بقلم هلا يوسف
لا يزال قطاع الاتصالات مرهوناً بمحاولات النهوض التي تعمل عليها وزارة الاتصالات، فمع وجود بنية تحتية مهدمة، وشبكات ضعيفة، تضطر الوزارة للتعامل مع الواقع الحالي بغض النظر عن أي حسابات أخرى. فمع نجاح أول اتصال باستخدام تقنية “VoLTE”، وذلك عبر منصة تجريبية حديثة تعتمد على نظام (IMS) التابع لشركة MTN، وبالاستفادة من بنية تحتية مقدمة من شركة “هواوي” الصينية، جاءت التحذيرات الأمريكية من استخدام التقنيات الصينية في قطاع الاتصالات، لكن لماذا تجاهلت الوزارة هذا التحذير؟ وكيف سيستفيد المواطن من هذه الخدمة؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.
يأتي نجاح أول اتصال باستخدام تقنية “VoLTE” ضمن خطة واسعة تعمل عليها وزارة الاتصالات لإعادة بناء وتطوير القطاع، حيث تشمل الاستراتيجية مشاريع مثل “برق نت”، إلى جانب التوسع في سوق المشغلين المحليين، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستخدمين.
وفي ظل الواقع الحالي، تعتمد البنية التحتية للاتصالات بشكل كبير على التكنولوجيا الصينية، إذ تشكل تقنيات “هواوي” أكثر من 50% من شبكة شركتي “سيريتل” و”MTN”، وهما المشغلان الرئيسيان في البلاد، مما يجعل أي تطوير تقني مرتبطاً إلى حد كبير بهذا الأساس القائم. ومع هذا الاعتماد، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في مواكبة النمو الرقمي المتسارع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مرونة اختيار الشركاء الدوليين بما يخدم احتياجات التطوير المستقبلية.
ما هي تقنية VoLTE وكيف تعمل؟
يوضح أحد الخبراء التقنيين أن تقنية “VoLTE” أو “Voice over LTE” تعني ببساطة إجراء المكالمات الصوتية عبر شبكة الجيل الرابع (4G/LTE) بدلاً من الشبكات التقليدية مثل 2G و3G. وتتميز هذه التقنية بأنها تنقل الصوت على شكل بيانات رقمية، مما يرفع من جودة الصوت ويزيد من سرعة الاتصال بين الطرفين.
ويؤكد أن هذه التقنية ليست حكراً على شركة معينة، بل هي معيار عالمي مفتوح يمكن تنفيذه من قبل عدة شركات مثل “نوكيا” و”إريكسون” إلى جانب “هواوي”، إذ إن معايير قطاع الاتصالات موحدة عالمياً، بينما يختلف التنفيذ حسب الشركة المزودة للتقنية.
أما في ما يتعلق باختيار شركة “هواوي”، يوضح الخبير التقني أن القرار لم يكن نتيجة ضغوط سياسية أو استجابة للتحذيرات الأميركية، بل جاء لأسباب تقنية واقتصادية بحتة، باعتبارها الخيار الأكثر ملاءمة ضمن الإمكانيات المتاحة حالياً. كما أن الاستمرار مع نفس المورد يحقق عدة مزايا مهمة، أبرزها الاستقرار وسهولة الإدارة، عن طريق تقليل عدد الموردين مما يجعل الشبكة أكثر استقراراً وأسهل في التشغيل والصيانة وأقل تكلفة.
كما أنها توفر التكامل التقني، فبما أن أكثر من نصف البنية التحتية الحالية تعتمد على “هواوي”، فإن منصة IMS الخاصة بـ VoLTE تتوافق بشكل كامل مع الشبكة القائمة، بالإضافة إلى خفض التكاليف عبر الاعتماد على نفس البنية الحالية، مما يقلل الحاجة إلى تغييرات كبيرة أو استثمارات إضافية، وبالتالي يخفض التكاليف والمخاطر التشغيلية، عدا عن التفوق التقني، حيث تمتلك “هواوي” خبرة واسعة في هذه التقنية، وتخدم ما يقارب ملياري مستخدم حول العالم، إضافة إلى تقديمها حلولاً موجهة للأسواق النامية بتكلفة أقل نسبياً.
بين التجربة والتطبيق الفعلي
بحسب تصريحات وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، فقد أكد أن خدمة الإنترنت لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة أساسية تقع ضمن مسؤوليات الدولة. وأوضح أن الحكومة تعمل على خطة شاملة لإعادة بناء قطاع الاتصالات من الأساس، بهدف تحسين جودة الإنترنت من حيث السرعة والاستقرار والتكلفة بما يناسب مختلف شرائح المستخدمين.
وأشار الوزير إلى أن ضعف البنية التحتية لا يزال يمثل التحدي الأكبر، رغم الدور المهم الذي لعبته الخبرات الوطنية في الحفاظ على استمرارية الخدمة. كما شدد على أن الوضع الحالي للإنترنت يشكل عائقاً أمام نمو الأعمال، خصوصاً في القطاعات التقنية والإبداعية، ما يتطلب معالجة فورية إلى جانب تطوير استراتيجي طويل الأمد.
كما كشف عن مشاريع مستقبلية قيد التنفيذ مثل “سيلك لينك” و”برق نت”، بالإضافة إلى التوجه لإنشاء مشغل جديد للهاتف المحمول، ودراسة عروض استثمارية متعددة، مع توقع تحديد هوية المستثمر خلال منتصف عام 2026. كما تشمل الخطط تطوير البنية التحتية تدريجياً، وإيقاف شبكات الجيلين الثاني والثالث، وتوسيع التغطية في المدن والأرياف.
بينما أوضح ممثل شركة MTN سوريا بشير عرقسوسي أن أهمية VoLTE لا تقتصر على تحسين جودة المكالمات فقط، بل تمثل خطوة انتقال تدريجية نحو تقنيات أكثر تطوراً وكفاءة، بما يعزز ثقة المستخدمين ويرفع جودة الخدمة.
أما مدير مكتب “هواوي” في سوريا جاك ما، فأكد لوسائل إعلام رسمية أن الدعم والثقة اللذان حظيت بهما الشركة في السوق السورية، شجعاها على مواصلة الاستثمار والتعاون، مشيراً إلى استمرار الشركة في دعم قطاع الاتصالات باعتبار أن المستقبل يحمل فرصاً أفضل.
ورغم الإعلان عن هذا الإنجاز، فإن الخدمة ما تزال ضمن إطار التجربة عبر منصة IMS، ولم تتحول بعد إلى إطلاق تجاري واسع للمستخدمين، إذ يتطلب ذلك استكمال التوافق بين الشبكة والأجهزة وآليات التفعيل، وهي تفاصيل لم تُعلن بشكل نهائي حتى الآن.
تقنية VoLTE بين المتطلبات والتجربة
للاستفادة من خدمة VoLTE عند تعميمها على المستخدمين، لا بد من توفر شرطين أساسيين: أن تدعم شبكة الاتصالات هذه التقنية عبر أبراجها وخدماتها، وأن يكون الهاتف المحمول نفسه داعماً لها. أي أن نجاح الخدمة يعتمد على توافق كامل بين مشغل الخدمة والجهاز المستخدم.
في الواقع، أصبحت معظم الهواتف الحديثة تدعم هذه الخاصية منذ أكثر من ثلاث سنوات، فعلى سبيل المثال بدأت هواتف “Apple” بدعم VoLTE ابتداءً من iPhone 6 و6 Plus، إلا أن تفعيلها لدى شركات الاتصالات تأخر في بعض الأسواق. ففي المملكة العربية السعودية، لم تنتشر الخدمة إلا في السنوات الأخيرة.
وتقوم تقنية VoLTE على نقل الصوت عبر شبكة الجيل الرابع (4G/LTE)، بينما كانت تقنية HD Voice تعتمد على تحسين جودة الصوت في شبكات الجيل الثاني والثالث. ويمكن اعتبار VoLTE تطويراً مباشراً لها، لكنه يتميز بارتباطه بشبكة الجيل الرابع والاستفادة من قدراتها الكاملة.
ومن أبرز مزايا VoLTE أنها توفر جودة صوت أعلى ونقاء أكبر في المكالمات، بالإضافة إلى إمكانية استخدام الإنترنت بشكل طبيعي أثناء المكالمة، مثل التصفح أو مكالمات الفيديو أو مشاركة الملفات دون انقطاع.
كما تتميز بسرعة الاتصال، حيث تستغرق المكالمات التقليدية نحو تسع ثوانٍ للاتصال بالطرف الآخر، بينما لا تتجاوز مكالمات VoLTE في الغالب ثانيتين فقط. كذلك تشير دراسات إلى أنها تستهلك طاقة أقل مقارنة بتطبيقات الاتصال عبر VoIP أو المكالمات التقليدية، مما يجعلها أكثر كفاءة من ناحية استهلاك البطارية.
وبالرغم من توفر شبكات الجيل الرابع منذ سنوات، إلا أن الهواتف الأولى التي ظهرت في بداية 2010 لم تكن تدعم VoLTE. ومع عام 2014 تقريباً بدأت الهواتف الحديثة، خصوصاً الفئات العليا، بدعم هذه التقنية تدريجياً، مع تفعيلها من قبل الشركات المصنعة وشركات الاتصالات.
لكن مع انتشار شراء الهواتف عبر الإنترنت واعتماد شرائح SIM فقط، ظهرت تحديات جديدة، إذ إن بعض الأجهزة تدعم VoLTE لكنها تكون غير مفعلة برمجياً أو مقيدة بحسب السوق.
كما أن بعض شركات الاتصالات فعلت الخدمة بشكل مجاني أو كخيار إضافي، إلا أن التوافق بقي متفاوتاً، حيث قد تحتاج بعض الأجهزة إلى تحديث النظام أو تعديل الإعدادات لتفعيل الخدمة، بالإضافة إلى أن الدعم يختلف من شركة اتصالات إلى أخرى، حتى لو كان الهاتف نفسه يدعم التقنية.
في النهاية، يعد إطلاق تجربة VoLTE في سوريا خطوة تقنية مهمة، خصوصاً وأن الشبكات الموجودة ضعيفة، لكن تطبيقها يبقى الحاسم الأكبر في نجاحها بالنسبة لوزارة الاتصالات، أما بالنسبة للمواطنين فسيكون عليهم التأكد من أجهزتهم الخلوية إذا ما كانت تدعم هذه الخاصية أم لا.
اقرأ أيضاً: الاتصالات في سوريا: رحلة ما بين الضغوط والتحوّل!