypervigilance“، وهو نمط سلوكي يتطور لدى الأطفال الذين يعيشون في بيئات يُنظر إليها على أنها غير مستقرة أو قبلة للتدهور بشكل مفاجئ.
هناك دراسة منشورة في مجلة “Child Development“، تشير إلى أن الأطفال الذين نشأوا في بيئات صراع غير مباشرة يطورون مستويات أعلى من الحذر في العلاقات الاجتماعية، وتراجعاً في الثقة بالآخرين، حتى في غياب تجارب عنف شخصية مباشرة. والملاحظ أن هذا النمط ينسجم مع السياق السوري، لا سيما لدى الأطفال الذين كانوا في عمر 8 – 10 سنوات عند بداية الصراع، وأقاموا في مناطق بقيت مستقرة بشكل نسبي من حيث الأمن.
هؤلاء الأطفال لم يعايشوا صور الحرب من النزوح والقصف، لكنهم كبروا في ظلها، وفي ظل وعي جمعي يتوقع التدهور أكثر من توقعه للاستقرار. بشكل ميداني، يلاحظ لدى هذه الفئة حذر كبير في تكوين العلاقات، مع تردد واضح في الانخراط الاجتماعي، ويظهرون حساسية أعلى تجاه التغيرات المفاجئة في البيئة، بالمقارنة بأجيال سورية سبقت الحرب ونشأت في سياق أكثر استقراراً.
في سياقٍ متصل، تشير دراسات أجريت في مناطق نزاع منخفضة الشدة، مثل بعض المناطق في لبنان، إلى أن العيش في ظل تهديد مستمر، حتى دون قصف فعلي، يؤثر سلباً على قدرة الأطفال على بناء علاقات مستقرة قائمة على الثقة.
ضمن المنحى السوري، يكتسب هذا العامل بعداً إضافياً، إذ أن الحرب في البلاد لم تكن حدثاً قصير الأمد على غرار حرب لبنان الأخيرة ذات الستين يوماً، بل كانت سياقاً ممتداً لسنوات طويلة. الطفل في هذه البيئة يتعلم، بشكل ضمني، أن الاستقرار مؤقت، وأن التغير المفاجئ هو الاحتمال الأقرب، ما ينعكس على توقعاته من الآخرين، ومستوى الأمان الذي يمنحه للعلاقات الاجتماعية.
أما من حيث التأثر على الأداء التعليمي، حسب تقرير صادر عن “اليونسيف” حول الأطفال في مناطق النزاع غير المباشر، فإن الأداء التعليمي لا يتأثر فقط بانقطاع التعليم أو تدمير المدارس، بل بالحالة النفسية العامة للطفل. فالقلق المزمن وضعف الشعور بالأمان، يؤديان إلى انخفاض القدرة على التركيز، مع تراجع الدافعية لدى الأطفال، وضعف المشاركة الصفية، حتى ولو كانت المدارس قائمة وتعمل بشكل منتظم.
في سوريا، ربما واصل الأطفال الحضور يومياً إلى المدرسة طيلة العام الدراسي، في المناطق التي لم تشهد النزاع، لكن حملوا معهم آثار النزاع في نفسيتهم وعبروا عن ذلك بصورة توتر نفسي متراكم، انعكس في بعض الأحيان على تحصيلهم الدراسي.
دور الأسرة في نقل آثر الحرب حتى ولو لم تعش بشكل مباشر
للأسرة دور محوري في تضخيم آثار الحرب أو تخفيفها على الأطفال. فالقلق المزمن لدى الأهل في مناطق الصراع ينتقل إلى أطفالهم عبر أنماط التربية، وخطابهم اليومي لهم، وينعكس على واقع المنزل اليومي ومستوى التوتر فيه.
في سوريا، حتى الأسر التي لم تتعرض للدمار بصورة مباشرة، غالباً ما عاشت حالة قلق دائم ارتبط بالوضع العام في البلاد، وتداخل مع الاضطراب الاقتصادي الذي فرضته الحرب، وارتبط كذلك بمصير الأقارب والمعارف في مناطق أخرى، ما خلق في بعض الأحيان بيئة نفسية ضاغطة على الطفل.
الخلاصة، هؤلاء الأطفال لا يحملون بالضرورة صدمات حادة، لكنهم يحملون قلقاً مزمناً، وحذراً اجتماعياً مصاحباً لشعور هش بالأمان، بالرغم من أن هذه التأثيرات أقل وضوحاً مما تبدو عليه على أطفال النزاع بشكل مباشر، لكنها أعمق على المدى الطويل للطفل الذي لم يصطدم بالنزاع مباشرةً، بل تم توريده إليه بشكل يومي، بالخطاب، التربية، الأخبار، والقصص المَروية حوله.
الحرب لا تترك آثارها فقط عبر الدمار المرئي، بل عبر التحولات النفسية والاجتماعية البطيئة، التي تصيب الأطفال الذين ينشؤون في ظلها دون أن يشهدوا عنفها المباشر. فَهم هذه الفئة ضروري لأي مقاربة واقعية ترمي لإعادة بناء المجتمعات بعد الصراع.