روايات

الهلال الأحمر السوري: المساعدات الإنسانية بين الشفافية والاستغلال

الهلال الأحمر السوري: المساعدات الإنسانية بين الشفافية والاستغلال

بقلم هلا يوسف

مشكلة قديمة جديدة يلاحظها السوريون خلال تسوقهم في بعض المحلات التجارية والبسطات، وهي وجود مواد غذائية مخصصة كمساعدات تباع وسط أزمة اقتصادية خانقة لأكثر من 90% من الشعب. ففي الوقت الذي يجب أن تكون هذه المواد لدى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، تباع على أرصفة الشوارع وفي البقالات. وهنا تقفز الأسئلة في دماغ السوريين عن طريقة تحول هذه المواد الإغاثية إلى سلعة، وما هي العوامل التي ساهمت في انتشار هذه الظاهرة؟ وهل هناك آليات فعالة لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها؟ في هذا المقال، نستعرض واقع توزيع المساعدات الإنسانية، والتحديات المرتبطة به، وأسباب تسرب المساعدات إلى الأسواق، إلى جانب الجهود المبذولة من الهلال الأحمر السوري للحد من هذه الظاهرة.

من يتجول في أسواق دمشق وريفها سيلاحظ بالتأكيد الأكشاك وقد تجاوزت عرض الخضار والمواد التموينية التقليدية إلى سلال غذائية ومواد إغاثية تحمل شعارات منظمات إنسانية محلية ودولية. هذه المواد المخصصة في الأصل للأسر الأكثر حاجة يتم بيعها بأسعار زهيدة، في مشهد يعكس قصور واضح في آليات توزيع المساعدات الإنسانية.

ففي مناطق مثل كشكول والدخانية والمليحة والكباس، يمكن للمتسوق العثور على مواد غذائية معلبة، وأغطية شتوية، وأحياناً مستلزمات صحية يتم عرضها خارج القنوات الرسمية. لكن من المستغرب أن هذه المواد لا تباع مرة واحدة، بل تحولت إلى بضائع دائمة، مما يشير إلى وجود مورد دائم لها. وهذا ما يجعل الوضع مثير للتساؤلات حول مصير المساعدات، وفعالية الرقابة على توزيعها.

وقد أعرب عدد من الأهالي عن استيائهم من هذه الممارسات، معتبرين أن رؤية المواد الإغاثية تباع بينما تعجز بعض الأسر عن تأمين احتياجاتها دليل على وجود خلل كبير في آليات التوزيع. وطبعاً من عاش في مناطق النظام السابق له تجربة خاصة بهذا الخصوص، عندما كانت تباع السلال الغذائية التي أرسلت خلال جائحة كورونا والكوارث الطبيعية مثل زلزال شباط وحرائق الغابات في اللاذقية.

وفي مثال واضح على الوضع الحالي، ذكرت إحدى المواطنات في ريف دمشق أنها اضطرت لشراء حصتها الغذائية من موظفة في جمعية خيرية بعد فشلها عدة مرات في الحصول عليها مجاناً، موضحة أن بعض العاملين في القطاع الإغاثي يحتفظون بكميات إضافية لبيعها لاحقاً بأسعار تقل عن السوق، مما يحول المساعدة الإنسانية إلى سلعة تجارية بدلاً من دعم حقيقي للفئات الضعيفة.

بين الحاجة والاستغلال

لا ينكر العاملون في المجال الإنساني هذه الظاهرة، بل أرجعوا أسبابها إلى غياب قاعدة بيانات موحدة للمستفيدين في السنوات السابقة، مما سمح بتسجيل الأسرة نفسها لدى أكثر من جهة مانحة، وخلق فائض يتم تصريفه في الأسواق لتغطية احتياجات أخرى، مثل العلاج أو دفع فواتير الخدمات أو نفقات تعليم الأطفال.

كما يشير متطوعون إلى وجود حالات استغلال منظمة، يقوم فيها وسطاء بشراء السلال بأسعار منخفضة لإعادة بيعها وتحقيق أرباح سريعة، مستفيدين من ضعف الرقابة وحاجة الأسر للنقد. وقد أظهرت بعض التحقيقات المحلية وجود أسماء مستفيدين وهميين للاستحواذ على حصص إضافية يتم اقتسامها أو بيعها لاحقاً، في ظل تورط موظفين في المستودعات وعمليات التوزيع.

وقد أوضح المتطوع في الهلال الأحمر، حيان شهاب أن عملية التوزيع تواجه مشكلة هيكلية تتمثل في تسجيل بعض الأسر لدى أكثر من جهة مانحة، مما يؤدي إلى حالات استغلال من قبل بعض الأفراد عبر تقديم إغراءات للحصول على حصص إضافية. وأضاف أن بعض المدنيين يبيعون المواد الغذائية التي يحصلون عليها إما لضيق مالي أو لعدم توافق محتويات السلة مع احتياجاتهم، بينما يتم تحويل جزء محدود من المساعدات بطرق غير قانونية إلى السوق السوداء، مما يخلق منافسة غير عادلة ويزيد المخاطر الصحية المرتبطة ببيع مواد غذائية غير واضحة الصلاحية.

جهود الهلال الأحمر في إعادة هيكلة المساعدات

رئيس فرع الهلال الأحمر العربي السوري في ريف دمشق، محمد عبد الفتاح، أشار إلى تحول جذري في طبيعة المساعدات بعد توقف شبه كامل للمساعدات الغذائية التقليدية، حيث تركز الجهات المانحة على حالات استثنائية، مثل دعم العائدين إلى المناطق الداخلية أو من لبنان.

لذلك تم إعادة هيكلة تدخلات الهلال، مع التركيز على مشاريع “سبل العيش” التي تهدف إلى التمكين الاقتصادي للأسر بدلاً من الاعتماد على الإغاثة المباشرة. وتشمل هذه المبادرات مشاريع زراعية، وحرفية، ومهنية وتمويلية، إلى جانب استمرار تقديم الخدمات الصحية والمجتمعية للفئات الأكثر احتياجاً.

وأشار عبد الفتاح أنه تم توزيع 600 عزاقة زراعية على أسر مستفيدة في وادي بردى، ومشروع لتوزيع رؤوس ماعز استفادت منه 140 أسرة، بالإضافة إلى منح نقدية تراوحت بين 1750 و2000 دولار لكل مستفيد استفاد منها 560 شخصًا. كما تم وضع آلية متابعة صارمة لمدة ستة أشهر لمشاريع “سبل العيش”، مع ترك المستفيد حراً في التصرف بالمساعدات الغذائية بعد التسليم في حال عدم وجود شكاوى، ومنع بيع السلال الغذائية وفرض عقوبات قد تصل لحرمان المخالفين من الدعم المستقبلي، إلى جانب قاعدة بيانات موحدة للحد من ازدواجية التسجيل.

الهلال الأحمر بعد سقوط النظام.. غياب آليات مكافحة الفساد

بعد سقوط النظام السابق، بقي ملف الإصلاح ومكافحة الفساد داخل الهلال الأحمر العربي السوري غائباً، دون أي مؤشرات على إنشاء لجان تحقيق داخلية أو نظم رقابة مالية مستقلة. حتى مع تعيين محمد حازم بقلة مديراً للمنظمة بعد تورط المدير السابق خالد حبوباتي في قضايا فساد، ظل كثير من السكان يشكون من نقص أو عدم وصول المساعدات، مما أثار تساؤلات حول فعالية وشفافية آليات التوزيع.

أكد رئيس شعبة الهلال في الغوطة الشرقية عصام مرزوق، أن وجود بعض ضعاف النفوس لا يعني فساد جميع العاملين، مشيراً إلى أن التغييرات الإدارية بعد سقوط النظام ساهمت في ضبط المحسوبيات وتقليل الرشاوى.

في حين أضاف المسؤول الإعلامي عمر المالكي، أن نحو 860 ألف عائلة كانت مسجلة لدى الهلال قبل سقوط النظام، ومع زيادة عدد الأسر المحتاجة توسع نطاق عمل الهلال، لكنه لم يعد يكفي لتغطية جميع الأسر، مما يسبب سوء فهم لدى بعض المستفيدين.

فساد الهلال الأحمر سابقاً.. محسوبيات وتوظيف حسب الولاءات

من يعود إلى طريقة عمل الهلال الأحمر خلال فترة النظام السابق سيجد أن المحسوبيات والولاءات كانت عنوان تلك المرحلة. فقد أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عام 2023 تقريراً كشف عن ممارسات فاسدة داخل الهلال الأحمر السوري والأمانة السورية للتنمية. وأوضح التقرير أن المنظمة أوقفت الانتخابات الداخلية منذ بدء الحراك الشعبي عام 2011، واعتمدت على تعيين الإداريين مباشرة، بهدف ضمان ولاء الموظفين والمتطوعين للنظام. ومن المؤكد أن هذا الأسلوب سمح للنظام بتجنيد موالين جدد وضمان سيطرته على المنظمة، مع الحد من أي أصوات معارضة داخل صفوفها.

وأشار التقرير إلى أن النظام استغل سياسات التوظيف المبنية على المحسوبيات لضمان ولاء العاملين، ما أدى إلى ظهور مظاهر التمييز والمحاباة داخل المنظمة. وبالتالي في هذه البيئة كان يتم منح المساعدات أحياناً للأشخاص الموالين للنظام بغض النظر عن استحقاقهم الفعلي، مما حول الهلال الأحمر أداة لتثبيت الولاءات السياسية بدلاً من التركيز على دعم الفئات المحتاجة.

وأكد التقرير أن هذه الممارسات تتعارض مع مبدأ “عدم التحيز”، وهو أحد المبادئ الأساسية للحركة الدولية للصليب والهلال الأحمر، الذي من المفترض أن يطبقه الهلال الأحمر السوري. كما أشار إلى أن غياب الشفافية وافتقار الجهات المانحة إلى آليات فعالة للمساءلة، بما في ذلك التدقيق المالي الخارجي، يزيد من صعوبة ضمان وصول المساعدات بشكل عادل وشفاف إلى الأسر المستحقة.

ختاماً، من المؤكد أن الهلال الأحمر يبذل جهوداً كبيرة في إيصال المساعدات إلى المستحقين، لكن في الوقت نفسه تكشف ظاهرة بيع المساعدات أن هناك خلل في عملية التوزيع. لذلك من الواجب البحث عن موضع هذا الخلل ومعالجته. كما أن تحديات استعادة سمعة الهلال بعد سنوات من التحيز أصبح ضرورة يمكن تحقيقه من خلال الإخلاص في العمل.

اقرأ أيضاً: السويداء: هل تتحول المساعدات من استجابة طارئة إلى نموذج إمداد مستقر؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.