الكاتب: أحمد علي
الخبر هنا لا يقف عند عدد الآليات ولا عند ساعة التوغل، المسألة أوسع من ذلك. الجنوب السوري يواجه منذ أشهر نمطاً ميدانياً يتقدم ببطء، لكنه يتقدم بوضوح. ليس هجوماً واسعاً يبدل كل شيء دفعة واحدة، وليس حادثة حدودية عابرة يمكن طيها في اليوم التالي. ما يجري في القنيطرة أقرب إلى إعادة تشكيل تدريجية للمشهد، عبر خطوات صغيرة ومتكررة، تتراكم حتى تصبح واقعاً جديداً على الأرض.
هذا هو المعنى الذي يجعل ما حدث في 25 نيسان أكبر من خبر محلي سريع. في ذلك اليوم دخلت دورية «إسرائيلية» إلى الصمدانية الشرقية، ونصبت حاجزاً على الطريق الواصل بين خان أرنبة والقرية، بينما توغلت قوة أخرى في جباثا الخشب بسبع آليات ونفذت عمليات تفتيش لمنازل بعد منتصف الليل.
وفي الوقت نفسه، كانت التحصينات تتقدم في تل أحمر الشرقي من خلال غرف مسبقة الصنع وسواتر ترابية وتوسعة للموقع. جمع هذه الوقائع في سياق واحد هو ما يكشف الصورة الفعلية. الجنوب السوري لا يواجه مجرد توغلات متفرقة، بل يواجه محاولة ثابتة لفرض إيقاع ميداني جديد، وعملياً يجري قضمه من قبل كيان الاحتلال الإسرائيلي.
القنيطرة تحت ضغط التحصينات الإسرائيلية
لو أُخذت الواقعة بيومها فقط، لأمكن التعامل معها كحدث أمني محدود. لكن ما يجعلها أثقل من ذلك أن الوقائع الأخيرة جاءت امتداداً لسلسلة سابقة، لا بداية منفصلة عنها. في 17 نيسان تحدثت تقارير ميدانية عن إدخال ثلاث غرف مسبقة الصنع إلى تل أحمر الشرقي. وبعد ذلك بأيام، وردت معطيات أخرى عن وصول شاحنات إضافية محملة بغرف مماثلة، مع استمرار رفع السواتر الترابية وتوسيع الموقع.
هذا النوع من التحرك لا يقرأ باعتباره حضوراً طارئاً. هو لغة تحصين واضحة، تعني أن النقطة العسكرية لم تعد موقع مراقبة عابر، بل مرشحة لأن تتحول إلى موضع أكثر ثباتاً، أو إلى قاعدة أصغر يجري بناؤها بهدوء.
تل أحمر الشرقي ليس موضعاً عادياً في الجغرافيا العسكرية للقنيطرة. موقعه يمنحه قدرة على الإشراف والمراقبة، كما يربطه عملياً بخطوط الحركة في الريف الجنوبي. وعندما تدخل إليه غرف جاهزة وتُبنى حوله السواتر، فإن الرسالة لا تبقى في حدود الحماية الميدانية فقط. الرسالة الأوضح أن هناك نقطة يراد تثبيتها، وأن ثمة سعياً لتقليل المسافة بين التمركز المؤقت وبين الوجود القابل للاستمرار. وهنا يصبح التحصين ذاته جزءاً من الخبر، لا مجرد تفصيل مكمّل له.
الصمدانية الشرقية تعطي الوجه الآخر لهذا المسار. المعطيات المنشورة عن يوم 25 نيسان تحدثت عن توغل ثلاث آليات ترافقها سيارة إسعاف، مع إقامة حاجز للتفتيش على الطريق بين خان أرنبة والقرية، ثم تمركز داخل منزل مهجور منذ ساعات الصباح حتى المساء. هذا لا يشبه عملية اقتحام خاطفة تُنفذ ثم تنتهي. هو أقرب إلى ممارسة ضغط ميداني محسوب، يختبر الطرق والحركة وردود الفعل المحلية، ويقول للسكان إن القوة التي تتوغل لا تكتفي بالمرور، بل تحاول أن تكون صاحبة كلمة مؤقتة في تفاصيل المرور والانتقال والوجود اليومي.
المشكلة أن هذا النمط لم يعد جديداً في ريف القنيطرة. تقارير سابقة في نيسان تحدثت عن إغلاق طرق رئيسية وفرعية باستخدام سواتر ترابية، ما عزل بلدات ودفع السكان إلى سلوك طرق بديلة أطول وأكثر صعوبة. كما وردت شهادات عن مداهمات منازل وتكرار الحواجز وإطلاق نار للترويع. وحين تتكرر هذه الوقائع خلال أسابيع متقاربة، فإنها تفقد طابع الاستثناء. تصبح نمطاً. والنمط هو ما يصنع التغيير الفعلي، لأنه لا يعلن نفسه كتحول كبير، بل يفرضه قطعة قطعة، طريقاً بعد طريق، وتلة بعد تلة، وقرية بعد قرية.
هنا تحديداً يصبح البعد القانوني والسياسي ضرورياً، لا للتذكير النظري فقط، بل لفهم ما يعنيه الميدان. اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 أنشأ منطقة عازلة تخضع لرقابة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك. ووفق هذا الإطار، يفترض أن تبقى تلك المنطقة خالية من الوجود العسكري غير وجود القوة الدولية. لكن التوغلات والتحصينات الجديدة تضع هذا الإطار تحت ضغط مباشر. المشكلة ليست في وجود خلاف قانوني حول تفسير بند هنا أو هناك. المشكلة أن الأرض نفسها تتغير، وأن أي تحصين إضافي أو توغل متكرر يضيف طبقة جديدة إلى هذا التغيير، فيما يبقى الاتفاق قائماً على الورق من دون قدرة واضحة على لجم الوقائع بالقوة نفسها التي تصنعها.
ومن المهم هنا الانتباه إلى أن الأثر الأشد لا يقع فقط في التوازنات العسكرية، بل في الحياة اليومية للسكان. حين يغلق طريق، أو يتحول بيت مهجور إلى نقطة تمركز لساعات طويلة، أو تصير القرية ساحة دخول دوري لآليات عسكرية، فإن المسألة لا تبقى أمنية مجردة. هي تتحول إلى ضغط مستمر على الإحساس بالأمان، وعلى الحركة الطبيعية، وعلى العلاقة بالأرض والزراعة والبلدات المجاورة. هذا النوع من الضغط لا يُحدث نزوحاً شاملاً في يوم واحد، لكنه يرهق المجال المحلي ببطء، ويضعف قابلية الناس للتصرف العادي داخل حياتهم الخاصة.
وهذا ما يجعل الحديث عن “واقع ميداني جديد” توصيفاً دقيقاً، لا مبالغة صحفية. الجديد هنا ليس حدوث توغل “إسرائيلي” بحد ذاته، فهذا حصل سابقاً. الجديد هو اقتران التوغلات بتحصينات، وربط الحواجز المؤقتة بتمركزات أطول، وتحول بعض النقاط إلى مواقع يجري تجهيزها بطريقة تسمح ببقائها. هذه العناصر معاً هي ما ينقل الجنوب السوري من مرحلة الخرق المتكرر إلى مرحلة أكثر حساسية، مرحلة يُختبر فيها إمكان فرض حضور ميداني يتجاوز الإغارة أو الرسالة المؤقتة.
لهذا لا يبدو السؤال الآن إن كان الجنوب سيشهد مواجهة كبرى غداً أم لا. السؤال الأقرب إلى الواقع هو ما إذا كانت القنيطرة تُدفع إلى نمط سيطرة مجزأ، تدريجي، وقابل للاتساع. نمط لا يحتاج إلى إعلان ضم ولا إلى معركة واسعة، بل يكتفي بفرض وقائع صغرى تتراكم حتى تصبح هي القاعدة. نقطة تتحول إلى موضع ثابت، وطريق يصير قابلاً للقطع عند الحاجة، وقرية تدخل في حسابات الاقتحام المتكرر. ومع الوقت، يصبح ما كان يُسمى توغلاً مؤقتاً أقرب إلى حضور دائم منخفض الشدة وعالي الأثر.
خلاصة المشهد أن الجنوب السوري لا يقف أمام حادثة منفردة، بل أمام مسار. وتل أحمر والصمدانية الشرقية ليسا اسمين عابرين في هذا المسار، بل علامتان واضحتان عليه. التوغلات تتكرر، والتحصينات تتوسع، والاتفاقات القديمة لا تكفي وحدها لوقف الوقائع الجديدة. هنا يكمن الخطر الحقيقي. ليس فقط في ما حدث، بل في ما صار قابلاً لأن يتكرر ويترسخ بعده.
اقرأ أيضاً: الجنوب السوري: إلى أي حدّ تستطيع دمشق حماية السيادة دون حرب مفتوحة؟