اقتصاد

الانسحاب الأميركي من سوريا.. صفحات جديدة في استعادة السيادة

الانسحاب الأميركي من سوريا.. صفحات جديدة في استعادة السيادة

الكاتب: أحمد علي

اكتمال تسليم المواقع التي كانت تستخدمها القوات الأميركية في سوريا هو خبر أكبر من صور القوافل المغادرة، ويحمل دلائل وإشارات مهمة.. فالبلاد استعادت أرضاً وقواعد وحدوداً كانت خارج يدها، لكن السؤال الأهم يبدأ بعد ذلك مباشرة، هل نحن أمام استعادة سيادة بالمعنى الفعلي والكامل، أم أمام تبدل في شكل النفوذ لا أكثر؟

الخبر المباشر واضح. وزارة الخارجية السورية قالت في 16 نيسان إن عملية تسليم المواقع التي كانت تديرها القوات الأميركية اكتملت، ووصفت ذلك بأنه خطوة باتجاه استعادة سيطرة الدولة على كامل أراضيها. وأضافت أن ما جرى هو نتيجة لمسار توحيد البلاد تحت سلطة واحدة، ونتيجة لدمج قوات سوريا الديمقراطية في البنى الوطنية، مع تولي الدولة مسؤولية مكافحة الإرهاب على أراضيها.

وفي اليوم نفسه قالت “أسوشيتد برس” إن القافلة الأخيرة من الجنود والمعدات غادرت قاعدة قسرك في محافظة الحسكة مساء الخميس، وبذلك انتقلت آخر قاعدة أميركية رئيسية في الشمال الشرقي إلى سيطرة الجيش السوري.

الانسحاب الأميركي من سوريا وما الذي تغيّر فعلاً

هذه النهاية لم تأت دفعة واحدة. قبلها بأسابيع كان الانسحاب قد بدأ على مراحل. رويترز نقلت في 23 شباط أن عشرات الشاحنات، وبعضها يحمل آليات مدرعة، غادرت قاعدة قسرك، وأن الانسحاب من القاعدة قد يستغرق أسابيع.

كما سبق ذلك مغادرة قاعدة الشدادي، ثم تسليم قاعدة التنف في شباط، وهي القاعدة الأكثر حساسية على مثلث الحدود مع العراق والأردن. وفي ذلك الوقت كان الحديث يدور عن وجود يقارب ألف جندي أميركي في سوريا، ما يعني أن ما جرى في نيسان لم يكن خطوة مفاجئة بقدر ما كان خاتمة لمسار سحب منظم ومعلن.

لكن القراءة السياسية تبدأ من الطريقة التي خرجت بها هذه القوات، لا من خروجها وحده. الخارجية السورية نفسها قالت إن التسليم تم بالتنسيق بين دمشق وواشنطن. وهذا ليس تفصيلاً إجرائياً. فحين ينسحب طرف عسكري أجنبي بعد تفاهم مع السلطة المركزية، يكون المشهد مختلفاً عن انسحاب تحت الضغط أو تحت النار. المعنى هنا أن الدولة لم تتسلم فراغاً فقط، بل تسلمت موقعاً بعد تفاهم على شكل الانتقال وحدوده. وهذا يفسر لماذا بدا الخطاب الرسمي السوري أقل اندفاعاً إلى لغة الكسر، وأكثر ميلاً إلى تثبيت معنى الاستعادة المؤسسية للسيطرة.

الانسحاب والدمج.. مساران متشابكان

ومن هنا يصعب فصل الانسحاب الأميركي عن اتفاق 30 كانون الثاني بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية. رويترز نقلت يومها أن الاتفاق يهدف إلى توحيد الأراضي السورية وتحقيق الاندماج الكامل في المنطقة. هذا الاتفاق هو الذي منح الانسحاب معنى سياسياً قابلاً للحياة، لأنه خفف احتمال أن يتحول خروج القواعد إلى فراغ أمني أو إلى مواجهة مفتوحة في الشمال الشرقي. بكلمات أخرى، السيادة لم تعد على ظهر انسحاب عسكري فقط، بل على ظهر تسوية أوسع أعادت وصل المنطقة، ولو تدريجياً، بمركز الدولة.

مع ذلك، لا ينبغي الذهاب بعيداً في الاستنتاج. واشنطن لم تتحدث بلغة القطيعة الكاملة. المسؤولون الأميركيون وصفوا العملية بأنها انتقال مدروس ومشروط. ورويترز نقلت في شباط عن مسؤول أميركي كبير أن الوجود الأميركي بالحجم السابق لم يعد ضرورياً ما دام هناك استعداد من الحكومة السورية لتولي المسؤولية الرئيسية في مكافحة التهديد الإرهابي داخل حدودها. المعنى هنا أن الولايات المتحدة غادرت القاعدة، لكنها لم تغادر الملف بالكامل. ما يتراجع هو شكل الحضور المباشر، لا كل أشكال التأثير أو المتابعة أو الشراكة الأمنية.

هذه النقطة تظهر بوضوح أكبر في ملف تنظيم الدولة. فقد سبق هذا الانسحاب نقل 5700 مشتبه بانتمائهم إلى التنظيم من مراكز احتجاز في شمال شرق سوريا إلى سجون عراقية من أجل الملاحقة. هذه ليست مسألة إدارية جانبية. إنها تقول إن البنية الأمنية التي قامت في سنوات الحرب على التنظيم لا تختفي بمجرد إغلاق قاعدة، بل يعاد ترتيبها وتوزيعها بين عواصم ومؤسسات وحدود. لذلك فإن خروج القوات الأميركية من مواقعها لا يعني أن شبكة مكافحة الإرهاب التي نشأت تحت قيادتها تبخرت، بل يعني أن شكل إدارتها يتغير.

وهنا نصل إلى لب المسألة. النفوذ الخارجي في سوريا لا يُقاس بعدد الجنود فقط. هناك نفوذ يأتي عبر القاعدة، ونفوذ يأتي عبر الاتفاق، ونفوذ ثالث يأتي عبر الاقتصاد والعقوبات والاعتراف السياسي. بعد يوم واحد من إعلان اكتمال التسليم، قالت رويترز إن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى استئناف علاقات سياسية رسمية مع دمشق، وإلى إطلاق حوار سياسي عالي المستوى في 11 أيار، مع تكييف نظام العقوبات للحفاظ على نفوذه وهو ينخرط مع السلطة الانتقالية.

كما أشارت الوثيقة الأوروبية إلى دعم تنفيذ اتفاق كانون الثاني في الشمال الشرقي، بما في ذلك دمج المؤسسات المحلية في الدولة. هذا يعني أن سوريا تخرج من طور النفوذ العسكري المباشر في الشرق، لتدخل أكثر في طور النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي المشروط.

الصورة لا تقتصر على الغرب. رويترز ذكرت في كانون الثاني أن موسكو سحبت قواتها من مطار القامشلي، لكنها كانت تتجه في الوقت نفسه إلى تثبيت بقائها في حميميم وطرطوس ضمن إطار جديد بعد سقوط النظام السابق. هنا بالضبط يصبح السؤال عن السيادة سؤالاً عملياً لا رمزياً. صحيح أن دمشق استعادت شيئاً لا يجوز التقليل من وزنه، ويحمل معاني ترميم البلاد ويستحق الوقفة الاحتفالية، فاستعادة مواقع كانت تديرها قوات أجنبية تعني أن شكل السيطرة تغير، وأن الدولة اقتربت أكثر من احتكارها الرسمي للقوة على مساحة أوسع من البلاد.

لهذا يبدو الحدث، على أهميته، أقرب إلى بداية اختبار جديد منه إلى نهاية حاسمة. فالدولة تستطيع أن تتسلم القاعدة في يوم، لكنها تحتاج وقتاً أطول لكي تملأ معناها. تحتاج إدارة، وأمناً منضبطاً، وقانوناً، وتسوية مستقرة مع المجتمع المحلي، وقدرة على منع عودة المنطقة إلى الارتهان الخارجي بصيغة أخرى. فإذا نجحت في ذلك، أمكن القول إن الانسحاب الأميركي كان خطوة فعلية في استعادة السيادة. أما إذا بقيت الملفات الكبرى تدار عبر تفاهمات الآخرين، فإن الذي جرى سيكون أقرب إلى إعادة توزيع للنفوذ فوق أرض استعادت دمشق شكل السيطرة عليها، من دون أن تستعيد كل شروط القرار فيها.

الخلاصة أن الجواب ليس بسيطاً، ولا يجب أن يكون. هناك استعادة فعلية لجزء من السيادة، وهذا واضح ولا غبار عليه، وهناك، في الوقت نفسه، إعادة ترتيب صريحة للنفوذ الخارجي، لا سيما بعد انتقال الثقل من القاعدة العسكرية إلى قنوات السياسة والاقتصاد والأمن. وبين المعنيين مسافة كبيرة. ما سيحسمها ليس خروج آخر شاحنة أميركية وحده، بل ما إذا كانت الدولة السورية ستنجح في تحويل هذا الخروج إلى سلطة عامة مستقرة، لا إلى فراغ يملؤه الآخرون بأدوات جديدة…

اقرأ أيضاً: في نهاية 2025.. ما الذي تستفيده روسيا من قاعدتها الجوية في سوريا؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.