بقلم: ريم ريّا
يشهد القطاع الصحي في سوريا واحدة من أصعب فتراته منذ عقود، وقد تفاقمت هذه الأزمة بفعل آثار الحرب والانهيار الاقتصادي. لم تعد المشكلة تقتصر على نقص الموارد فحسب، بل تحولت إلى أزمة متعددة الأوجه تهدد استمرارية الخدمات الصحية الأساسية، وتترك ملايين السوريين في حالة يرثى لها من البحث عن الرعاية الطبية. تظهر التقييمات الميدانية أن أكثر من 40% من المستشفيات في بعض المناطق، مثل ريف دمشق، متضررة جزئياً أو كلياً، وأن المستشفيات التي لا تزال تعمل تعاني من ضغط هائل يفوق طاقتها الاستيعابية. في هذا السياق، يمكن تقسيم واقع القطاع الصحي في سوريا إلى ثلاث أزمات رئيسية، تدهور البنية التحتية وعدم كفاية التمويل، ونقص الكوادر الطبية، وأزمة الحوكمة والإدارة. هذه الأزمات مترابطة، وتتطلب نهجاً شاملاً يتجاوز الحلول الجزئية التقليدية.
أزمة البنية التحتية والتمويل.. تآكل القدرة التشغيلية للقطاع الصحي
تدهورت البنية التحتية الصحية في سوريا بشكل كبير نتيجة سنوات من الإهمال. وتشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من المستشفيات الحكومية تعمل بطاقة استيعابية منخفضة، مع معدات طبية قديمة ونقص في الصيانة الدورية. ويتفاقم هذا الوضع بسبب نقص التمويل، الذي يعد عاملاً رئيسياً يعيق جهود إعادة التأهيل والتحديث.
كما أن انقطاع التيار الكهربائي المتكرر ونقص الأدوية الأساسية يجبران العاملين في القطاع الصحي على اتخاذ قرارات صعبة قد تؤخر أو توقف العلاج الضروري. وتشمل الأسباب الجذرية لهذا التدهور تضاؤل الموارد العامة، وعدم كفاية الاستثمار في القطاع الصحي، والافتقار إلى آليات تمويل مستدامة. وتتضمن الحلول تطوير نظام تأمين صحي شامل يضمن موارد مالية مستدامة، وتعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية، وتخصيص موارد لإعادة تأهيل المرافق الأكثر تضرراً لضمان حد أدنى من القدرة التشغيلية.
اقرأ أيضاً: القطاع الصحي في الحسكة.. هل تنجح الخدمات الحكومية في سد الفجوة؟
نقص الكوادر الطبية.. هجرة الكفاءات وتحدي الاستبقاء
يعتبر استمرار هجرة العاملين في مجال الرعاية الصحية أحد أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع. فقد أدت الهجرة الجماعية للأطباء والممرضين إلى نقص حاد في الموارد البشرية، مما أثر سلباً على جودة الخدمات الصحية. وتشير التقديرات إلى أن آلافًا من العاملين في مجال الرعاية الصحية قد غادروا بلدانهم في السنوات الأخيرة بسبب الفروقات الكبيرة في الرواتب وظروف العمل مقارنةً ببلدانهم الأصلية. وقد وضع هذا الوضع ضغطاً هائلاً على الموظفين المتبقين، الذين يعملون في بيئات مرهقة وبموارد محدودة.
وتكمن الأسباب الجذرية لهذه الأزمة في تدني الرواتب، وضعف الحافز المهني، وانعدام بيئة عمل مستقرة. ولا تقتصر الحلول على رفع الرواتب فحسب، بل تتطلب حزمة شاملة تتضمن تحسين بيئة العمل، وتقديم حوافز مالية وغير مالية، وإطلاق برامج لاستقطاب الكفاءات من الخارج، وتوسيع برامج التعليم والتدريب الطبي لمعالجة النقص على المديين المتوسط والطويل. وبدون هذه الإجراءات، سيستمر قطاع الرعاية الصحية في العمل بنصف طاقته أو أقل.
أزمة الإدارة والحوكمة.. بين الهدر ومحاولات الإصلاح
لا تكتمل صورة الأزمة إلا بمعالجة قضايا الحوكمة والإدارة. فبينما انخفضت بعض مظاهر الفساد والمحسوبية والهدر المالي مقارنةً بالفترات السابقة، إلا أنها لا تزال تؤثر على فعالية القطاع الصحي. وتتجلى هذه المشكلات بشكل أوضح في المؤسسات العامة التي تعاني من ضعف آليات الرقابة والتخطيط، في حين أن القطاع الخاص، بفضل مشاركته المباشرة في التمويل والاستثمار، يتمتع بكفاءة نسبية أعلى. وتكمن الأسباب الجذرية لهذا الوضع في ضعف الأنظمة الإدارية التقليدية، وانعدام الشفافية، وعدم فعالية آليات المساءلة. وتكمن الحلول في إصلاح الهياكل الإدارية، وتعزيز الشفافية والرقابة، واعتماد أنظمة إدارة حديثة قائمة على الأداء، وربط التمويل بالأداء.
إضافةً إلى ذلك، يمكن أن يسهم تطوير نظام للتأمين الصحي في الحد من الهدر من خلال تنظيم التكاليف وتحسين تخصيص الموارد. وفي نهاية المطاف، لن تحقق أي كمية من التمويل أو الموظفين نتائج ملموسة إذا استمرت الإدارة في العمل بالأساليب التي تسببت في الأزمة.