اقتصاد

استثمار خليجي جديد يبعث الأمل لقطاع الألبان في سوريا؟

بقلم: ديانا الصالح

في وقت تبحث فيه سوريا عن استثمارات قادرة على تحريك القطاعات الإنتاجية الأساسية، برزت شراكة جديدة بين شركة “بلدنا” القطرية ومؤسسة التمويل الدولية “IFC”، في خطوة تستهدف إعادة تنشيط قطاع الألبان، أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بالأمن الغذائي والمعيشة اليومية للسكان.

هذه الخطوة لا تقتصر على مشروع استثماري تقليدي بل تحمل أبعاداً اقتصادية وتنموية واسعة خاصة أنها تأتي في مرحلة التعافي حيث تحتاج سوريا إلى مشاريع قادرة على دعم الإنتاج المحلي للنهوض من جديد وتخفيف الاعتماد على الاستيراد.

دعم قطاع الألبان في سوريا.. البداية من السوق لا من المصنع

الاتفاقية الموقعة لدعم قطاع الألبان في سوريا لا تعني انطلاق المشروع الصناعي بشكل مباشر وفوري، بل تبدأ أولاً بمرحلة دراسة شاملة للسوق السورية تهدف إلى تقييم واقع قطاع الألبان ومعرفة فرص الاستثمار الفعلية فيه داخل البلاد.

كما ستعمل مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي على تقديم الدعم الاستشاري والفني لشركة “بلدنا”، من خلال تحليل حجم الإنتاج الحالي للحليب، وعدد المزارع العاملة، وقدرة المربين المحليين على تلبية احتياجات السوق، إضافة إلى دراسة حجم الطلب المحلي والفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وتشمل الدراسة أيضاً تقييم البنية التحتية المرتبطة بالنقل والتبريد والتخزين وسلاسل التوزيع، إلى جانب المعايير البيئية والاجتماعية المتعلقة بسلامة الغذاء والاستدامة وتحسين ظروف العمل في هذا القطاع.

الرهان الحقيقي.. المزارع الصغير

أحد أبرز محاور هذه الاتفاقية يتمثل في التركيز على صغار المزارعين والمربين باعتبارهم النقطة الأساسية في أي عملية نهوض حقيقية لقطاع الألبان.

لا سيما أن سوريا تُصنف حالياً ضمن أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي، حيث ألحقت سنوات الصراع أضراراً بالغة ببنيتها الزراعية، وتركز هذه الشراكة تحديداً على إعادة دمج صغار ومتوسطي المزارعين في شبكات تجارية مجدية.

الرئيس التنفيذي لمجموعة “بلدنا” ماريك وارزيفودا، أكد أن الشركة تنظر إلى نجاح أي استثمار من خلال قدرته على تحقيق أثر مباشر على الأرض، وليس فقط عبر الأرقام المالية، مشيراً إلى أهمية دمج المزارعين المحليين ضمن سلاسل الإنتاج الحديثة بما يضمن لهم دخلاً مستقراً وفرصاً مستدامة.

هذا التوجه يعكس فهماً أوسع لطبيعة الاستثمار الزراعي، حيث لا يقتصر النجاح على إنشاء المصانع، بل يبدأ من بناء منظومة إنتاج متكاملة تشمل المزارع والنقل والتصنيع والتسويق.

“بلدنا”.. توسع إقليمي في قطاع الألبان

تعد شركة “بلدنا” واحدة من أكبر شركات إنتاج الألبان والعصائر في قطر والمنطقة بشكل عام، وقد اكتسبت شهرة واسعة بعد نجاحها في دعم الأمن الغذائي القطري خاصة في قطاع الحليب ومشتقاته.

الشركة تعمل في إنتاج الحليب والألبان والأجبان والعصائر وتمكنت خلال السنوات الماضية من تحقيق توسع إقليمي واضح، ما جعلها من الأسماء البارزة في الاستثمارات الزراعية والغذائية على مستوى المنطقة.

دخولها المحتمل إلى السوق السورية يعكس اهتماماً متزايداً بالفرص الاستثمارية المرتبطة بالقطاع الزراعي والإنتاج الغذائي.

دور IFC”” في دعم المشاريع التنموية

أما مؤسسة التمويل الدولية “IFC”، فهي الذراع المختص بدعم القطاع الخاص ضمن مجموعة البنك الدولي، وتعمل على تمويل المشاريع التنموية ومساندة الاقتصادات الخارجة من الأزمات خصوصاً في القطاعات الإنتاجية الحيوية.

المؤسسة أوضحت في عدة تقارير أن دعم إنتاج الغذاء المحلي في الدول المتأثرة بالنزاعات يمثل أولوية تنموية واقتصادية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاعات تؤثر بشكل مباشر على حياة السكان اليومية.

كما أشارت إلى أن هذه الشراكة تأتي ضمن مبادرة أوسع تهدف إلى ربط صغار المزارعين بالاستثمارات الخاصة والأسواق الحديثة، بما يساعد على بناء سلاسل قيمة أكثر استقراراً واستدامة.

250 مليون دولار.. مشروع قيد الدراسة

رغم أن الاتفاقية الحالية تركز على الدراسة والتقييم، إلا أن تقارير اقتصادية تشير إلى أن شركة “بلدنا” تدرس بالفعل تنفيذ مشروع صناعي متكامل في سوريا بقيمة تصل إلى 250 مليون دولار.

المشروع المحتمل يشمل إنتاج الحليب ومشتقات الألبان والعصائر، ما يجعله واحداً من أكبر المشاريع الزراعية العربية المتوقع دخولها إلى السوق السورية خلال المرحلة المقبلة في حال انتقل من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ.

هذا يعني أن الاتفاقية الحالية قد تكون الخطوة الأولى فقط ضمن خطة استثمارية أوسع تحمل آثاراً اقتصادية كبيرة على المدى المتوسط والطويل.

أثر يتجاوز قطاع الألبان

لا تقتصر أهمية هذا التعاون على قطاع الألبان وحده، بل تمتد إلى دلالاته الاقتصادية الأوسع، إذ يعكس عودة اهتمام المستثمرين الخليجيين بالسوق السورية، وبشكل خاص في القطاعات الإنتاجية المرتبطة بإعادة الإعمار وتحقيق الاكتفاء الذاتي والذي ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان.

كما أن نجاح المشروع يمكن أن يسهم في تقليل الاستيراد، وتحسين دخل المربين المحليين، وخلق فرص عمل جديدة في مجالات الزراعة والنقل والتصنيع الغذائي، إلى جانب دعم الاقتصاد الريفي الذي تعرض لضغوط كبيرة خلال السنوات الماضية.

وفي ظل التحديات الاقتصادية الحالية تبدو مثل هذه المشاريع أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها لا تقدم حلولاً مؤقتة، بل تفتح الباب أمام استثمارات قادرة على إعادة بناء قطاعات إنتاجية كاملة من جديد.

اقرأ أيضاً: 225 مليون دولار لإحياء الخدمات:  البنك الدولي يدعم المياه والصحة

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.