روايات

الحرائق الموسمية في سوريا: الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الاستباقية

الحرائق الموسمية في سوريا: الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى الاستباقية

بقلم: ديانا الصالح

مع دخول سوريا فترة الحرائق الموسمية، التي تبدأ عادةً في شهر أيار وتستمر خلال أشهر الصيف، تتصاعد المخاوف من الخسائر المحتملة التي قد تطال المزارعين والغطاء البيئي على حدّ سواء، فقد باتت هذه المشاهد تتكرر سنوياً في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، والأنشطة البشرية العشوائية وضعف المنظومة الإدارية والرقابة البيئية.

وتتعزز هذه المخاوف بفعل تجربة السنوات السابقة، لا سيما حرائق اللاذقية التي وُصفت بأنها من بين الكوارث البيئية الكبرى خلال السنوات الأخيرة، نتيجة لاتساع رقعتها ووصولها إلى المنازل وتهديدها للأرواح مع صعوبة السيطرة عليها.

ويأتي ذلك، في ظل نقص كبير في البيانات اللازمة لقياس قابلية اشتعال الغابات، خصوصاً في المنطقة الغربية من سوريا، وهو نقص يرتبط بشكل مباشر بتبعات سنوات الصراع الطويلة، وتراجع البنية المؤسساتية للرصد البيئي، وفقاً لما تشير إليه دراسات معنية بالحرائق السورية.

وفي هذا السياق، تثور عدة تساؤلات حول أسباب تكرار الحرائق الموسمية في سوريا، وآثارها على الأمن الغذائي والبيئي، وكيف يمكن الانتقال من إدارة الأزمات الطارئة إلى وضع خطط استراتيجية شاملة تحد من المخاطر وتعيد تنظيم هذا الملف على أسس وقائية ومستدامة.

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

أسباب الحرائق الموسمية في سوريا

تتعدد أسباب تكرار الحرائق الموسمية في سوريا، ويُعد ارتفاع درجات الحرارة أحد أبرزها، حيث تشهد البلاد منذ سنوات موجات جفاف قاسية، نتيجة لشحّ الأمطار، ويؤدي هذا التغيير إلى انخفاض رطوبة الغطاء النباتي، مما يزيد من قابليته للاشتعال وينعكس بشكل مباشر على سهولة اندلاع الحرائق واتساع رقعة انتشارها خلال فترات الصيف.

وفي هذا الصدد، تُظهر دراسة علمية نُشرت عام 2022 بعنوان: “نموذج نسبة التكرار القائم على نظم المعلومات الجغرافية وعملية التحليل الهرمي لتحديد قابلية اشتعال حرائق الغابات في المنطقة الغربية من سوريا” أن الساحل السوري يُعد من أكثر المناطق عرضة لحرائق الغابات، مع صعوبة في التنبؤ الدقيق بسبب نقص البيانات المرتبط بظروف الحرب، مشيرةً إلى وجود عدة عوامل ترتبط بارتفاع معدل الحرائق في هذه المنطقة، منها التضاريس والمناخ إضافة إلى الرطوبة والتنوع النباتي والتوسع العمراني العشوائي.

وإلى ذلك، تسهم الأنشطة البشرية العشوائية في زيادة اندلاع الحرائق وتكرارها، لا سيما حرق الأعشاب الزراعية دون رقابة، وإهمال المخلفات النباتية الجافة في الأراضي الزراعية، إلى جانب حالات الحرق المتعمد، مما يتطلب مراقبة بيئية وتطبيق إجراءات وقائية أكثر صرامةً، إضافة إلى تعزيز دور المجتمع المحلي في الحدّ من مسببات الحرائق.

أما بالنسبة لعوامل انتشار الحرائق، فضعف البنية التحتية يُعد أبرزها، لا سيما بعد سنوات الصراع وما رافقها من تراجع في القدرات الإطفائية سواء كان بنقص عدد السيارات الذي تعانيه معظم المدن السورية، أو غياب معدات التدخل السريع وأزمة الوقود وغلاء قطع الغيار، إضافةً إلى تراجع برامج التدريب والتجهيز للكوادر، وصعوبة الوصول إلى أماكن الحرائق نتيجة لوعورة الطرق أو تهالك بعضها، مع خطر مخلفات الألغام غير المنفجرة، فضلاً عن ضعف أنظمة الإنذار المبكر والرصد.

آثار وتداعيات خطيرة

تؤدي الحرائق الموسمية في سوريا إلى تبعات اقتصادية واجتماعية جمّة، نتيجة لخسارة غابات انعكست بشكل سلبي على القطاع الزراعي الذي يُعتبر أساس الأمن الغذائي، على سبيل المثال، تسببت الحرائق التي اندلعت العام الماضي في اللاذقية بخسارة أكثر من 14 ألف هكتار المحاصيل والبنية التحتية، وفقاً لتقديرات الدفاع المدني السوري.

وقد شمل الضرر محاصيل الزيتون والحمضيات والحبوب، مما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وانعكس على السوق المحلي بشكل غير مباشر سواء عبر ارتفاع الأسعار أو نقص بعض المواد، وفق تقارير رسمية وميدانية، تلك الخسائر لا تقتصر على المدى القصير فحسب، وإنما لها أثر طويل المدى نتيجةً لتآكل التربة بفقدان الغطاء النباتي.

بالتالي فإن تأثير الحرائق ينعكس سلباً على الأمن الغذائي السوري المهدد أصلاً، ففي حالة الساحل على سبيل المثال، تشير التقديرات الرسمية إلى أن محاصيل هذه المنطقة تُسهم بنسبة كبيرة من الإنتاج الإجمالي للحمضيات وزيت الزيتون والخضار والفواكه.

ويتزامن ذلك مع تحذيرات متكررة من الأمم المتحدة بشأن التدهور الحادّ بمعدل الأمن الغذائي في سوريا، ما يجعل أي عامل إضافي يؤثر على الإنتاج الزراعي ذا أثر بالغ، فالبلاد بحاجة لدعم المحاصيل الزراعية لا لتدميرها.

وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من 9.1 مليون سوري يُعانون من انعدام الأمن الغذائي أي ما يزيد عن نصف السكان تقريباً، مقابل وقوع نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، مما يعكس حجم التحدي الذي يقع على عاتق صنّاع القرار لإيصال البلاد إلى بر الأمان الغذائي وإدارة ملف الحرائق.

كما تجدر الإشارة إلى خطورة ارتفاع نسبة البطالة في المناطق الناجمة عن احتراق هذه المحاصيل، مما يؤدي إلى أزمة اجتماعية اقتصادية مركبة، وهذا ما التمسناه من خلال فقدان عدة عوائل سورية لمصدر رزقهم بالحرائق السابقة.

إجراءات وقائية رسمية

دعا الدفاع المدني السوري إلى اتباع إجراءات الوقاية وتعزيزها من خلال إدارة مخاطر الأراضي الزراعية إلى جانب محيط الغابات، عبر إزالة الأعشاب الجافة من أطراف الحقول لاسيما القريبة من الطرق، إضافة إلى إلى تجزئة المساحات الكبيرة المزروعة كإجراء احترازي لمنع امتداد النيران، فضلاً عن إنشاء مجموعة من خطوط العزل بعرض 3 إلى 5 أمتار.

علاوة على ذلك، شدد الدفاع المدني على ضرورة إزالة مختلف المواد المساهمة في اندلاع الحرائق كالمعادن المعاكسة والزجاج لاحتمالية تركيزها لأشعة الشمس، إلى جانب تخزين الوقود بشكل آمن وتجنّب التدخين ضمن المناطق الزراعية.

بدورها، كشفت وزارة الطوارئ السورية عن نشر نحو 25 نقطة إطفائية متقدمة ضمن غابات اللاذقية استعداداً لموسم الحرائق، وتتألف كل نقطة من 4 رجال إطفاء وسيارة أو صهريج.

على الرغم من أهمية هذه الإجراءات الوقائية، إلا أنها تبقى ضمن حدود الإسعافية غير المكتملة، فتجربة حرائق العام الماضي كشفت عن ثغرات عميقة تتطلب خططاً استراتيجية أكثر فعالية وقدرة على إدارة هذا الملف الحساس، وفقاً لما يراه ناشطون محليون.

تجارب خارجية

لا تعتبر الحرائق الموسمية حكراً على سوريا، فهي أزمة عالمية تحتاج إلى استراتيجيات ذكية لضمان الحد من تكرارها ومخاطرها، وهذا ما توجهت إليه البرتغال بعد تسبب الحرائق في عام 2017 بكارثة إنسانية أودت بحياة نحو 109 مواطنين، لذلك اعتمدت التحول الاستباقي وهي استراتيجية وقائية شاملة.

ووفقاً لبيانات الوكالة الأوروبية للبيئة، تمكنت البرتغال من تحقيق إدارة فعالة لمحمياتها الطبيعية، من خلال التخفيف من كثافة غاباتها واعتماد التقليم المنظم، إضافة إلى تقليص حجم المواد القابلة للاشتعال عبر تطبيق تقنية الحرق المُسيطر عليه، وهذا ما تعتمده أستراليا أيضاً ولكن بشكل أوسع تحت مُسمى “الحرق الثقافي” حيث تفتعل حرائق خفيفة للقضاء على الوقود الطبيعي والمحافظة على صحة البيئة العامة.

توصيات وفقاً للدراسات

تؤكد دراسة علمية تُعنى بمسألة تكرار الحرائق في غرب سوريا، ضرورة التحديد الدقيق للمناطق المعرضة بشدة أو بدرجة أعلى لحرائق الغابات، ومن ثم العمل على وضع مجموعة من التدابير كاستراتيجيات وقاية، منها:

  • تفعيل أنظمة الإنذار المبكر للحرائق
  • بناء أبراج مراقبة ورصد حراري
  • صيانة الطرق المتهالكة، إلى جانب تخصيص ممرات لتسهيل الوصول ضمن الأماكن الوعرة.
  • تفعيل أنظمة الحراسة البيئية، كالدوريات ومراقبة حماية الغابات.
  • تقليل تدخل الإنسان ضمن الأماكن الحساسة، من خلال إنشاء وإدارة المحميات الطبيعية.

وإلى ذلك، يرى خبراء عبر مقال علمي حديث يُعنى بحرائق الغابات وتقييمها، ضرورة الاستثمار في البحث والتطوير لتعزيز فعالية الإدارة المستدامة للغابات مما يقلل من مخاطر الحرائق ويحمي التنوع الجيولوجي إلى جانب دوره في تحفيز تجدد الغابات.

ويسلط هؤلاء الخبراء الضوء على أهمية تخصيص الموارد بشكل أكثر فعالية، لتحسين سرعة الاستجابة وممارسات السلامة، مؤكدين ضرورة تكامل البيانات أو ما يسمى دمج البيانات مما يتيح لصناع القرار التخطيط الاستراتيجي للأراضي وإدارتها بشكل أوسع، مما يقلل من فرص اندلاع الحرائق أو انتشارها.

نستنتج مما سبق، أن الإجراءات الطارئة لا تكفي لدرء مخاطر الحرائق الموسمية في سوريا، وإنما تحتاج إلى خطط استراتيجية بعيدة المدى تضمن إدارة فعالة لملف الكوارث البيئية، مما يضمن المحافظة على الأرواح البشرية واستقرار الأمن الغذائي إلى جانب حماية أرزاق آلاف العائلات، فهل نشهد تطوراً في انتقال السياسات الحالية من مرحلة الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى مرحلة الوقاية والتخطيط؟

اقرأ أيضاً: الدفاع المدني يكشف عن إنجازاته منذ سقوط نظام الأسد

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.