قال الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، إنَّ الأشهرَ الحُرُم الأربعة هي: رجب، وذو القَعْدَة، وذو الحِجَّة، والمُحَرَّم، وهذه الشهور من أحب الأزمان إلى الله تعالى، فيجب الحرص على أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، واجتناب الذنوب والمعاصي، ويستحب في هذه الشهور الإكثار من الأعمال الصالحة كالصوم والصدقة والذكر، وغيرها، فإنَّ العمل الصالح فيها له أجرٌ كبير، وفضلٌ عظيم، لفضلها عند الله سبحانه وتعالى.
جاء ذلك ردا على سؤال عن ما هي الأعمال الصالحة في الأشهر الحرم؟
فضل الأشهر الحرم
وأضاف فضيلته أن اللهُ سبحانه وتعالى، جعل عدةَ الشهور اثنَي عشر شهرًا في كتابه، واختص من بين هذه الشهور أربعةً حُرُمًا عظَّم حرمتهن، وكثَّر خيرهن، وهن: رجب، وذو القَعْدَة، وذو الحجة، والمُحَرَّم، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].
وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذو الحجة والمحرم ورجب مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وشعبان» متفق عليه.
قال الإمام النووي في “شرحه على مسلم” (11/ 168، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم الأربعة هي هذه المذكورة في الحديث] اهـ.
وقال إن معنى كونها حرمًا أنَّ المعصية فيها أشد عقابًا، والطاعة فيها أكثر ثوابًا، كما قال الإمام الرازي في “تفسيره” (16/ 41، ط. دار إحياء التراث العربي)، وقال الإمام الطبري في “تفسيره” (11/ 444، ط. دار هجر): [عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}: في كُلِّهن، ثم اختصَّ مِن ذلك أربعة أشهرٍ فَجَعَلَهن حُرُمًا، وعَظَّمَ حُرُماتِهن، وجَعَل الذنب فيهنَّ أعظم، والعمل الصالح والأجرَ أعظم] اهـ.
وأضاف: قد فضَّلَ اللهُ سبحانه وتعالى بعضَ الأزمنةِ على بعضٍ، وخص بعضَها بمزيد فضلٍ وتشريفٍ؛ لتكونَ مواسمَ للخيراتِ، ومظانَّ لاستجابةِ الدعوات، ومضاعفةِ الحسنات، والجدِّ في الطاعات، وكثرةِ فعل الخيرات، واجتناب السيئات.
ومن الأزمنة التي اختارها الله واصطفاها وعظَّمها وفضَّلها: هذه الأشهرُ الُحرُم؛ فهي من أحبِّ الأزمان إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال كعب الأحبار فيما رواه البيهقي في “شعب الإيمان” (5/ 303، ط. مكتبة الرشد).
وقال العلامة الطاهر بن عاشور في “التحرير والتنوير” (10/ 184، ط. الدار التونسية): [تفضيل الأوقات والبقاع إنما يكون بجعل الله تعالى بخبرٍ منه، أو بإطْلاعٍ على مراده؛ لأن الله إذا فضلها جعلها مظان لتطلب رضاه، مثل كونها مظان إجابة الدعوات، أو مضاعفة الحسنات] اهـ.
الإكثار من الأعمال الصالحة في الأشهر الحرم
وأوضح فضيلته أنه يستحب الإكثار من الأعمال الصالحة في هذه الشهور؛ فإن الأجر فيها مضاعف، ومن أفضل القربات المحافظة على الفرائض، وأداء الصلوات في أوقاتها؛ فهي أحب ما يتقرب به العبد إلى ربه، ففي الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ قَالَ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» أخرجه الإمام البخاري.
وينبغي اجتناب الذنوب، والبعد عن المعاصي، وعدم ظلم النفس؛ فإن الظلم في هذه الشهور أعظم خطيئة، وأشدُّ وزرًا.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي في “الفتح المبين” (ص: 589، ط. دار المنهاج): [قال قتادة: الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا، وسبقه إلى ذلك ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما] اهـ.
ومن أفضل الأعمال الصالحة الاكثار من الصيام في هذه الشهور؛ إذ هي مظان الصوم، وهي أوقات فاضلة، كما في “إحياء علوم الدين” للإمام الغزالي (1/ 237، ط. دار المعرفة).
فعن مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيَّةِ عَنْ أبيها أو عمها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمَّهَا، ثُمَّ أَرْسَلَهَا» رواه أبو داود واللفظ له، وابن ماجه.
وقد نُقل عن غير واحد من السَّلف الصالح عنايتهم بصيام الأشهر الحُرُم، وحرصهم عليها، كعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، والحسن البصري، وأبي إسحاق السَّبيعي، وكان الإمام الثَّوري يقول: “الأشهر الحُرم أحب إليَّ أن أصوم فيها”. يُنظر: “لطائف المعارف” للحافظ ابن رجب (ص: 119، ط. دار ابن حزم)، و”شرح سنن أبي داود” للإمام شهاب الدين بن رسلان (10/ 533، ط. دار الفلاح).
وعن أبي الْأَحْوَصِ الكوفي قال: قَالَ لَنَا أَبُو إِسْحَاقَ السبيعي: «إِنِّي لَأَصُومُ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ»، كما في “مسند ابن الجعد” (ص: 75، ط. مؤسسة نادر).
وقد تطابقت أقوال الفقهاء من المذاهب الفقهية الأربعة على استحباب ذلك.
جاء في “الفتاوى الهندية” (1/ 202، ط. دار الفكر) ما نصه: [(المرغوبات من الصيام أنواع) أولها: صوم المحرم والثاني: صوم رجب] اهـ.
وقال العلامة ابن رشد الجد في “المقدمات الممهدات” (1/ 242، ط. دار الغرب الإسلامي): [وصيام الأشهر الحرم أفضل من غيرها] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني في “مغني المحتاج” (2/ 187، ط. دار الكتب العلمية): أفضل الشهور للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم] اهـ.
وقال العلامة المَرْدَاوي في “الإنصاف” (3/ 347، ط. مطبعة السنة المحمدية): [قال ابن الجوزي في كتاب أسباب الهداية: يستحب صوم الأشهر الحرم وشعبان كله، وهو ظاهر ما ذكره المجد في الأشهر الحرم، وجزم به في “المستوعب”] اهـ.
ومن الأعمال الصالحة أيضًا التي ينبغي الإكثار منها في هذه الشهور: كثرة ذكر الله سبحانه وتعالى؛ فإنه من أعظم أبواب الوصول إلى الله، وقد تواردت نصوص الذكر الحكيم والحديث الشريف على فضل ذكر الله تعالى في كل الأوقات، وعلى كل حال، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١].
قال العلامة الخطيب الشربيني في “السراج المنير” (3/ 254، ط. مطبعة بولاق): [أي: بالليل والنهار، والبر والبحر، والصحة والسقم، في السر والعلانية، وقال مجاهد: الذكر الكثير: أن لا ينساه أبدًا، فيعم ذلك سائر الأوقات] اهـ.
وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى» أخرجه الترمذي واللفظ له، وابن ماجه.
ويؤخذ من استحباب الفقهاء للصوم في هذه الشهور وعناية السلف الصالح بها: ثبوت فضل الأعمال الصالحة في هذه الأشهر الحرم: من صيام، وصدقة، وذكر لله تعالى، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وكثرة النوافل فيها؛ فإن الأجر فيها مضاعف، والعمل الصالح فيها أرجى للقبول، لشرف الزمان، ولعِظم فضلها عند الله سبحانه وتعالى، وكونها من أحب الأيام إليه سبحانه وتعالى.
أحب الأزمان إلى الله تعالى
واختتم فضبلته بأنه بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنَّ الأشهرَ الحُرُم الأربعة هي: رجب، وذو القَعْدَة، وذو الحجة، والمُحَرَّم، وهذه الشهور من أحب الأزمان إلى الله تعالى، فيجب الحرص على أداء الصلوات المفروضة في أوقاتها، واجتناب الذنوب والمعاصي، ويستحب في هذه الشهور الإكثار من الأعمال الصالحة، كالصوم والصدقة والذكر، وغيرها، فإنَّ العمل الصالح فيها له أجرٌ كبير، وفضلٌ عظيم، لفضلها عند الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى أعلم.
اقرأ أيضا:
كيف تغتنم شهر ذي القعدة في الطاعات؟.. وزارة الأوقاف توضح
حكم الحج عن الأب المتوفى.. مجمع البحوث الإسلامية يوضح
حكم نشر خصوصيات الحياة الزوجية.. مركز الأزهر للفتوى يجيب
حكم لمس الممرضة للمريض والطبيب للمريضة.. دار الإفتاء توضح
فضائل محافظة المسلم على وضوءه دائما.. دكتور شوقي علام يوضح
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف 17 أبريل 2026م ـ 29 شوال 1447هـ
حكم الاحتفال بشم النسيم.. دار الإفتاء توضح
حكم وصية الأب لابنته الوارثة.. دار الإفتاء توضح
حكم تفضيل بعض البنات في الهبة.. دار الإفتاء توضح
أحكام الصلاة على الكرسي، الأزهر للفتوى يوضح
المصدر : وكالات