الكاتب: أحمد علي
لم يكن السؤال الذي طُرح في دمشق يوم 18 نيسان الجاري سؤالاً جديداً في أصله. الجديد كان ظرف طرحه. حين يجتمع صناع أفلام ونقاد وطلاب ومعنيون بالقطاع في المركز الثقافي بأبو رمانة تحت عنوان «السينما السورية إلى أين»، فالمسألة لا تتعلق بندوة عابرة، بل بعودة ملف مؤجل إلى الواجهة في لحظة أوسع من النقاش الثقافي العام. هذا ما أعطى الملتقى وزنه الفعلي، إذ أعاد جمع ملفات الإنتاج والتمويل والرقابة والانتشار ضمن سؤال واحد يتعلق بإمكان قيام سينما سورية تتجاوز حدود المحاولات المتفرقة إلى مستوى الصناعة.
السينما السورية بين لحظة الانفتاح وضعف البنية
المناخ الذي خرج فيه هذا النقاش لا يمكن فصله عن مؤشرات أوسع في الحياة الثقافية السورية. معرض دمشق الدولي للكتاب، في دورته الأولى بعد التغيير السياسي، شهد مشاركة نحو 500 دار نشر من 35 بلداً، فيما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن وسائل إعلام رسمية أن عدد الزوار في اليوم الأول بلغ 250 ألفاً. هذه الأرقام لا تقول شيئاً عن السينما مباشرة، لكنها تقول شيئاً مهماً عن عودة الفضاء الثقافي العام إلى التداول، وعن وجود جمهور مستعد للعودة إذا وجدت المادة الثقافية والبيئة المناسبة. هنا بالضبط يعود ملف السينما إلى الواجهة، لا بوصفه شأناً فنياً ضيقاً، بل بوصفه جزءاً من إعادة بناء المجال الثقافي نفسه.
من هذه الزاوية يمكن قراءة ما طُرح في ملتقى دمشق. جهاد عبده، مدير المؤسسة العامة للسينما، قال إن المرحلة الحالية تحتاج إلى إعادة بناء البيئة السينمائية على أسس جديدة، عبر مناخ إنتاجي أكثر مرونة يفتح الباب للأفكار والنصوص الجديدة ويعطي أولوية للنوعية لا للكم. هذا الكلام مهم، لكنه يبقى في مستوى الاتجاه العام ما لم يُترجم إلى شروط عمل واضحة. لذلك جاء حديث علي عنيز، رئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون، أكثر اقتراباً من أصل المشكلة حين ربط تطوير القطاع ببيئة تشريعية مرنة وبشراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، بما يسمح بتجاوز العقبات الإدارية واللوجستية ويجعل الفيلم قابلاً للحياة من الفكرة حتى التنفيذ. هنا تبدأ العقدة الحقيقية بالظهور. المسألة ليست نقصاً في الرغبة في صنع أفلام، بل ضعف الإطار الذي يحمي هذه الرغبة ويحولها إلى إنتاج منتظم.
وهذا التفصيل ليس ثانوياً. النقاش حول السينما السورية غالباً ما ينزلق بسرعة إلى الحديث عن نصوص جيدة لم تُنفذ، أو أسماء موهوبة لم تجد فرصة، أو رقابة عطلت أعمالاً، وكل ذلك صحيح جزئياً. لكن الملتقى، كما يظهر من المداخلات الأساسية، أشار إلى ما هو أعمق من ذلك. رغد باش تحدثت عن إمكان إنتاج أفلام جيدة بإمكانات محدودة، مع رفضها أن تكون الكلفة المالية معيار النجاح الوحيد. في المقابل، وضع سمير الحسين يده على مشكلات بنيوية مباشرة، من الفساد الإداري وغياب الكفاءات إلى الرقابة التي حدت من حرية التعبير وأثرت في تطور النص، فضلاً عن ضعف البنية التحتية وقلة الاستديوهات والتجهيزات التقنية. ولمى طيارة أضافت فجوة لا تقل أهمية، وهي الفجوة بين التعليم الأكاديمي والواقع الإنتاجي، مع تأكيدها ضرورة ربط التكوين النظري بما يحتاجه السوق وبما يسمح بوصول الفيلم إلى جمهور أوسع. إذا جُمعت هذه الشهادات معاً، يصبح واضحاً أن الأزمة ليست أزمة عنصر واحد، بل أزمة سلسلة كاملة.
ليست مشكلة تمويل فقط!
هذا ما يجعل الحديث عن التمويل وحده قاصراً. المال ضروري، لكن المال لا يصنع صناعة بمفرده. الصناعة تحتاج دورة كاملة. تحتاج قانوناً يسمح، ومؤسسات تنتج، وتجهيزات تعمل، وصالات تعرض، وجمهوراً يدفع ثمن التذكرة أو يتابع العمل ضمن سوق قابلة للاستمرار. وبدون هذه الدورة يبقى الفيلم السوري، حتى عندما ينجح فنياً، أقرب إلى الاستثناء منه إلى القاعدة. هذه ليست مبالغة في التشخيص. هي تقريباً الخلاصة التي يصل إليها التقرير الذي نشره المركز العربي للسينما في آذار الماضي، حين أشار إلى مفارقة لافتة، وهي أن سوريا نجحت في بناء واحدة من أكثر صناعات الدراما التلفزيونية تأثيراً في العالم العربي، لكنها لم تنجح في بناء سينما وطنية مستدامة. التقرير يربط ذلك لا بنقص المواهب، بل بغياب إطار صناعي قادر على تحويل الطموح الفني إلى منظومة إنتاج فعلية. وهو يضيف ملاحظة أكثر حساسية، مفادها أن سوريا أصبحت في السنوات الأخيرة موضوعاً للسينما أكثر من كونها منتجاً لها، إذ إن كثيراً من الأعمال التي تناولت القصص السورية أُنتجت خارج البلاد، وأحياناً من دون ممثلين سوريين.
هذا المعنى يساعد على فهم جانب مهم مما قيل في دمشق. حين يقال إن السينما السورية وصلت إلى مهرجانات عالمية، فهذه حقيقة أشار إليها جهاد عبده نفسه. لكن هذه الحقيقة لا تكفي وحدها للقول إن هناك صناعة. الوصول إلى مهرجان قد يثبت وجود موهبة أو تجربة ناجحة، لكنه لا يثبت وجود سوق أو بنية عرض أو دورة إنتاج مستقرة. لذلك كان حديث عبد الرحمن الكيلاني عن محدودية وصول الأفلام الوثائقية المرتبطة بسردية الثورة إلى الجمهور السوري مهماً للغاية. المشكلة هنا ليست في إنتاج الفيلم فقط، بل في المسافة التي تفصل بين إنتاجه ووصوله إلى الناس. وقد أضاف الكيلاني تفصيلاً شديد الدلالة حين أشار إلى الفجوة بين الإنتاج والتوزيع وإلى تمركز دور العرض سابقاً في دمشق دون باقي المحافظات. هذا التفصيل وحده يكشف أن الانتشار ليس مسألة لاحقة على الإنتاج، بل جزء من بنيته منذ البداية.
وعند هذه النقطة يصبح من الضروري النظر إلى مسألة الصالات نفسها. تقرير لمعهد صحافة الحرب والسلام نُشر عام 2010 قال إن تراجع صناعة الأفلام وصعود المشاهدة المنزلية جعلا سوريا تملك أقل من 20 دار سينما. وبعد ذلك بخمسة عشر عاماً، نقل تقرير في Syrian Observer عن سوريا TV أن دمشق التي كانت تضم أكثر من 130 صالة لم يعد فيها سوى أقل من 8 صالات عاملة، مع الإشارة إلى أن كندي بقي واحداً من المواقع القليلة الباقية، بل ويضم أيضاً السينماتيك العامل الوحيد في البلاد. يمكن بالطبع مناقشة الخلفيات السياسية والإدارية لكل حالة على حدة، لكن الرقمين معاً يقولان شيئاً واحداً، وهو أن العلاقة بين الفيلم السوري وجمهوره تآكلت مادياً على مدى طويل. وحين تضيق الشاشات إلى هذا الحد، يصبح الكلام عن ضعف الانتشار كلاماً حرفياً لا مجازياً.
لذلك فإن ما أعاد الملتقى طرحه ليس سؤال الرقابة فقط، رغم أن هذا الملف بقي حاضراً في شهادات أكثر من مشارك. وليس سؤال التمويل فقط، رغم أن الدعم المالي الحقيقي طُرح بوضوح. ما عاد مطروحاً الآن هو سؤال أكثر تركيباً. هل توجد في سوريا بيئة تسمح بتحويل الرغبة في السينما إلى صناعة لها حد أدنى من الاستقرار. الوقائع التي قُدمت في دمشق، والقراءات التي نُشرت خلال الأشهر الأخيرة، توحي بأن الجواب ما زال معلقاً بين فرصة ومأزق. الفرصة موجودة لأن هناك انفتاحاً ثقافياً نسبياً، وعودة نقاش عام، واهتماماً متجدداً، ومؤشرات على رغبة في إعادة تنشيط القطاع. والمأزق قائم لأن البنية التي يفترض أن تحمل هذا كله ما زالت ضعيفة، من التشريع إلى التمويل إلى التعليم إلى العرض.
هنا تحديداً يمكن فهم أهمية الملتقى بعيداً عن المبالغة. قيمته ليست في أنه قدم حلولاً جاهزة، ولا في أنه فتح ملفاً مجهولاً. قيمته أنه أعاد ترتيب السؤال في مكانه الصحيح. السينما السورية لا ينقصها فقط من يكتب أو يخرج أو يمثل. ينقصها إطار كامل يربط بين هؤلاء جميعاً. وإذا كان البلد يدخل فعلاً طور إعادة بناء ثقافي، فاختبار هذا الطور لن يكون في عدد الندوات أو العناوين المرفوعة، بل في قدرة هذا النقاش على أن ينتقل إلى مستوى القرارات. من دون ذلك ستبقى السينما السورية مجالاً تتكرر فيه الشكوى نفسها بألف صيغة، فيما تبقى الصناعة نفسها بعيدة المنال.
وفي هذا المعنى، لا يبدو سؤال «السينما السورية إلى أين» سؤالاً معلقاً على الفن وحده. إنه سؤال عن طبيعة المرحلة كلها، وعن نوع السياسة الثقافية التي يراد بناؤها، وعن موقع الجمهور داخلها. فإذا كان المقصود إعادة بناء ثقافي فعلاً، فإن السينما لا يمكن أن تُعامل كملحق، لأنها الفن الذي يجمع النص والصورة والتمويل والتقنية والسوق والذاكرة العامة في مكان واحد. وحين تتعثر هنا، فذلك لا يقول شيئاً عن السينما وحدها، بل عن شكل البناء كله. هذه هي المسألة. وهي، على الأرجح، ما جعل مناقشة قديمة تبدو في دمشق وكأنها بدأت الآن.
اقرأ أيضاً: المخرج عروة الأحمد: نجاح السينما المستقلة يُحسب لصناعها ونحتاج للمواطنة حالياً