صحة و جمال

البالة.. ملاذ أهالي الحسكة الأخير قبل العيد

البالة.. ملاذ أهالي الحسكة الأخير قبل العيد

بقلم: ريم ريّا

لم تعد أسواق البالة  في الحسكة حكراً على أفقر سكانها. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، لا سيما مع حلول الأعياد والتخفيضات التي تُثقل كاهل الأسر. ففي ظل الازدحام الشديد في الأسواق وارتفاع أسعار السلع الجديدة، لا يجد الكثير من السكان خياراً سوى البحث عن سلع مستعملة ذات جودة جيدة، بدلاً من الوقوف مكتوفي الأيدي أمام واجهات المحلات. إنها مفارقة قاسية، لكنها تعكس الواقع اليومي لآلاف الأسر السورية التي تسعى جاهدة لتوفير فرحة الأعياد لأطفالها بأقل تكلفة ممكنة.

“البالة” من سوق هامشي إلى واجهة رئيسية في الحسكة

شهد سوق البالة في الحسكة نمواً ملحوظاً، بعد سنوات من اقتصاره على أكشاك صغيرة ومتاجر متواضعة تلبي احتياجات فئة محددة من الزبائن. واليوم، تنتشر متاجر الملابس المستعملة بكثرة في الشوارع الرئيسية كشارع يوسف العظمة، وشارع الجامع الكبير، وشارع المكتبة، فضلاً عن الأحياء السكنية التي ترسخ فيها هذا النشاط التجاري، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الاقتصادية اليومية في المدينة. ويزداد الطلب في هذه الأسواق مع تغير الفصول، ومع اقتراب عيد الفطر، تبحث العائلات عن ملابس صيفية وملابس أطفال بأسعار أقل من تلك الموجودة في الأسواق التقليدية، التي باتت بعيدة المنال عن معظم السكان.

وبينما كانت الملابس المستعملة تُربط سابقاً بالصورة النمطية للملابس المخصصة لأفقر فئات المجتمع، فقد تغيرت هذه النظرة تدريجياً نتيجة للظروف الاقتصادية. فالعاملون بأجر، وأصحاب الدخل المتوسط، وحتى بعض العائلات التي كانت تشتري ملابس جديدة، باتوا يتجهون إلى سوق الملابس المستعملة كبديل أكثر واقعية. تتراوح الأسعار بين عشرة آلاف وخمسين ألف ليرة سورية، بينما قد يصل سعر بعض الأحذية والقطع الأوروبية الفاخرة إلى أكثر من مئتي ألف ليرة، مما يدل على أن حتى الملابس المستعملة أصبحت رمزاً للطبقة الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: أسواق البالة تنقذ السوريين.. أين الرؤية الاقتصادية؟

العيد تحت ضغط الغلاء.. العائلات تبحث عن الممكن لا المثالي

مع اقتراب عيد الفطر، يزداد النشاط التجاري، لكن هذا النشاط لا يُترجم بالضرورة إلى زيادة في القدرة الشرائية. تلجأ العديد من العائلات إلى متاجر الملابس المستعملة بعد حساب دقيق لنفقاتها: عدد الأطفال، وسعر كل قطعة ملابس، وما يمكنهم الاستغناء عنه. بالنسبة للعديد من العائلات في الحسكة، لم يعد شراء ملابس جديدة خياراً متاحاً، بل أصبح ترفاً بعيد المنال. وهكذا، تصبح متاجر الملابس المستعملة ملاذاً للعثور على ملابس “مقبولة” بدلاً من الملابس “الجديدة”، وبجودة تدوم لعدة أشهر دون أن تتمزق أو تتلف بسرعة.

وتفيد الأمهات والنساء المقيمات في المدينة بأن اللجوء إلى الملابس المستعملة أصبح شبه روتيني، ويعود ذلك أساساً إلى ارتفاع تكاليف الطعام والإيجار والخدمات الأساسية. تبدو بعض الملابس في حالة جيدة جداً، بل تكاد تكون جديدة أحياناً، مما يوفر للعائلات شعوراً مؤقتاً بالرضا، أو على الأقل يخفف من حرجهم أمام أطفالهم ليلة العيد. لكن حتى هذا الخيار لم يعد مجدياً اقتصادياً كما كان في السابق، نظراً لارتفاع أسعار الملابس الجيدة بسبب زيادة الطلب. وهكذا، يجد الكثيرون أنفسهم عالقين بين التكلفة العالية للملابس الجديدة وتكلفة الملابس المستعملة، في معادلة اقتصادية تشبه إلى حد كبير اختباراً يومياً للصبر الجماعي.

توسع “البالة” يعكس أزمة معيشية أعمق

يرى خبراء اقتصاديون أن انتشار أسواق الملابس المستعملة في الحسكة وغيرها من المدن السورية لا يعكس فقط تحولاً في أنماط الاستهلاك، بل يعكس أيضاً تراجعاً في القدرة الشرائية واتساعاً في الفجوة بين الدخل والأسعار. وقد أدى ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والوقود، إلى جانب تراجع الإنتاج المحلي، إلى لجوء شريحة واسعة من السكان إلى البحث عن بدائل ميسورة التكلفة، بما في ذلك السلع المستعملة. كما ساهم وجود العديد من العائلات النازحة والعائلات القادمة من المناطق الريفية الفقيرة في زيادة اعتمادها على هذه الأسواق، التي تُعتبر الخيار الأمثل من الناحية الاقتصادية.

ورغم الانتقادات التي توجه أحياناً لجودة بعض الملابس أو لغياب الرقابة، تبقى الملابس المستعملة مصدراً حيوياً للدخل لآلاف العائلات، إذ تمكّنها من الحصول على السلع الأساسية التي باتت نادرة. لم يعد الأمر متعلقاً بالموضة أو تفضيل نوع معين من الملابس، بل أصبح محاولة للحفاظ على قدر من الحياة الطبيعية وسط أزمة طويلة الأمد تُؤثر على الجميع.

وخلال عيد الفطر تحديداً، تبدو أسواق الملابس المستعملة وكأنها تعكس، في صمت، حالة المدينة. حشود ضخمة، ووجوه متعبة، وأطفال يأملون في الحصول على قطعة واحدة على الأقل تبدو جديدة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.