بقلم: ديانا الصالح
مع إعلان مسابقة وزارة الثقافة السورية لتلحين نصوص النشيد الجديد، تحولت الرموز السيادية إلى مادة للسجال، مما يعكس انقساماً حاداً بين الأوساط القانونية والثقافية، ليتحول بذلك النشيد الوطني في سوريا من جامع للهوية إلى بؤرة للجدل حول التوقيت وآلية الاختيار.
وفي هذا السياق تثور عدة تساؤلات: هل تُنتج الرموز الوطنية بقرار إداري وفني بحت؟ أم أن للقانون والمسار الدستوري الشرعي كلام آخر؟ وماذا يكشف هذا الجدل حول ملامح الهوية السورية في مرحلتها الانتقالية؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
جدل حول النشيد الوطني في سوريا
استكمالاً لمسابقة اختيار نشيد وطني جديد لسوريا، أطلقت وزارة الثقافة السورية مسابقة تلحين 7 نصوص مؤهلة للمرحلة النهائية، والتي تعود لكلٍّ من الشاعر تميم اليونس ومحمد جاسم، وإبراهيم الحريري وكرمة مصطفى إضافة إلى محمد طالب وأيمن جبلي، إلى جانب نص مشترك بين وزير الثقافة محمد الصالح ومدير الثقافة أنس دغيم، إلا أن مشاركة الأخيرين لم تمر مرور الكرام فقد تعرّضت لعدة انتقادات سنعرضها خلال سطورنا التالية.
وتأتي مسابقة التلحين وفقاً لرؤية وزارة الثقافة المُعلنة، ضمن مسار جديد لتمثيل روح الشعب وقيمه الجامعة، مؤكدةً أن الهدف الرئيسي هو اعتماد لحن يعكس أصالة الهوية السورية، مع مراعاة رمزية النشيد وطابعه الرسمي، ليرقى إلى مستوى المناسبات والمحافل الوطنية والدولية.
وفي هذا السياق، يشير أحد الناجحين الشاعر أيمن الجبلي، إلى أن المشاركة في المسابقة خطوة مهمة في طريق تعزيز الوحدة الوطنية والانتماء، وتمثيل روح الشعب وتطلعاته، إلى جانب ترسيخ الهوية الوطنية والمساهمة في بناء الوطن.
في المقابل، انتقد عدد من الناشطين والقانونيين طريقة انتقاء النشيد الوطني في سوريا، كونه يُعتبر أحد رموز سيادة الدولة وله أبعاد وطنية، تمثل كافة شرائح المجتمع على اختلافهم، لا سيما في ظلّ ما وصفوه بانعدام الشرعية القانونية، مشيرين إلى أن الانتقاء ينبغي أن يكون عبر مسار دستوري أو استفتاء شعبي يعكس الإرادة الوطنية.
هل إعلان المسابقة شرعي؟
بينما تبدو المسابقة في ظاهرها خطوة ثقافية، إلا أنها سرعان ما اصطدمت بجدل قانوني وحقوقي يربطه إقرارها بضرورة اتباع القوانين وتوفر الغطاء التشريعي الذي ينمّ عن توافق سياسي جامع، ويخضع للاختبار في عدة مراحل قبل اعتماد النشيد بشكل رسمي.
وهذا ما يشير إليه الخبير في مجال الحوكمة، زيدون الزعبي، موضحاً أن الدستور القادم يجب أن يحدد جوانب من الملامح الرئيسية للهوية السورية كاختيار العلم والنشيد الوطني، وأنه لا يحق لأي جهة حكومية تحديد هذه الملامح، مؤكداً ضرورة وجود برلمان شرعي بإجماع وطني يُخوّل بإقرار الرموز الوطنية بما في ذلك النشيد السوري.
بدوره يؤكد الخبير القانوني المعتصم الكيلاني، أن مهمة تنظيم أو تعديل النشيد الوطني في سوريا يجب أن تخضع لأحكام خاصة وفقاً للإعلان الدستوري المؤقت 2025، وعليه فإن المادة الخامسة تنصّ على ضرورة تحديده بموجب قانون، بالتالي فإن التعامل مع هذه المسألة يجب أن تنطلق من منظور دستوري وليس فنياً أو ثقافياً بحتاً.
وإلى ذلك، يبيّن الكيلاني أن مسألة اختيار أو تحديد ملامح الرموز السيادية للدولة، تنحصر بالسلطة التشريعية ولا يمكن تجاوز هذه الشرعية بانفراد السلطة التنفيذية في اتخاذ قرارات من هذا القبيل.
مشاركة وزير الثقافة
انتقد ناشطون محليون مشاركة الوجوه الرسمية مثل وزير الثقافة محمد الصالح ومديره أنس دغيم، معتبرين أن هذا يتعارض مع مبادئ الشفافية واستقلالية الجهة المختصة بتقييم النتائج، مما يثير شكوكاً مشروعة حول تضارب المصالح.
كما يصف متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي هذه المشاركة بالاحتكار وانعدام المسؤولية، مطالبين باستقلالية المسابقة والجهات المنظمة، مع ضرورة وجود جهة مستقلة للإشراف بشكل حيادي على العملية.
أدبيات العدالة الانتقالية
عبر شرح موسع، يرى الخبير في حقوق الإنسان فضل عبد الغني، أن الأدبيات الأساسية للعدالة الانتقالية تفرض عدم الاستعجال بتحديد الرموز، وإنما التريّث والبلورة التدريجية من خلال آليات مؤسسية واضحة تتيح إمكانية المعالجة المجتمعية للآثار والندوب العاطفية الناجمة عن الصراع.
كما يوضح عبد الغني أن هذه الأدبيات تحدد الفئات الأساسية لتمثيل اللجان المتخصصة في تحديد هذه الرموز، لتشمل مجموعة من الخبراء الموسيقيين والملحنين إلى جانب باحثين ومتخصصين في التراث الثقافي، وناشطين في حقوق الإنسان، إضافة إلى فئات تمثل المجتمع المدني والشباب وخبراء قانونيين، مع مجتمعيين وإقليميين لا يرتبطون بأي جهة حزبية.
ويعزو عبد الغني تنوع الفئات لضمان اتساق العملية مع مبادىء الدستور والحقوق الأساسية، وتفادي محاولة احتكار فئة واحدة لصياغة النشيد، إلى جانب ضمان تحقيق الحد الأدنى من قانونية وكفاءة العملية في الوقت ذاته.
وفي موقف داعم، يدعو الصحفي موسى العمر إلى ضرورة التريّث وتأجيل مسألة اعتماد نشيد وطني جديد خلال المرحلة الراهنة، موضحاً أنها تحتاج متسعاً أكبر من الوقت ونقاشات أوسع.
وتعكس هذه الدعوات أهمية التوقيت بوصفه لا ينفصل عن مبدأ الشرعية، انطلاقاً من الحس الوطني وضرورة إتاحة الفرصة للمعالجة المجتمعية من الانقسامات وآثار النزاع، وصولاً إلى مرحلة أكثر استقراراً قادرة على تحديد ملامح الهوية الوطنية وإرساء قواعد الشرعية لإنتاج رموز الدولة، بما يتوافق مع المصالحة والوحدة الوطنية.
آراء التواصل الاجتماعي
ما بين مؤيد ومعارض، ينقسم الشارع السوري إلى تيارين، الأول يرى في خطوة تحديد النشيد الوطني في سوريا ضرورة تعكس الهوية الوطنية وتمحي ملامح ما وصفه بعصر الاستبداد المرتبط بالكلمات القديمة، وآخر يرى الخطوة مُستَعجلة في ظل المرحلة الانتقالية المعقدة.
كما وردت تعليقات حول عدم كفاءة النصوص مقارنة بالنشيد القديم “حماة الديار“، حيث كتبت مها.س “حماة الديار اعتُمد قبل حزب البعث من سنة 1938، يعني تغييره ليس ضرورياً، وهو يمثل حقبة تاريخية للمطالبة في الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، أي أنه مرتبط بالحرية والسيادة”.
في المقابل، أيد متابعون آخرون فكرة التغيير لارتباط النشيد القديم بذكر الجيش المُنحل الذي شارك في سفك دماء الشعب، ولكن بعضهم أبدى استنكاراً لركاكة النصوص الناجحة في المسابقة، لكونها تعيد تدوير الكلمات مثل السلام والحق وغيرها من المفردات الاحتفالية، أكثر من كونها نصاً قادراً على تمثيل نشيد وطني جامع، مطالبين باعتماد النشيد المرافق للثورة “في سبيل المجد”.
وفي هذا الصدد، ينتقد الصحفي محيى الدين اللاذقاني طريقة التعامل مع رموز سيادة الدولة بهذه الطريقة، مشيراً إلى أن النشيد الوطني في سوريا “إرث جامع للهوية الوطنية، وتطلعات الشعب السوري”، كما يسلط الضوء على ركاكة النصوص الفائزة وعدم ارتقائها لمستوى كلمات “في سبيل المجد”، الذي اقترح اعتماده كنشيد مؤقت ريثما تستقر الأوضاع ويكون الوقت مناسباً لاختيار البديل.
يُذكر أن إقرار نشيد “حماة الديار” يعود إلى عام 1938، وهو من كتابة الشاعر خليل مردم بك وتلحين الأخوين محمد وأحمد فليفل، أما نشيد “في سبيل المجد” فهو من صياغة الشاعر عمر أبو ريشة خلال عشرينيات القرن العشرين، وتلحينه أيضاً الأخوان اللبنانيان فليفل، اللذين يُعتبران من أبرز الشخصيات المساهمة في تشكيل ملامح الأغنية الوطنية في سوريا خلال فترة الانتداب الفرنسي.
تجربة خارجية
سوريا ليست الدولة الوحيدة التي توجهت نحو تغيير نشيدها الوطني، فقد واجهت عدة دول أخرى تحديات حقيقية في اختيار نشيدها الجديد، أبرزها جنوب إفريقيا التي اعتمدت بعد نهاية الفصل العنصري خلال عام 1994 نشيدين وطنيين مؤقتين، الأول مرتبط بالمقاومة والآخر هو ذاته نشيد النظام السابق، وذلك كجزء من التسوية السياسية في إطار دستور جمهورية جنوب إفريقيا لعام 1993.
وفي عام 1997 دُمِج النشيدان المؤقتان معاً، لتشكيل نشيد وطني موحّد متعدد اللغات يعكس وحدة المجتمع بثقافاته المتعددة، ويعزز من التوافق الوطني والمصالحة كحلّ سياسي يمثل مختلف المكونات بعد سنوات من الانقسام.
إذاً تجربة جنوب إفريقيا، تعكس مدى أهمية الآراء الحقوقية والقانونية في سوريا، لا سيما في مسألة التريّث وعدم الاستعجال واعتماد خطوات تدريجية للتعامل مع الرموز الوطنية، بما يساعد على تجاوز مرحلة الانقسامات المجتمعية والآثار النفسية للنزاع.
كما تعكس التجربة أيضاً ضرورة الانطلاق من أساس تشريعي متين، يضمن اتساق الخطوات مع مبادئ دستور البلاد، ويمنع أي تجاوز قانوني أو احتكار لفئة بعينها على حساب الأخرى، فالنشيد الوطني هو جزء أساسي من الهوية الوطنية الجامعة لكافة المكونات.
يبدو أن وزارة الثقافة أمام اختبار جديد لمدى تمثيلها الحقيقي للهوية الوطنية في ظل الانقسام الراهن، ولا شك أن التجارب الدولية السابقة يمكن أن تكون بوصلة أمان لتفادي الأخطاء، وتحقيق إجماع وطني يوحد كافة الأطياف ويعمل على ترسيخ الوحدة والانتماء للوطن.
اقرأ أيضاً: الثقافة مرآة الوطن.. دور وزارة الثقافة في بناء الهوية في سوريا بعد التحرير