تقنية

النظام الضريبي الجديد: كيف يعمل وما هي إيجابياته وسلبياته؟

النظام الضريبي الجديد: كيف يعمل وما هي إيجابياته وسلبياته؟

بقلم هلا يوسف

تعمل الحكومة السورية على إعادة ترتيب النظام الضريبي ليتماشى مع حركة الإصلاح، ودفع عجلة التعافي تدريجياً، بالإضافة إلى مساعدة أصحاب الدخل المحدود، وتخفيف الضغوط عنهم، في محاولة لتحقيق أكبر قدر من العدالة في توزيع الأعباء الضريبية. لكن السؤال المطروح هنا: كيف سيؤثر على دخول المواطنين والشركات؟ وما هي إيجابياته وسلبياته التي ينطوي عليها؟ هذا ما سنجيب عليه في هذا المقال لتكون الصورة أوضح.

خلال حديثه على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي في واشنطن، أشار وزير المالية محمد يسر برنية إلى أن ضريبة الدخل لن تتجاوز 15% في النظام الضريبي الجديد، بينما ستحدد ضريبة المبيعات عند 5%، على أن يتم الانتقال في وقت لاحق إلى ضريبة القيمة المضافة بالنسبة نفسها. ولفت إلى أن هذا التحول لن يكون عبئاً إضافياً على الناس، بل سيحل محل النظام الحالي، مع الاستمرار في إعفاء السلع الأساسية.

أبرز ما تغير في هذا النظام هو رفع سقف الإعفاء الضريبي بشكل واضح. فكل من يقل دخله السنوي عن 50 مليون ليرة سورية بحسب العملة القديمة لن يدفع أي ضريبة دخل، وهذا يشمل تقريباً معظم الموظفين. ويعادل هذا المبلغ حوالي 500 ألف ليرة بالعملة الجديدة، أو نحو 4545 دولاراً بحسب سعر الصرف الحالي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تم إضافة بدلات للإعالة والمعيشة بقيمة 6 و8 ملايين ليرة، مما يرفع مجموع الدخل المعفى إلى حوالي 64 مليون ليرة سنوياً. وهذا يعني أن شريحة واسعة من الناس أصبحت خارج نطاق الضريبة، في خطوة تهدف لدعم قدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة، إلى جانب برامج الحماية الاجتماعية.

تأتي هذه التعديلات ضمن مشروع أوسع أطلقته وزارة المالية في عام 2025 لتحديث النظام الضريبي. ويشمل ذلك تبسيط الإجراءات، واعتماد الفوترة الإلكترونية، وإلغاء الأساليب القديمة في التقدير، واستبدالها بآليات واضحة لمكافحة التهرب الضريبي. كما يجري العمل على إلغاء رسم الإنفاق الاستهلاكي، الذي كان معقداً، واستبداله بضريبة مبيعات أبسط، مع إعفاء نحو 9300 سلعة وخدمة أساسية، في مقدمتها الغذاء والدواء، لتخفيف الأثر على حياة المواطنين.

لم تقتصر الخطة الضريبية على ذلك، بل تضمنت أيضاً إعفاء المنشآت الصناعية والسياحية والتجارية المتضررة من الضرائب بشكل كامل إلى حين إعادة تأهيلها، بهدف تشجيع عودة الإنتاج في المناطق المتضررة.

ويركز النظام الجديد على معالجة التهرب الضريبي، خصوصاً لدى أصحاب الدخول المرتفعة. وأكد الوزير أن ما كان يعرف “بالجنة الضريبية” لبعض الفئات لن يستمر، وأن الجميع يجب أن يساهم بشكل عادل. لكن في الوقت ذاته سيتم منح مزايا للمكلفين الملتزمين من خلال ما يسمى “القائمة الذهبية”، مع فرض عقوبات على المتهربين. ويرى برنية أن هذه الخطوات ستساعد على توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الإيرادات دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي، خاصة أن نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي لا تزال منخفضة مقارنة بدول المنطقة. كما وصف النظام الجديد بأنه سيصبح من الأقل تكلفة إقليمياً، مع محاولة تحقيق توازن بين تخفيف العبء وتأمين موارد لتمويل الخدمات والبنية التحتية.

شرح النظام الضريبي الجديد وتأثيره على الرواتب والشركات

لفهم التغيير بشكل أوضح، من المفيد النظر إلى تأثيره المباشر على الرواتب، ومقارنته بالنظام القديم. فالفكرة الأساسية لم تعد فقط تخفيض النسب، بل تغيير طريقة احتساب الضريبة.

في النظام الجديد، أي دخل سنوي أقل من 50 مليون ليرة معفى بالكامل، أي ما يعادل تقريباً 4.1 مليون ليرة شهرياً. وهذا يعني أن كل شخص راتبه أقل من هذا الرقم لن يدفع أي ضريبة. بينما كان النظام القديم يفرض ضرائب تصاعدية تبدأ من 5% وتصل إلى 15% حتى على الرواتب المتوسطة.

عند تطبيق ذلك على أمثلة واقعية، تتضح الصورة أكثر. فالشخص الذي راتبه 2 مليون ليرة شهرياً كان يدفع سابقاً بين 100 ألف و200 ألف ليرة، أما الآن فلا يدفع شيئاً. وكذلك من يتقاضى 4 ملايين ليرة، كان يدفع حوالي 400 ألف ليرة، بينما أصبح اليوم ضمن الإعفاء الكامل.

بينما يظهر الفرق بشكل واضح للشخص الذي يصل راتبه إلى 6 ملايين ليرة. ففي النظام القديم، كانت الضريبة تصل إلى حوالي 900 ألف ليرة. أما الآن، فيُعفى أول 4.1 مليون ليرة، وتفرض الضريبة فقط على الجزء المتبقي، أي نحو 1.8 مليون ليرة. وإذا تم حسابها بنسبة قريبة من 10%، تكون الضريبة بحدود 180 ألف ليرة. أي أن الفرق يصل إلى نحو 700 ألف ليرة شهرياً، وهو انخفاض كبير في العبء الضريبي.

هذه الأمثلة توضح أن النظام الجديد يخفف العبء بشكل واضح عن أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، ويجعل الضريبة تتركز فقط على الجزء الأعلى من الدخل.

أما بالنسبة للشركات، فقد تم خفض ضريبة الأرباح إلى أقل من 15%، بعد أن كانت تصل في السابق إلى 28%، حتى بعد تعديلات عام 2023 بقيت مرتفعة. كما تم منح حوافز للقطاعات الإنتاجية، وإعفاء النشاط الزراعي بالكامل.

وبالعودة إلى الضرائب التي كانت مفروضة على الشركات في النظام القديم، على الرغم من ارتفاعها على الورق، إلا أن التطبيق كان أحياناً يعتمد على تقدير الموظف، مما كان يفتح الباب لتخفيض الضريبة بطرق غير رسمية. فمثلاً، شركة تحقق أرباحاً بقيمة 10 آلاف دولار كان يفترض أن تدفع 2800 دولار، لكن في بعض الحالات كان يتم تخفيض التقدير لتدفع أقل بكثير. في النظام الجديد، يفترض أن يؤدي خفض النسب وتبسيط الإجراءات إلى تقليل هذه الحالات، وجعل النظام أكثر وضوحاً وعدالة، مما يخفف العبء على الاستثمار ويفتح المجال للتوسع وخلق فرص عمل.

المخاطر والتحديات في النظام الضريبي الجديد

على الرغم من الصورة الإيجابية التي رافقت طرح النظام الضريبي الجديد، إلا أن النقاش حوله لا يخلو من ملاحظات وتحذيرات، خاصة فيما يتعلق بقدرته على الاستمرار وتأمين إيرادات كافية للدولة. ومن الواضح أن هذا الاقتراح رافقه الكثير من المناقشات داخل أروقة وزارة المالية قبل أن يتم طرحه الآن. لأن مكتب كرم الشعار للاستشارات المالية تحدث عنه قبل أشهر. وحدد إيجابياته وسلبياته.

وبحسب ما أورده المكتب الذي يديره الخبير كرم الشعار صاحب منصب المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا منذ نيسان الماضي، إلى جانب عمله مستشاراً أول لمجموعة البنك الدولي، فإن هذا النموذج يجمع بين مزايا واضحة، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات حقيقية.

في الجانب الإيجابي، يحقق النظام الجديد تخفيفاً سريعاً ومباشراً على الأسر، إذ يعفي شريحة واسعة من أصحاب الرواتب من ضريبة الدخل. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها معظم السوريين، يعد هذا الإعفاء خطوة مهمة لتخفيف الضغط المعيشي.

كذلك، فإن خفض ضريبة الشركات إلى مستويات تتراوح بين 10 و15%، وهي من الأدنى مقارنة بدول مثل لبنان والأردن وتركيا، يعكس توجهاً واضحاً نحو جذب الاستثمارات. كما أن الإعفاءات المرتبطة ببعض أنواع الدخل، خاصة للمستثمرين والمغتربين، قد تساعد في إعادة توجيه الأموال إلى الداخل وتشجيع النشاط الاقتصادي الرسمي.

ومن النقاط المهمة أيضاً تبسيط الإجراءات والاتجاه نحو الرقمنة، حيث يجري الانتقال من الأساليب القديمة التي كانت تعتمد على التقدير الشخصي واللجان غير الواضحة، إلى نظام أكثر شفافية قائم على قواعد محددة. هذا التحول قد يساهم في إعادة الثقة بالمؤسسات المالية، ويخفف الأعباء الإدارية على الشركات، مما قد يشجع على الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الرسمي.

لكن في المقابل، هناك تحديات لا يمكن تجاهلها. أبرزها يتعلق بالاستدامة المالية، إذ إن رفع سقف الإعفاء إلى هذا المستوى، مع خفض نسب الضرائب، يعني أن إيرادات ضريبة الدخل على الأفراد قد تصبح محدودة جداً. وهذا قد يزيد من اعتماد الدولة على ضرائب الشركات، رغم أن عدد الشركات في الاقتصاد الرسمي لا يزال محدوداً. ومع كون نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي في سوريا من الأدنى عالمياً، حيث تقل عن 5% في عام 2024، فإن أي انخفاض إضافي قد يزيد من صعوبة تمويل الإنفاق العام.

وعند المقارنة بدول أخرى، تظهر الفجوة بشكل أوضح، إذ تصل هذه النسبة إلى مستويات أعلى بكثير، وغالباً ما تُعتبر نسبة 15% من الناتج المحلي نقطة مهمة لتحقيق نمو اقتصادي مستقر. أما في الحالة السورية، فإن الاعتماد على تخفيض الضرائب على أمل توسيع القاعدة الضريبية مستقبلاً قد لا يكون كافياً لتغطية احتياجات كبيرة مثل إعادة الإعمار، خاصة في المدى القريب.

وفي محاولة لمعالجة هذا النقص، تم طرح مشروع ضريبة مبيعات بنسبة 5%، مع فرض نسب أعلى على بعض السلع الكمالية. ورغم أن هذه الخطوة تساعد في زيادة الإيرادات، إلا أنها لا تعد ضريبة قيمة مضافة متكاملة، لأنها تطبق بشكل أساسي عند البيع النهائي، وليس عبر جميع مراحل الإنتاج.

كما تبرز تساؤلات حول بعض تفاصيل النظام، مثل تحديد حد الإعفاء عند نحو 60 مليون ليرة سنوياً دون توضيح كافٍ لمدى ارتباطه بمستويات الدخل الحقيقية في البلاد، أو كيفية مراجعته مستقبلاً. وكذلك، فإن التمييز بين بعض القطاعات بمعدلات ضريبية مختلفة لا يبدو مبنياً على خطة اقتصادية واضحة، مما يفتح المجال لانتقادات حول آلية اختيار هذه المعايير.

ولا تقل التحديات الإدارية أهمية عن المالية، إذ إن تطبيق النظام خلال فترة قصيرة يضع ضغطاً على الكوادر، التي قد لا تكون مستعدة بشكل كامل للتعامل مع أدوات جديدة مثل التصريح الذاتي والرقابة الرقمية. كما أن نجاح الفوترة الإلكترونية يتطلب بنية تحتية مستقرة، في حين تعاني البلاد من مشكلات في الكهرباء وضعف في الاتصال بالإنترنت.

أما من ناحية الامتثال، فقد يواجه الأفراد والشركات صعوبة في التكيف مع النظام الجديد، خاصة في ظل ضعف الثقافة الضريبية، وانتشار الاقتصاد غير الرسمي، إضافة إلى تراجع الثقة بالمؤسسات العامة. كل هذه العوامل قد تؤثر على فعالية التطبيق، حتى لو كانت القوانين واضحة.

لذلك يرى المكتب الاستشاري أن تطبيق النظام بصيغته الحالية قد يحتاج إلى مزيد من الوقت والدراسة، مع ضرورة توسيع دائرة التشاور، سواء مع الجهات الدولية للحصول على الدعم الفني، أو مع المجتمع المحلي لضمان أن تكون الإصلاحات قريبة من الواقع. ورغم أن وزارة المالية أجرت مشاورات سابقة، إلا أنها كانت محدودة، وقد لا تكون كافية للوصول إلى نظام يلبي بشكل كامل احتياجات المرحلة المقبلة.

في النهاية، يبدو أن النظام الضريبي الجدد يحقق غايات تخص حياة المواطنين اليومية، لكن يبقى التخوف من فرض الضرائب على السلع النهائية أن تساهم في رفع الأسعار على المواطنين من قبل التجار. لذلك النجاح الحقيقي لهذا النظام يرتبط بمدى قدرة وزارة المالية على ضبط جوانبه بحيث يحقق أهدافه دون الإضرار بأي فئة مجتمعية أو اقتصادية، وفي الوقت نفسه يحقق موارد كافية للدولة.

اقرأ أيضاً: الضرائب الصحية على الكحول والدخان: هل نكرر خطأ تركيا أم نخطو نحو البرازيل؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.