ألعاب

الاحتياطيات والذهب تحت الاختبار: ماذا يعني اتفاق مصرف سوريا مع البنك الدولي؟

الاحتياطيات والذهب تحت الاختبار: ماذا يعني اتفاق مصرف سوريا مع البنك الدولي؟

الكاتب: أحمد علي

لا يشكّل كل اتفاق مع البنك الدولي باباً للتمويل، ولا كل اجتماع مع مصرف مركزي يعني أن أزمة السيولة اقتربت من نهايتها. ما أُعلن عنه في دمشق يوم 19 نيسان الجاري يبدو أقرب إلى خطوة من نوع آخر، أكثر تواضعاً، لكن أكثر دلالة أيضاً. الحديث هنا لا يبدأ من وفرة غير موجودة، بل من طريقة إدارة ما بقي. ومن قدرة المصرف على الإمساك بأصوله النادرة، قبل أي كلام أكبر عن التعافي والاستقرار.

بحسب البيان الذي نُقل عن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية بعد لقائه وفد البنك الدولي، اتفق الطرفان على تقديم مساعدة فنية متخصصة لدائرة إدارة الاحتياطيات والذهب، بما يساعد على تحديث البنى المؤسسية ورفع كفاءة إدارة الأصول والاحتياطيات والذهب.

وفي اليوم نفسه، أشار البيان إلى نقاشات موازية مع مسؤولين في صندوق النقد الدولي حول برامج دعم فني وبناء قدرات لتحديث القطاعات المالية والمصرفية وأسواق رأس المال. هذا مهم، لأنه يضع الاتفاق في حجمه الحقيقي. لا حديث معلناً عن أموال دخلت إلى الخزينة، ولا عن قرض جديد، بل عن بناء وظيفة مهنية داخل المصرف، في واحد من أكثر الملفات حساسية.

اتفاق مصرف سوريا مع البنك الدولي بين الدعم الفني واختبار الثقة

هذا الفرق جوهري. إدارة الاحتياطي ليست هي الاحتياطي نفسه. وقد يكون لدى مصرف مركزي إدارة أفضل، لكنه يظل يعمل داخل هامش ضيق إذا كان أصل الرصيد قد تآكل خلال سنوات طويلة. لذلك فإن أي قراءة متسرعة للاتفاق بوصفه انفراجاً مالياً مباشراً تتجاوز ما ورد في الإعلان نفسه. ما جرى أقرب إلى ترميم آلية، لا إلى تعويض النقص في المادة.

هنا تظهر قيمة الأرقام. وفق تقديرات نقلتها رويترز في كانون الأول 2024 عن مصادر مطلعة، يحتفظ مصرف سوريا المركزي بنحو 26 طناً من الذهب، وهو تقريباً المستوى نفسه الذي كان قائماً في بداية الحرب عام 2011. لكن الصورة تختلف في جانب العملات الأجنبية.

التقرير نفسه قال إن ما يتوافر من الاحتياطيات الأجنبية النقدية لا يتجاوز نحو 200 مليون دولار، في تراجع حاد قياساً بما أورده المصرف عن نحو 14 مليار دولار في نهاية 2011، وبما كان صندوق النقد قد قدّره عند 18.5 مليار دولار في 2010. بهذه المقارنة وحدها، يصبح مفهوماً لماذا يتحول ملف إدارة الذهب والاحتياطي من بند فني إلى مسألة سيادية واقتصادية في الوقت نفسه.

الذهب هنا ليس تفصيلاً محاسبياً. هو جزء كبير من آخر شبكة أمان يمكن أن تتحدث عنها الدولة مالياً. وحين يكون النقد الأجنبي محدوداً إلى هذا الحد، تزداد حساسية كل قرار يتعلق بالحفظ والتقييم والسيولة والتوزيع وإدارة المخاطر. من هذه الزاوية، يمكن فهم الاتفاق مع البنك الدولي باعتباره محاولة لوضع هذا الملف تحت معايير أكثر انتظاماً ومهنية، لا مجرد خطوة تجميلية في لحظة سياسية حساسة.

المسار الأوسع

لكن الاتفاق لا يمكن فصله عن المسار الأوسع الذي دخلته دمشق منذ عودتها إلى دوائر التمويل الدولي. في آذار 2026، وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 20 مليون دولار لتعزيز الكفاءة والشفافية والمساءلة في إدارة المال العام. وقبل ذلك، كانت اجتماعات واشنطن في ربيع 2025 قد شهدت تأكيداً من مديرة صندوق النقد الدولي على أن الأولويات الملحة في سوريا تشمل بناء بيانات اقتصادية موثوقة، وإعادة بناء المصرف المركزي، وتعزيز قدرة الدولة على توليد الإيرادات. وبعد سداد متأخرات سوريا للبنك الدولي، والبالغة 15.5 مليون دولار، بدعم من السعودية وقطر وفق ما نقلته رويترز في أيار 2025، صار الباب مفتوحاً نظرياً أمام منح ومساعدات أوسع. معنى ذلك أن الاتفاق الأخير لا يقف وحده، بل يأتي داخل سياق إعادة تأهيل تدريجي للمؤسسات التي تعطلت طويلاً.

ومع ذلك، لا ينبغي تحميل هذه الخطوة ما لا تحتمل. فالإدارة الأفضل للاحتياطي لا تعني تلقائياً زيادة في الاحتياطي. وتطوير دائرة الذهب لا يرفع وحده قدرة المصرف على تثبيت العملة أو تمويل الاستيراد أو استعادة الثقة بالقطاع المصرفي. هذه نتائج تحتاج إلى شروط أكبر بكثير، منها تخفيف القيود الخارجية، وتحسن البيئة التجارية، وعودة التدفقات عبر التصدير والتحويلات، وإصلاح القنوات المصرفية ونظم المدفوعات، فضلاً عن ضبط السياسة المالية نفسها. ما يفعله هذا النوع من الدعم الفني هو أنه يرفع كفاءة الأداة، لا أنه يخلق الموارد من العدم.

رغم ذلك، لا يجوز التقليل من أهمية الأداة حين تكون الموارد شحيحة. في الاقتصادات المنهكة، يصبح الفرق بين إدارة مرتجلة وإدارة منضبطة فرقاً مؤثراً. وقد لا يظهر ذلك فوراً في سعر الصرف أو في السيولة المتداولة، لكنه يظهر في القدرة على حماية الأصول، وفي جودة القرار، وفي مقدار الثقة الذي يمكن أن يولده المصرف لدى الجهات الدولية والمقرضين والمستثمرين المحتملين.

وهنا بالتحديد، يتجاوز الاتفاق جانبه التقني الضيق. هو ليس فقط تدريباً أو استشارة. هو أيضاً إشارة إلى الجهة التي تريد دمشق أن تُرى من خلالها، جهة تحاول أن تعود إلى لغة المعايير والمؤسسات بعد سنوات من الانقطاع.

يبقى السؤال الأصعب في مكان آخر. هل تستطيع المؤسسة النقدية أن تستفيد من هذا الدعم في بيئة ما تزال هشّة، ومثقلة بنقص البيانات، وضعف البنية المصرفية، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتراجع الثقة؟ هذا ما لم يجب عنه الإعلان، ولا يمكن أن يجيب عنه خبر واحد. لكن المؤكد أن الاتفاق يكشف شيئاً واضحاً عن ترتيب الأولويات. البداية ليست من الإعلان عن أرقام كبيرة، بل من إعادة تنظيم ما بقي، ووضع الذهب والاحتياطيات في إطار مهني قابل للمراجعة والضبط.

بين احتمالين!

لهذا، فإن معنى الاتفاق لا يُقاس بما يضيفه اليوم إلى حجم الاحتياطيات، بل بما قد يغيّره في طريقة التعامل معها. وإذا نجح في ذلك، يكون قد أسهم في تأسيس وظيفة مفقودة داخل المصرف المركزي. أما إذا بقي في حدود العنوان، فسيتحول إلى حلقة أخرى في سلسلة الإعلانات التي ترفع التوقعات أكثر مما تغيّر الوقائع. وبين الاحتمالين، تقف سوريا أمام اختبار معروف، كيف تعيد بناء مؤسساتها النقدية من نقطة ضعف حادة، من دون أن تخلط بين الدعم الفني والإنقاذ المالي، أو بين تحسين الإدارة وحل الأزمة نفسها.

اقرأ أيضاً: عن الذهب وتغطية العملة.. كيف نفهم تصريح حاكم المصرف؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.