أخبار العالم

التسليح التركي لسوريا وسؤال الصراع التركي «الإسرائيلي» على الأرض السورية

التسليح التركي لسوريا وسؤال الصراع التركي «الإسرائيلي» على الأرض السورية

الكاتب: أحمد علي

لا تبدأ المواجهات الكبيرة دائماً بقرار معلن. قد تبدأ برادار في مطار، أو منظومة دفاع جوي في مستودع، أو خبر صغير في صحيفة “إسرائيلية” عن شحنة سلاح تركية وصلت إلى الجيش السوري الوليد. ثم تتراكم التفاصيل. كل طرف يقول إنه لا يريد الحرب، لكنه يتحرك كمن يستعد لاحتمالها. هنا يصبح السؤال ضرورياً لا مثيراً فقط. هل نحن أمام تسليح عادي لجيش سوري جديد، أم أمام بداية احتكاك/صراع تركي “إسرائيلي” فوق الأرض السورية؟

الجواب لا يحتمل التبسيط. تركيا تتحرك في سوريا كقوة تريد تثبيت نفوذها عبر الدولة السورية الجديدة، وكيان الاحتلال الإسرائيلي يتحرك كقوة تريد منع أي طرف من تقييد حريتها الجوية والعسكرية. وبين هاتين الحركتين تقف سوريا، لا كمساحة صامتة، بل كدولة تحاول إعادة بناء جيشها ومؤسساتها بعد سنوات طويلة من الانهيار والحرب والتدخلات.

التسليح التركي لسوريا من التدريب إلى أنظمة الدفاع

الحديث عن التسليح التركي لسوريا لم يعد مجرد تسريبات صحفية. في آب 2025، أعلنت مصادر في وزارة الدفاع التركية أن أنقرة ستقدم لسوريا أسلحة ومعدات عسكرية ودعماً لوجستياً بموجب اتفاق تعاون دفاعي جديد. ووفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، جاء ذلك بعد توقيع وزير الدفاع التركي يشار غولر ووزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة مذكرة تفاهم للتدريب والاستشارات العسكرية.

المذكرة لا تقف عند التدريب. المصادر التركية تحدثت عن نقل معرفة وخبرة، وتوريد معدات عسكرية وأنظمة أسلحة ومواد لوجستية. هذه صياغة واسعة. لا تقول كل شيء، لكنها تفتح الباب أمام أكثر من مستوى من التعاون. تدريب الضباط والجنود مستوى أول. تزويد الجيش بمركبات ومعدات مستوى ثان. أما أنظمة الدفاع الجوي والرادارات والطائرات المسيرة، فهي مستوى أكثر حساسية، لأنها تمس مباشرة حسابات “إسرائيل” في السماء السورية.

وسائل إعلام عالمية نقلت في تشرين الأول 2025 أن مؤشرات التعاون بين أنقرة ودمشق شملت معدات متطورة مثل سيارات مصفحة، وطائرات مسيرة، ومدفعية، وصواريخ، وأنظمة دفاع جوي. كما أشار التقرير إلى أن مسؤولين أتراك تحدثوا عن إرسال شحنات مختلفة من العتاد إلى الجيش السوري الجديد، مع نشرها في شمال البلاد لتجنب توتر محتمل مع إسرائيل في الجنوب الغربي.

هذه النقطة تكشف حدود الحركة التركية. أنقرة تريد دعم الجيش السوري، لكنها تدرك أن المكان الذي توضع فيه المنظومات لا يقل أهمية عن نوعها. شمال سوريا رسالة مختلفة عن الجنوب. ومحيط دمشق أو حمص أو تدمر رسالة أخرى. أما منظومات الرادار والدفاع الجوي، فليست مجرد سلاح دفاعي في القراءة الإسرائيلية، بل قد تكون بداية تغيير في قواعد الحركة الجوية.

ما الذي أقلق الصحافة الإسرائيلية؟

القلق الإسرائيلي ظهر بوضوح في أكثر من تقرير. صحيفة جيروزاليم بوست كتبت في كانون الثاني 2026 أن تركيا نشرت راداراً متقدماً من نوع HTRS-100 في مطار دمشق الدولي، من إنتاج شركة أسيلسان التركية. التقرير أشار إلى أن مدى الرادار يقارب 150 إلى 200 كيلومتر، وأنه قادر على كشف وتتبع الأهداف الجوية المحيطة بالمطار، وأن مصادر غربية ترى أن نشره قد يحد من حرية عمل إسرائيل في الأجواء السورية.

هذا ليس تفصيلاً فنياً. منذ سنوات، تعاملت “إسرائيل” مع المجال السوري كساحة مفتوحة نسبياً لتنفيذ ضربات ضد أهداف تقول إنها مرتبطة بإيران أو حزب الله أو بتهديدات أمنية مباشرة. بعد سقوط السلطة السابقة وتغير التوازنات، لم تعد المسألة مرتبطة بإيران وحدها. دخول تركيا إلى ملف الدفاع الجوي السوري يعني أن أي ضربة “إسرائيلية” قد تقترب من بنية تركية أو منظومة تركية أو مستشارين أتراك. هنا يصبح الحساب مختلفاً.

تقرير آخر في جيروزاليم بوست تحدث عن محاولة تركيا نشر رادارات داخل الأراضي السورية، وعن متابعة “إسرائيلية” حثيثة لتقارب أنقرة ودمشق. وورد في التقرير أن نشر الرادارات قد يعزز قدرة سوريا على اكتشاف العمليات الإسرائيلية، وأن سلاح الجو الإسرائيلي يستخدم المجال السوري، وفق تقارير أجنبية، للوصول إلى أهداف في دول أخرى مثل العراق وإيران.

بهذا المعنى، لا تقلق “إسرائيل” من السلاح التركي لأنه تركي فقط. تقلق لأنه قد يغلق مساحة كانت مفتوحة. المسألة ليست هوية المورد، بل أثر المنظومة. رادار يرى أكثر، يعني طائرات “إسرائيلية” تتحرك بحذر أكبر. دفاع جوي أفضل، يعني تكلفة أعلى لأي ضربة. ومستشارون أتراك قرب هذه المنظومات، يعني احتمال احتكاك سياسي أو عسكري مباشر.

ضربات “إسرائيلية” ورسائل غير معلنة

في أيلول 2025، نشرت “إسرائيل ناشونال نيوز” تقريراً نقل عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله لوسائل إعلام عربية إن ضربات في حمص استهدفت مخازن صواريخ وأنظمة دفاع جوي تركية الصنع جرى نقلها حديثاً إلى المنطقة. المصدر نفسه قال إن تركيا تحاول جر “إسرائيل” إلى مواجهة عسكرية لا تسعى إليها. لكن التقرير أشار أيضاً إلى أن “إسرائيل” لم تؤكد رسمياً مسؤوليتها عن الضربات.

هذه الصياغة مهمة. “إسرائيل” كثيراً ما تستخدم الغموض في عملياتها داخل سوريا. لا تؤكد دائماً، ولا تنفي دائماً. لكنها تترك الرسالة تصل. إذا وُجدت منظومة تراها خطراً، فهي مستعدة لضربها قبل أن تدخل الخدمة أو قبل أن تغير ميزان الحركة الجوية.

مركز ألما “الإسرائيلي”، وهو مركز بحثي قريب من مقاربة الأمن في شمال “إسرائيل”، تحدث أيضاً عن تقارير غير مؤكدة بشأن نقل صواريخ وأنظمة دفاع جوي تركية إلى مواقع داخل سوريا، بينها مواقع في محيط حمص. كما أشار إلى تقارير عن خطط تركية لنشر منظومات HISAR-A وHISAR-O في قاعدة T4 وسط سوريا، وإلى حديث أوسع عن احتمال نشر منظومات أكبر مثل S-400، مع التشديد على أن بعض هذه المعلومات بقي في نطاق التقارير ولم يثبت رسمياً.

هذا التمييز ضروري. ليس كل ما ورد في الإعلام الإسرائيلي مثبتاً. بعضه معلومات مؤكدة أو صادرة عن مصادر رسمية أو شبه رسمية. وبعضه تقديرات أو تسريبات أو رسائل ضغط. التقرير المهني يجب أن يضع كل خبر في درجته. مذكرة التعاون الدفاعي مؤكدة. نشر رادار HTRS-100 في دمشق ورد في صحف إسرائيلية مع تفاصيل فنية وصور من مصادر تركية. أما وجود منظومات دفاع جوي تركية متقدمة في مواقع محددة، فيبقى في قسم من الأخبار غير مؤكد بشكل مستقل.

لكن عدم التأكد الكامل لا يلغي أثر الخبر. في السياسة الأمنية، أحياناً يكفي الاحتمال كي يتحرك الطرف الآخر.

قاعدة T4 ومركز الجاذبية الجديد

تظهر قاعدة T4 في أكثر من تقرير لأنها ليست نقطة عادية. تقع في وسط سوريا، قرب تدمر، وتملك موقعاً يسمح بالتأثير في اتجاهات واسعة من المجال الجوي السوري. إذا أصبحت هذه القاعدة، أو قواعد مشابهة في حمص وحماة ومحيط دمشق، جزءاً من تعاون تركي سوري، فإن ذلك سيقرب أنقرة من مناطق تعتبرها “إسرائيل” حساسة جداً.

وكالة أسوشيتد برس نقلت في نيسان 2025 أن تركيا وإسرائيل أجرتا محادثات فنية في أذربيجان لمنع وقوع احتكاك غير مرغوب في سوريا. تحدث مسؤول تركي عن آلية خفض تصعيد لمنع الحوادث، بينما أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الجانبين اتفقا على مواصلة الحوار للحفاظ على الاستقرار الأمني. في التقرير نفسه، ورد أن “إسرائيل” تخشى من إقامة قواعد تركية في سوريا، وأن بنيامين نتنياهو اعتبر أن القواعد التركية هناك ستكون خطراً على إسرائيل.

هذا يعني أن الطرفين يعرفان مستوى الخطر. الحديث ليس عن مواجهة مفاجئة فقط، بل عن محاولة تنظيم الاحتكاك قبل وقوعه. وجود محادثات فنية لا يعني أن الأزمة انتهت. يعني فقط أن الطرفين يدركان أن سوريا قد تصبح ساحة تلامس مباشر، وأن غياب التنسيق قد يحول ضربة محدودة أو تحركاً جوياً إلى أزمة أكبر.

تركيا، من جهتها، تقول إنها لا تستهدف طرفاً ثالثاً. وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال، بحسب أسوشيتد برس، إن بلاده لا تنوي الدخول في صراع داخل سوريا لا مع إسرائيل ولا مع أي دولة في المنطقة، لكنه أضاف أن تركيا لا تستطيع أن تقف متفرجة إذا تعرضت سوريا لاضطراب أو استفزاز يهدد أمنها القومي. هذه عبارة مزدوجة. تهدئ من جهة، وترسم خطاً أحمر من جهة أخرى.

“إسرائيل” بين حرية العمل والخوف من محور جديد

مركز القلق “الإسرائيلي” هو حرية العمل. “إسرائيل” لا تريد أن تجد نفسها أمام جيش سوري جديد مسلح بمنظومات تركية قادرة على رصد طائراتها أو تهديد مساراتها الجوية. ولا تريد أن تتحول تركيا إلى مظلة دفاعية لدمشق، خصوصاً إذا امتدت هذه المظلة إلى وسط سوريا أو جنوبها.

من زاوية “إسرائيل”، تركيا ليست إيران. هذا صحيح. لكنها أيضاً ليست طرفاً محايداً. العلاقات بين أنقرة وتل أبيب تراجعت بشدة بسبب حرب غزة، والخطاب السياسي المتبادل أصبح أكثر حدة، والتنافس في شرق المتوسط حاضر، والتقارب التركي مع الحكومة السورية الجديدة يضيف طبقة أخرى من الشك.

“إسرائيل” ترى أن أي قوة إقليمية تملأ الفراغ السوري قد تتحول إلى قيد على قدرتها العسكرية. في السابق كان القيد الإيراني هو العنوان الأبرز. اليوم قد يظهر قيد تركي، حتى لو اختلفت أسبابه وأدواته. وهذا ما يجعل الإعلام “الإسرائيلي” يقرأ الرادار التركي أو أنظمة الدفاع الجوي المحتملة ليس كدعم سوري فقط، بل كتغيير في ميزان الردع.

لكن “إسرائيل” لا تريد بالضرورة حرباً مع تركيا. هذا واضح من وجود محادثات خفض التصعيد. المواجهة المباشرة بين دولتين تملكان جيشين كبيرين، وعلاقات مع الولايات المتحدة، وارتباطات اقتصادية وأمنية معقدة، ليست خياراً سهلاً. لذلك يبدو الهدف الإسرائيلي الأقرب هو منع تموضع تركي نوعي داخل سوريا، أو على الأقل منع هذا التموضع من أن يحد من العمليات الإسرائيلية.

بعبارة أبسط، “إسرائيل” تريد أن تبقى السماء السورية مفتوحة. تركيا تريد أن تكون الدولة السورية الجديدة قادرة على الدفاع عن نفسها، وأن تكون أنقرة صاحبة اليد الأقوى في إعادة بناء هذا الجيش. التصادم يبدأ من هنا.

تركيا ومشروع الجيش السوري الجديد

بالنسبة إلى أنقرة، سوريا ليست ملفاً خارجياً عادياً. هي حدود، ولاجئون، وأمن قومي، وملف كردي، ونفوذ إقليمي. لذلك فإن بناء جيش سوري قريب من تركيا أو متعاون معها ليس مسألة دعم عسكري فقط، بل جزء من تصور أوسع لسوريا ما بعد الأسد.

تركيا تريد جيشاً سورياً مركزياً قادراً على احتواء الفصائل، وضبط الحدود، ومنع تمدد تنظيم الدولة، والأهم بالنسبة إليها، منع تثبيت كيان عسكري كردي مستقل في الشمال الشرقي. لهذا تدعم أنقرة، بحسب تقارير متعددة، فكرة دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري بشروط لا تسمح لها بالبقاء ككتلة مستقلة. وهنا تلتقي مصلحة دمشق وأنقرة جزئياً، وتتصادم مع قسد وحسابات واشنطن أحياناً.

التسليح التركي يأتي إذاً في سياق إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية. لا يقتصر على مواجهة إسرائيل. في الواقع، جزء كبير من الهدف التركي موجه إلى الداخل السوري والشمال الشرقي. لكن المشكلة أن أي بناء دفاعي سوري، حتى لو كان هدفه المعلن ضبط الداخل، سيقرأ إسرائيلياً من زاوية أثره على حرية الحركة الجوية وعلى أمن الجولان والجنوب.

وهنا تكمن العقدة. تركيا قد تقول إن دعمها موجه لتثبيت الدولة السورية. إسرائيل قد ترى أن النتيجة العملية هي تضييق هامشها العسكري. سوريا قد تنظر إلى الأمر كاستعادة سيادة دفاعية. وكل طرف يستخدم المفردات التي تخدمه، بينما الأرض واحدة.

هل يفتح ذلك صراعاً تركياً إسرائيلياً على الأرض السورية؟

الاحتمال قائم، لكنه ليس النتيجة الحتمية. الأدق أن التسليح التركي لسوريا يرفع خطر الاحتكاك التركي الإسرائيلي، ولا يعني تلقائياً أن حرباً مباشرة ستقع. الفرق مهم.

هناك ثلاثة مسارات قد تدفع نحو التصعيد. الأول أن تنشر تركيا منظومات دفاع جوي أو رادارات قادرة على تقييد العمليات الإسرائيلية في مناطق حساسة، مثل محيط دمشق أو حمص أو T4 أو الجنوب. الثاني أن تضرب إسرائيل هذه المنظومات، ويقع في الضربة قتلى أو أضرار تركية مباشرة. الثالث أن تفشل آلية خفض التصعيد، أو أن يتعامل أحد الطرفين مع الرسائل العسكرية على أنها تراجع غير مقبول.

في المقابل، توجد ثلاثة عوامل تمنع الانزلاق السريع. الأول أن أنقرة وتل أبيب تدركان كلفة المواجهة المباشرة. الثاني أن المحادثات الفنية في أذربيجان أظهرت وجود رغبة، ولو محدودة، في منع الحوادث. الثالث أن تركيا قد تختار نشر الدعم العسكري في الشمال والمناطق الأقل احتكاكاً مع إسرائيل، على الأقل في المرحلة الأولى.

لذلك فإن المشهد الأقرب ليس حرباً تركية إسرائيلية مفتوحة، بل لعبة حافة. تركيا تزيد حضورها العسكري والتقني في سوريا. إسرائيل تختبر خطوط هذا الحضور بضربات أو تهديدات أو تسريبات. دمشق تحاول الاستفادة من الدعم التركي لبناء جيشها. وكل طرف يراقب رد الفعل الأميركي والروسي والإقليمي قبل أن يذهب أبعد.

هذه لعبة خطرة. لأنها تقوم على الرسائل. والرسائل العسكرية قد تُفهم خطأ.

سوريا بين السيادة وساحات النفوذ

المفارقة أن النقاش كله يجري باسم سوريا، لكن القرار ليس سورياً بالكامل. دمشق تريد إعادة بناء جيشها، وهذا حق سيادي من حيث المبدأ. لكنها تفعل ذلك داخل توازن شديد التعقيد. أي منظومة دفاعية تحصل عليها ستؤثر في حسابات إسرائيل. وأي قاعدة تدريب تركية ستؤثر في حسابات واشنطن وقسد وربما روسيا. وأي تقارب كبير مع أنقرة سيعيد طرح سؤال موقع سوريا الإقليمي الجديد.

الجيش السوري الجديد يحتاج إلى سلاح وتدريب وبنية قيادة. هذا واضح. لكنه يحتاج أيضاً إلى عقيدة استخدام. هل الهدف ضبط الداخل؟ حماية الحدود؟ استعادة السيطرة على كامل المجال الجوي؟ ردع إسرائيل؟ مكافحة تنظيم الدولة؟ التعامل مع قسد؟ كل إجابة تعني نوعاً مختلفاً من التسليح، وموقعاً مختلفاً للانتشار، ومخاطر مختلفة.

إذا بقي التعاون التركي السوري ضمن التدريب، واللوجستيات، والتسليح الأرضي، وبعض الرادارات المدنية أو المزدوجة الاستخدام في مواقع محددة، فقد يبقى الاحتكاك مضبوطاً. أما إذا اتجه إلى منظومات دفاع جوي تغطي مساحات واسعة وتؤثر مباشرة في العمليات الإسرائيلية، فسترتفع احتمالات الضربات الاستباقية.

هنا يصبح المكان أهم من السلاح أحياناً. منظومة في الشمال ليست كمنظومة قرب دمشق. ورادار في مطار مدني ليس كشبكة دفاع جوي متكاملة في قاعدة عسكرية. وسلاح لم يدخل الخدمة بعد ليس كسلاح أصبح جزءاً من معادلة الاشتباك.

ما الذي ينبغي مراقبته؟

الأهم ليس عدد الأخبار عن التسليح التركي، بل نوعية ما ينتقل ومكانه. يجب مراقبة ثلاثة مؤشرات. الأول، هل ستظهر منظومات دفاع جوي تركية قصيرة أو متوسطة المدى في قواعد سورية مركزية؟ الثاني، هل ستتوسع شبكة الرادارات التركية من مطار دمشق إلى قواعد عسكرية أو مطارات أخرى؟ الثالث، هل سترد إسرائيل بضربات متكررة على مواقع يشتبه بوجود معدات تركية فيها؟

إذا حدثت هذه الأمور معاً، فإن الصراع التركي الإسرائيلي على الأرض السورية يصبح احتمالاً قريباً، حتى لو لم يأخذ شكل حرب مباشرة. قد يكون صراعاً بالضربات المحدودة، والردع، والرسائل، والتنسيق القلق. أما إذا بقي الدعم التركي موجهاً إلى التدريب والمعدات الأرضية والمناطق الشمالية، فقد يبقى التنافس تحت سقف السيطرة.

كذلك يجب مراقبة خطاب أنقرة وتل أبيب. عندما يتصاعد الخطاب، لا يعني ذلك أن الحرب قادمة، لكنه يقلل مساحة التراجع. في المقابل، استمرار القنوات الفنية يعني أن الطرفين ما زالا يفضلان إدارة التوتر لا تفجيره.

في الختام

التسليح التركي لسوريا لا يعني وحده أن صراعاً تركياً إسرائيلياً مباشراً سيبدأ غداً على الأرض السورية. لكنه يغير البيئة التي تعمل فيها إسرائيل منذ سنوات. كل رادار تركي، وكل منظومة دفاع محتملة، وكل تدريب للجيش السوري، يضيف طبقة جديدة إلى حسابات السماء والأرض في سوريا.

تركيا تريد جيشاً سورياً جديداً قريباً منها وقادراً على ضبط الداخل. إسرائيل تريد أن لا يتحول هذا الجيش إلى قيد على عملياتها. سوريا تريد استعادة جزء من سيادتها الدفاعية. وبين هذه الأهداف الثلاثة قد ينشأ الاحتكاك.

المفتاح ليس في خبر واحد عن شحنة سلاح، بل في الاتجاه. إذا تحول الدعم التركي إلى شبكة دفاع جوي ورادارات وقواعد تدريب في مواقع حساسة، فستصبح سوريا ساحة اختبار خطيرة بين أنقرة وتل أبيب. وإذا بقيت القنوات مفتوحة، وانتشر الدعم ضمن حدود محسوبة، فقد يستمر التنافس بلا انفجار. المنطقة الآن تقف عند هذه الحافة. ليست حرباً مؤكدة، لكنها لم تعد مجرد تسريبات صحفية أيضاً.

اقرأ أيضاً: القنيطرة والتحصينات «الإسرائيلية»: الجنوب السوري أمام واقع ميداني خطير!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.