اقتصاد

التنقيب البحري يلتمس طريقه بعد طول انتظار وسط تعاون سوري قطري أمريكي

التنقيب البحري يلتمس طريقه بعد طول انتظار وسط تعاون سوري قطري أمريكي

بقلم هلا يوسف

تفرض السواحل السورية نفسها على طاولة الاتفاقيات الخاصة بالطاقة، وذلك عبر مشاريع التنقيب البحري الذي طال انتظاره. إلا أن التوقيت أيضاً جاء في مرحلة حساسة حيث يواجه قطاع النفط البري تراجع حاد، وأضرار كبيرة في البنية التحتية، وتراجع القدرة التشغيلية.

فقد أعلنت الشركة السورية للبترول توقيع مذكرة تفاهم مع شركتي “شيفرون” الأميركية و”باور إنترناشونال القابضة” القطرية، في خطوة تم وصفها بأنها تطور لافت في مسار إعادة تنشيط قطاع الطاقة. وتهدف هذه المذكرة إلى تنفيذ أعمال مسح واستكشاف أولية في عدد من المربعات البحرية التي تعد واعدة من الناحية الجيولوجية، ضمن برنامج مرحلي يخضع للتقييم الفني والاقتصادي المستمر، تمهيداً لاتخاذ قرار الاستثمار الكامل في حال أثبتت النتائج جدواها.

لم تأتِ هذه الخطوة بشكل مفاجئ، فقد سبقتها إشارات وتصريحات رسمية تحدثت عن قرب توقيع اتفاقيات مع شركات دولية كبيرة، وهو ما يدل على وجود توجه واضح لإعادة تفعيل التنقيب عن النفط والغاز في البحر والبر باعتباره خياراً استراتيجياً. وتعد هذه المرحلة بداية أساسية لملف لم يأخذ الاهتمام والاستثمار الكافي في السابق، خاصة أن السواحل السورية بقيت بعيدة عن الاستغلال الواسع مقارنة بدول شرق المتوسط المجاورة، التي شهدت خلال السنوات الماضية اكتشافات غازية مهمة، ولا سيما في مصر وإسرائيل.

ويرى مراقبون أن دخول شركات طاقة كبرى إلى السوق السورية يعكس مستوى تزايد الثقة في بيئة الاستثمار، رغم التحديات السياسية والاقتصادية القائمة. إلا أن نجاح عمليات التنقيب بحسب خبراء يتطلب شراكات طويلة الأمد، واستقراراً تشريعياً، وبنية تشغيلية قادرة على استيعاب استثمارات كبيرة ومعقدة تقنياً.

جاءت التعليقات من المسؤولين الأمريكيين والسوريين منسجمة، باعتبار أن ملف الطاقة يشكل العامود الاقتصادي الأساسي لأي دولة. فقد وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك هذه الشراكة بأنها خطوة تحويلية يمكن أن تسهم في رسم صورة جديدة لسوريا بعد سنوات من المعاناة الاقتصادية، وأضاف أن البلاد قادرة على إبهار العالم مجدداً من خلال استعادة دورها الاقتصادي. وأشار إلى أن الاستثمار في قطاع الطاقة، وخصوصاً النفط والغاز، يفتح آفاقاً واسعة لفرص العمل وتحسين مستوى الحياة، مشدداً على أن القيادة السياسية تشكل عنصراً حاسماً في بناء مرحلة التعافي والاستقرار، وأن قطاع الطاقة سيكون أحد المحركات الرئيسية للنمو في السنوات المقبلة.

من جهته أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن “شيفرون” تعد من أهم وأكبر شركات الطاقة العالمية، وغالباً ما تتحرك حيث تتحرك السياسة الأميركية، معتبراً أن هذه الشراكة تمثل خطوة تحويلية لرسم صورة جديدة لسوريا بعد سنوات من المعاناة، وأن الاستثمار في الطاقة يفتح الباب أمام فرص عمل وحياة أفضل للسوريين.

أما الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، فأوضح أن أهمية هذه المذكرات لا تقتصر على بعدها الاستثماري، بل تكمن في دورها المباشر في دعم الاقتصاد الوطني. وكشف عن تخصيص فريق عمل متخصص لمتابعة الاتفاقية وتحويلها من إطار تفاهم إلى عقد تنفيذي ملزم، بما يضمن الانتقال السلس من مرحلة الاستكشاف إلى التطوير والإنتاج في حال توافرت الشروط الفنية والاقتصادية المناسبة. كما أشار إلى أن الآبار النفطية تعرضت لأعمال تخريب قبل استعادة الدولة السيطرة عليها خلال العمليات العسكرية ضد قوات «قسد» في محافظتي الرقة ودير الزور.

وفي تصريح رسمي، أكد متحدث باسم شركة “شيفرون” أن الشركة وقعت اتفاقاً مبدئياً لتقييم التنقيب عن النفط والغاز في البحر قبالة السواحل السورية، مشيراً إلى أن هناك فرصة استثمارية حقيقية في سوريا. ويأتي هذا في ظل موقع الساحل السوري ضمن حوض شرق المتوسط، الذي تشير الدراسات إلى احتوائه احتياطيات ضخمة من النفط والغاز.

تحديات كبيرة وآفاق استراتيجية طويلة الأمد

تعكس التحركات الأخيرة في قطاع النفط والغاز توجهاً واضحاً نحو إعادة بناء هذا القطاع على أسس أوسع وأكثر تنوعاً، بعد سنوات من التراجع الحاد. فالشركة السورية للبترول تمضي في مسار متدرج يجمع بين التنقيب البحري والبري، مستندة إلى شراكات مع شركات طاقة دولية، في محاولة لاستعادة جزء من القدرة الإنتاجية المفقودة ووضع أسس مرحلة جديدة في مجال الطاقة.

أوضح مسؤول الاتصال المؤسسي في الشركة صفوان شيخ أحمد أن مباحثات متقدمة تُجرى مع شركة “شيفرون” للاستثمار في عدد من المربعات البحرية خلال الفترة المقبلة، قد يصل إلى خمسة مربعات، في وقت جرى فيه توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “كونوكو فيليبس” الأميركية لاستكشاف عدد من الحقول البرية، من بينها إطلاق عمليات حفر في منطقة تويني شمال دمشق على أعماق كبيرة تصل إلى نحو أربعة آلاف متر.

ولا تقتصر الخطة على رفع الإنتاج المحلي فقط، إذ يشير المسؤول ذاته إلى أن العودة إلى تصدير النفط تتطلب فترة تمتد من عام إلى عامين بعد استعادة الحقول كامل طاقتها التشغيلية. ويذكر بأن سوريا كانت تنتج نحو 350 ألف برميل يومياً عام 2013، قبل أن يتراجع الإنتاج بشكل حاد نتيجة الحرب والعقوبات وخروج أجزاء واسعة من الحقول عن السيطرة الحكومية.

وتعمل الشركة السورية للبترول بالتنسيق مع وزارة الطاقة على إعادة تأهيل الحقول القائمة، إلى جانب البحث عن مكامن جديدة، في إطار هدف أوسع يتمثل في تحقيق الاكتفاء الذاتي تدريجياً وخفض الاعتماد على الاستيراد، مع الحفاظ على الالتزامات التعاقدية القائمة مع الموردين.

وتأتي هذه الخطوات امتداداً لاتفاقيات تم إبرامها في كانون الأول الماضي مع أربع شركات سعودية لاستكشاف حقول جديدة وتطوير بعض الحقول المنتجة في المنطقة الشرقية، إضافة إلى مذكرات تفاهم سابقة مع شركات أميركية وإماراتية ركزت على تطوير قطاع الغاز وإعادة تشغيل الحقول غير المنتجة. ويعكس هذا المسار محاولة واضحة لوضع رؤية طويلة الأمد لقطاع الطاقة، مع التركيز على الغاز بوصفه عنصراً أساسياً في توليد الكهرباء ودعم النشاط الصناعي.

وتكشف البيانات المتاحة حجم التحديات التي تواجه هذا المسار، إذ كان إنتاج النفط السوري بين عامي 2008 و2010 يناهز 400 ألف برميل يومياً، قبل أن يتراجع إلى نحو 15 ألف برميل يومياً عام 2015، فيما لم يتجاوز 30 ألف برميل يومياً في عام 2023. أما إنتاج الغاز فقد انخفض من نحو 30 مليون متر مكعب يومياً قبل عام 2011 إلى قرابة 10 ملايين متر مكعب فقط، وهو مستوى أدنى من الحاجة الفعلية لتوليد الكهرباء المقدرة بنحو 18 مليون متر مكعب يومياً.

والجدير بالذكر أن سوريا كانت تمتلك احتياطيات كبيرة تقدر بنحو 2.5 مليار برميل من النفط وقرابة 285 مليار متر مكعب من الغاز. وتشير تقارير هيئة الطاقة الأميركية إلى أن سوريا كانت قبل عام 2011 من أبرز منتجي النفط في شرق المتوسط، وتمتلك أكبر احتياطات مؤكدة من النفط الخام في المنطقة عدا العراق الذي يتفوق عليها بالاحتياط.

وفي قراءة فنية لهذه التطورات يرى المهندس المختص في شؤون النفط نديم الصالح أن الشراكة مع شركة بحجم “شيفرون” تمثل نقلة نوعية، بسبب ما تمتلكه من تقنيات متقدمة في مجالات الاستكشاف والاستخراج ونقل الغاز، وهي تقنيات تحتاج إليها سوريا بشدة في هذه المرحلة. كما يشير إلى أن دخول شركة عالمية كبرى إلى السوق السورية يعزز الاستقرار الاقتصادي والسياسي، ويفتح الباب أمام استثمارات إضافية من شركات دولية أخرى.

ويراهن بشكل خاص على التنقيب البحري، في ظل التراجع الكبير في إنتاج الحقول البرية بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب وأساليب الاستثمار البدائية. وتدعم هذا التوجه تقارير جيولوجية أميركية تشير إلى أن حوض شرق المتوسط، الممتد على طول السواحل السورية واللبنانية والفلسطينية، يحتوي على موارد كبيرة تقدر بنحو 1.7 مليار برميل من النفط و122 تريليون متر مكعب من الغاز القابل للاستخراج، مع مؤشرات أولية على وجود تراكيب غازية واعدة قبالة الساحل السوري، من دون تحديد دقيق لحجم الاحتياطيات حتى الآن.

باختصار، فتح ملف التنقيب البحري يحمل أبعاداً اقتصادية كبيرة، لكن في نفس الوقت يراهن على حظ سوريا من الغاز المخبوء في الساحل. ونجاح هذا المشروع يعتمد أيضاً على المرونة التي تمتلكها الشركات المنقبة في مواجهة التحديات الفنية. وقدرة سوريا على تحويل مواردها الكامنة إلى دعائم اقتصادية حقيقية للتعافي والتنمية.

اقرأ أيضاً:إنتاج النفط في سوريا اليوم.. أرقام وتحولات!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.