بيئة

تحولات نظام الإنذار المبكر في سوريا وأثره في إدارة الكوارث

تحولات نظام الإنذار المبكر في سوريا وأثره في إدارة الكوارث

بقلم هلا يوسف

تعمل وزارة الكوارث والطوارئ السورية على رفع جاهزيتها وتطويرها بما يتناسب مع المرحلة الانتقالية الحالية التي تتسم بالكثير من الاضطرابات، خصوصاً في ظل وجود بنية تحتية مهددة، وعدم القدرة على التعامل مع الكم الهائل من المشكلات. لذلك أعلنت الوزارة عن خطوة جديدة تتمثل في إطلاق نظام الإنذار المبكر المشترك على المستوى الوطني، المعروف باسم Common Alerting Protocol. وفي هذا المقال سنتعرف على أهمية هذه الخطوة، وكيف ستنعكس على استجابة الوزارة عند حدوث حالة طوارئ.

يعتمد نظام الإنذار المبكر الجديد على فكرة أساسية تقوم على تحسين طريقة إيصال التحذيرات وتنظيمها، بحيث تصل المعلومات إلى المواطنين والجهات المعنية في الوقت المناسب وبأسلوب واضح وموحد، مما يساعد على تقليل الارتباك أثناء الطوارئ ورفع كفاءة الاستجابة.

نظام موحد للتحذيرات وتنسيق وطني بين الجهات

يوضح وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أن هذا النظام الجديد يعمل على توحيد شكل التحذيرات في جميع أنحاء البلاد، بحيث لا تكون الرسائل مختلفة أو غير منسقة، بل تصدر بصيغة واحدة واضحة.

ويتم إيصال هذه التحذيرات عبر وسائل متعددة تشمل الإعلام التقليدي، والتطبيقات الرقمية، ووسائل الاتصال المختلفة، مما يضمن وصولها إلى أكبر عدد ممكن من الناس بسرعة ودقة. كما يساهم هذا النظام في دعم غرف العمليات، حيث يساعدها على اتخاذ قرارات سريعة وأكثر فاعلية أثناء الأزمات.

ومن النقاط الأساسية في هذا النظام أنه لا يعتمد على جهة واحدة، بل يقوم على التنسيق بين جميع الجهات الوطنية المعنية. حيث تتولى كل جهة إصدار التنبيهات ضمن اختصاصها، ولكن ضمن إطار وطني موحد يضمن الانسجام وسرعة الاستجابة.

وتشارك في هذا العمل مجموعة من المؤسسات المهمة، منها المركز الوطني للأرصاد الجوية لمتابعة الطقس والتغيرات الجوية، والمركز الوطني للزلازل لرصد النشاط الزلزالي، ووزارة الزراعة، بالإضافة إلى وزارة الموارد المائية، ووزارة الصحة.

ويشكل هذا التعاون خطوة أساسية ضمن خطة أوسع تهدف إلى بناء نظام إنذار مبكر شامل يغطي مختلف أنواع المخاطر، سواء كانت طبيعية أو غير طبيعية.

ويهدف هذا النظام في النهاية إلى حماية أرواح الناس وممتلكاتهم، وتقليل حجم الأضرار الناتجة عن الكوارث، إضافة إلى تعزيز قدرة الدولة على الاستجابة السريعة والتعافي بعد الأزمات، بما يعكس سعي سوريا لتحسين جاهزيتها لمواجهة مختلف التحديات.

التعاون الدولي وتطوير أنظمة إدارة الكوارث

لا تقتصر جهود الوزارة على الحالة الداخلية في البلاد، بل تمتد إلى تعزيز علاقاتها الخارجية عبر التعاون الدولي في مجال إدارة الكوارث. فقد بحث الوزير رائد الصالح مع القائم بأعمال السفارة الإسبانية في سوريا فرانسيسكو خابيير بوغا يوبيس سبل تطوير التعاون بين البلدين، خاصة في مجالات الإنذار المبكر وتنسيق الاستجابة وإدارة الموارد.

كما شمل النقاش أهمية الاستفادة من الخبرات الإسبانية في حماية المدن التاريخية وعمليات الإنقاذ المائي، وهي مجالات أصبحت أكثر أهمية في ظل التحديات البيئية والمناخية المتزايدة. وأكد الوزير خلال اللقاء أن تطوير أنظمة الاستجابة المبكرة يساهم بشكل مباشر في تقليل الخسائر البشرية والمادية، وأن تبادل الخبرات مع الدول المتقدمة يساعد في بناء نظام أكثر كفاءة.

كما وقعت سوريا في نهاية الشهر الماضي اتفاقية تعاون مع ألمانيا في العاصمة برلين، بين الوزير رائد الصالح ووزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت، بهدف تعزيز قدرات الاستجابة للطوارئ داخل سوريا.

وتنص هذه الاتفاقية على تقديم دعم تقني من قبل الوكالة الاتحادية الألمانية للإغاثة التقنية، يشمل تزويد فرق الطوارئ بالمعدات اللازمة، إضافة إلى إعادة تأهيل مراكز العمليات الخاصة بإدارة الكوارث، مما يسهم في رفع سرعة وفعالية الاستجابة أثناء الطوارئ.

تطور أنظمة الإنذار المبكر في سوريا ودورها في إدارة المخاطر

يبرز تطور أنظمة الإنذار المبكر ضمن خطط تطوير منظومة إدارة الكوارث في سوريا، بوصفها أحد التحولات المهمة التي شهدها هذا المجال خلال السنوات الماضية، خاصة مع توسع نطاق عملها وتعدد وظائفها.

ففي عام 2017، أجرت منظمة الصحة العالمية تقييماً لنظام الإنذار المبكر في سوريا، وهو أول تقييم من نوعه منذ تأسيس النظام عام 2012 بهدف متابعة الأوبئة والاستعداد لها. وأظهر هذا التقييم أن النظام شهد توسعاً كبيراً، إذ ارتفع عدد مواقع الرصد من 104 مواقع في البداية إلى 1112 موقعاً بحلول عام 2017، من بينها 28 موقعاً في مناطق يصعب الوصول إليها، لكنها كانت تساهم في الإبلاغ عن حالات تفشي الأمراض. ويعكس هذا التطور تحسناً واضحاً في قدرة النظام على المتابعة وجمع المعلومات والاستجابة.

ومع مرور الوقت، لم يعد مفهوم الإنذار المبكر مقتصراً على الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات، بل تطور ليصبح نظاماً أشمل يُعرف بأنه “متعدد الأخطار”، يراقب أنواعاً مختلفة من التهديدات التي قد تكون مترابطة فيما بينها. ويعرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذا النوع من الأنظمة بأنه منظومة متكاملة تهدف إلى تحديد المخاطر والتنبؤ بها، ثم إصدار تحذيرات مبكرة تساعد على اتخاذ إجراءات وقائية قبل تفاقم الأزمات.

وتقوم هذه الأنظمة على أربع ركائز أساسية مترابطة. تبدأ أولاً بمعرفة المخاطر، من خلال جمع البيانات وتحليلها لفهم طبيعة التهديدات المحتملة. ثم تأتي مرحلة الرصد والتنبؤ عبر متابعة المؤشرات بشكل مستمر ووضع توقعات علمية دقيقة. يلي ذلك التواصل والإنذار الذي يركز على إيصال التحذيرات بشكل واضح وفي الوقت المناسب مع مراعاة اختلاف الظروف بين المناطق. وأخيراً تأتي الاستجابة والقدرات، وهي قدرة الجهات الرسمية والمجتمع على فهم التحذيرات والتصرف بناءً عليها، وتعد هذه المرحلة العامل الحاسم في نجاح النظام.

الواقع السوري والتحديات القائمة

تكتسب هذه الأنظمة أهمية خاصة في ظل الواقع السوري الحالي، حيث تمر البلاد بمرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها التحديات الأمنية مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ويُشار إلى هذا الواقع أحياناً بأنه بيئة “مخاطر مركبة”، حيث يمكن لأي حادث بسيط، مثل نزاع محلي أو احتجاج، أن يتطور بسرعة إلى أزمة أوسع.

وفي ظل هذا الوضع، تعمل الحكومة على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار، مع التركيز على السلم الأهلي وبناء مؤسسات قائمة على الكفاءة. إلا أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف البنية التحتية، ونقص الموارد، وهجرة الكفاءات، مما يجعل إنشاء نظام إنذار مركزي مهمة صعبة لكنها قابلة للتحقق إذا اعتمدت على أسلوب تشاركي ولا مركزي.

دور النظام في الاستقرار وفرص التطوير

يمكن لأنظمة الإنذار المبكر أن تلعب دوراً مهماً في دعم الاستقرار داخل سوريا، من خلال رصد مؤشرات التوتر المجتمعي في وقت مبكر، مثل تصاعد خطاب الكراهية أو النزاعات على الموارد، مما يتيح التدخل قبل تفاقم الأوضاع. كما أن إشراك المواطنين عبر وسائل مثل تطبيقات الهاتف أو الخطوط الساخنة يحولهم من متلقين للتحذيرات إلى شركاء في عملية الرصد والاستجابة.

إلى جانب ذلك، يساهم النظام في تحسين إدارة مختلف أنواع المخاطر، سواء كانت اقتصادية أو صحية أو بيئية. فعلى سبيل المثال، تساعد التنبؤات الجوية في حماية القطاع الزراعي، مما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاقتصادي. ومع مرور الوقت، يؤدي نجاح هذه الأنظمة إلى تعزيز ثقة المواطنين بالدولة، وهو عنصر أساسي لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل.

كان قد تم طرح فكرة لإنشاء مركز وطني للإنذار المبكر يعتمد على هيكلية تشاركية، تبدأ بوحدة مركزية في دمشق تتولى التخطيط وتحليل البيانات، تليها مراكز إقليمية في المحافظات لتكييف التحذيرات وفق طبيعة كل منطقة، وصولاً إلى لجان محلية تشارك في الرصد والاستجابة المباشرة.

ويعتمد هذا النموذج على مزيج من الوسائل البسيطة مثل الرسائل النصية والراديو، إلى جانب تقنيات حديثة مثل تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، لضمان وصول التحذيرات إلى جميع المناطق دون استثناء.

ورغم التحديات الكبيرة، مثل ضعف التمويل والبنية التحتية ونقص الكوادر، إلا أن هناك إمكانية للنجاح خصوصاً في حال وجود رغبة في تحقيق الاستقرار، وإمكانية الحصول على دعم دولي، بالإضافة إلى فرصة بناء نظام حديث من الصفر يعتمد أفضل الممارسات العالمية.

في الختام، لا يعد نظام الإنذار المبكر الجديد خطوة هامشية، خصوصاً في سوريا التي تؤثر عليها أي حادثة أو كارثة زراعية أو جوية أو حتى أمنية. لذلك يعد إصدار هذا النظام إنجازاً يُحسب لوزارة الكوارث والطوارئ، وعاملاً أساسياً في بناء الثقة بين المواطن والدولة، لكن تبقى طريقة التطبيق هي الخطوة الحاسمة في تحديد مدى نجاح النظام أو فشله، أو حاجته إلى تعديل في بعض الزوايا.

اقرأ أيضاً: في اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام.. إلى متى سيرافق الموت السوريين؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.