بيئة

استثمار معمل مياه الدريكيش بين مخاوف الخصخصة والتطوير

استثمار معمل مياه الدريكيش بين مخاوف الخصخصة والتطوير

بقلم هلا يوسف

يترافق كل استثمار تعلن عنه الحكومة السورية مع موجة من الجدل، فتكثر الآراء حول ربحه أو إخفاقه، ومدى جدواه الاقتصادية. وآخر هذه الإعلانات طرح معمل تعبئة مياه نبع دريكيش في محافظة طرطوس للاستثمار من قبل القطاع الخاص، فبحسب الكثير من المطلعين على وضع المعمل الحالي فإنّه يعمل بكامل طاقته الإنتاجية، وهذا هو جوهر الجدل. إذ إن كل المعامل والقطاعات التي يتم عرضها على الاستثمار تكون نتيجة تحديات متعلقة بالتحديث والتطوير التي تؤثر مباشرة على الإنتاج، إلا أن المعمل المذكور لا يعاني من أي تحديات.

معمل دريكيش بين الأهمية الإنتاجية وخطة التطوير

يعد معمل تعبئة مياه نبع دريكيش من أقدم المنشآت الصناعية المرتبطة بمورد مائي طبيعي في سوريا، حيث يعود تأسيسه إلى عام 1976، وتمت عملية تحديث جزئية لخطوطه الإنتاجية عام 2006. ويعمل المعمل ضمن محافظة طرطوس بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 13 إلى 15 ألف عبوة يومياً من حجم لتر ونصف، بالإضافة إلى حوالي 1500 عبوة من حجم النصف لتر، مع وجود تذبذب في بعض الخطوط بسبب الحاجة إلى الصيانة.

ويضم المعمل نحو 167 عاملاً، ويعتمد على نظام ورديتين لتأمين الإنتاج اليومي، مستفيداً من تدفق مائي يومي من الآبار يصل إلى نحو 150 متراً مكعباً في الشتاء وينخفض في الصيف.

وبحسب الشركة العامة للصناعات الغذائية، فإن المشروع المطروح للاستثمار يتضمن إعادة تأهيل وتحديث شامل للمعمل، وتطوير خطوط الإنتاج، ورفع الكفاءة التشغيلية، وإدخال تقنيات حديثة، مع تنويع المنتجات، بالإضافة إلى نقل الخبرات الفنية وتأهيل الكوادر الوطنية. ويشترط العرض أن يتم إنجاز أعمال التأهيل خلال مدة لا تتجاوز عاماً واحداً، على أن تمتد فترة الاستثمار إلى 25 عاماً.

بين الدعم والتحفظ.. الخبراء يعلقون

حاله حال الكثير من المشاريع المعروضة للاستثمار، خضع عرض استثمار معمل مياه الدريكيش لتقييم الخبراء الاقتصاديين، وبالتالي انقسمت آراؤهم حول هذا التوجه إلى اتجاهين رئيسيين.

الشراكة الجيدة: الدكتور علاء بلدية اعتبر أن الخطوة تمثل نوعاً من الشراكة مع القطاع الخاص وليست خصخصة كاملة، لأن ملكية المنشأة تبقى للدولة. ويرى أن الهدف الأساسي هو تأمين التمويل اللازم لتحديث خطوط الإنتاج التي تعاني من القدم، مشيراً إلى أن ذلك قد ينعكس إيجاباً على المنطقة من خلال زيادة فرص العمل. لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية وضع شروط واضحة تضمن حقوق الدولة، وتحافظ على استدامة المورد المائي.

خصخصة لا نفع منها: غير أن الخبير الاقتصادي جورج خزام لم يقتنع بفوائد هذه الخطوة، وقدم رؤية نقدية حادة، معتبراً أن منح الاستثمار لمدة طويلة قد يؤدي إلى خسائر مالية كبيرة على الخزينة العامة. ويرى أن أي مستثمر خارجي سيقوم بتحويل الأرباح إلى خارج البلاد، مما قد ينعكس على سعر الصرف وزيادة الضغوط التضخمية. كما دعا إلى بدائل أخرى مثل تحويل المعمل إلى شركة مساهمة يشارك فيها المواطنون والصناعيون السوريون لضمان بقاء الأرباح داخل الاقتصاد المحلي.

أما الخبير الاقتصادي عمار يوسف فقد أبدى تحفظاً على فكرة الاستثمار، مؤكداً أن المياه تعد ثروة قومية يجب أن تبقى إدارتها بيد القطاع العام. وأشار إلى أن كلفة إنشاء خطوط إنتاج حديثة ليست مرتفعة مقارنة بالقيمة الاستراتيجية للمعمل، معتبراً أن تطويره يمكن أن يتم دون الحاجة إلى نقل ملكيته التشغيلية للقطاع الخاص.

تحديات مطروحة أمام المشروع

على الرغم من الجدل القائم، لا يمكن التغاضي عن جملة من التحديات قد ترتبط بهذا النوع من العقود، والتي أبرزها الشفافية، فيجب أن تتضمن العقود شفافية كبيرة توضح فيها بدلات الاستثمار بما يتناسب مع قيمة المورد الطبيعي، بالإضافة إلى حماية الإنتاج المحلي من المنافسة غير العادلة في الأسواق.

كما يجب الحفاظ على جودة المياه المعدنية الطبيعية التي يتميز بها نبع دريكيش، مع ضرورة تحقيق توازن بين جذب الاستثمار وحماية المصلحة العامة على المدى الطويل.

في الختام، على الرغم من الجدل الحاصل بين داعم لفكرة الاستثمار ومعارض لها، تبقى الكلمة الفصل التي تنهي حالة التخوف من خصخصة المعمل هي وجود دراسة دقيقة تحقق التوازن بين الجدوى الاقتصادية للمشروع وحماية الموارد الوطنية، بما يضمن استمرار الإنتاج دون الإضرار بالمصلحة العامة أو مستقبل القطاع المائي في البلاد.

اقرأ أيضاً: 225 مليون دولار لإحياء الخدمات:  البنك الدولي يدعم المياه والصحة

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.