اقتصاد

تقييد أم تنظيم؟ ما مصير منصات التواصل الاجتماعي في سوريا؟

تقييد أم تنظيم؟ ما مصير منصات التواصل الاجتماعي في سوريا؟

بقلم: ديانا الصالح

أثارت تصريحات وزير الاتصالات السوري حول التوجه نحو تنظيم منصات التواصل الاجتماعي في سوريا موجة جدل واسعة بين الأوساط الشعبية والتقنية، حيث فتحت الباب أمام عدة تأويلات في ظل غياب توضيح كافٍ للإطار العام لهذا التنظيم، وما إذا كان تقنياً أم رقابياً.

ووفقاً لرؤية الوزارة، ينطلق هذا التوجه من أهمية هذا القطاع على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والحوكمة، لتحقيق عدة أهداف مُعلنة أبرزها تعزيز الاستفادة من تلك المنصات والحدّ من مخاطرها، بما يحقق توازناً بين الاستخدام الواسع لها وضبطها.

ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه البيئة الرقمية السورية من تحديات متعددة، من بينها ضعف البنية التحتية للإنترنت، وارتفاع التكاليف مقابل خدمة يصفها مستخدمون بالمتردية، إضافة إلى محدودية الخدمات الرقمية الحكومية، وغموض القوانين الناظمة، فضلاً عن اضطراب الأمن السيبراني.

وفي هذا السياق، تُطرح عدة تساؤلات ملحة: ما هو المسار الذي تعنيه الوزارة بالتنظيم؟ وماذا عن الأولويات، التي يشدد عليها مراقبون عبر لفت النظر إلى أهمية معالجة الإشكاليات المذكورة أعلاه، قبل المضي في مسألة تنظيم المنصات، التي تتطلب بيئة رقمية مستقرة وفقاً لما يراه خبراء وناشطون محليون.

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

تنظيم منصات التواصل الاجتماعي في سوريا

أعلن وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل، التخطيط لتنظيم منصات التواصل الاجتماعي في سوريا بالتنسيق مع الجهات الحكومية، لتعزيز الاستفادة منها والحد من مخاطرها وسط الاستخدام المحلي المتزايد لها.

ويوضح هيكل أن الحاجة للتنظيم تنبع من حجم الإنترنت الواسعة عبر هذه المنصات في سوريا، والتي تُقدر بنحو 55 إلى 60% من إجمالي حركة الإنترنت، مشيراً إلى أنها نسبة مرتفعة مقارنة بالاستخدام العالمي.

وعن أهمية هذا القطاع، يؤكد هيكل أنه يمثل ركيزة رئيسية للتجارة الإلكترونية من خلال ربط المنتج والسوق بالمستهلك، كما أنه وسيلة للتعبير عن الآراء وقناة لتواصل المواطن مع الجهات الحكومية سواء من حيث نقل المطالب أو إبداء الملاحظات.

وعلى الرغم من غياب التوضيح حول ماهية التنظيم، إلا أن التصريح سرعان ما قسم الشارع السوري إلى قسمين، الأول يراه ضرورة لا بد منها في ظل تصاعد عمليات الاحتيال الإلكتروني وخطاب الكراهية إلى جانب فوضى الشائعات، فيما يعتقد التيار الآخر أنه ملغوم ولا يمكن تطبيقه على المستوى التقني لغياب التشريعات والقوانين الناظمة، وضعف البنية التحتية الرقمية وعدم وجود أدوات متقدمة قادرة على تطبيق التنظيم بفعالية في ظل نقص الخبرات التقنية.

وفي هذا الصدد، يرى الخبير التقني جميل طويلة، أن هذا الاتجاه غير قابل للتطبيق العملي من الناحية التقنية، نتيجة لغياب الأطر والقوانين الواضحة التي يجب أن تصدر عن مجلس الشعب وهو غير مُنعقد حتى اليوم، إضافة إلى الحاجة إلى وسائل تقنية متقدمة للحماية الشبكية التي تعمل على فلترة البيانات وغيرها من الأمور التي يصعب على الكادر الحالي التعامل معها، فضلاً عن عدم القدرة على التواصل مع إدارة هذه المنصات.

ويوضح طويلة أن وزارة الاتصالات لم تستطع إلى الآن تحديث موقعها الإلكتروني، مما يعكس صعوبة قدرتها على التعامل مع تنظيم منصات عالمية تنفق مليارات الدولارات لتحديث بنيتها التقنية.

ماذا عن الأولويات؟

يشكك ناشطون محليون في النسبة التي صرحت بها وزارة الاتصالات، بسبب عدم توضيح الآلية والمعايير المعتمدة في احتسابها، ويشير هؤلاء إلى أن أي دراسة في هذا المجال تعتمد على مجموعة من المقاييس المختلفة، مثل حجم استهلاك البيانات أو عدد المستخدمين أو التوقيت المستغرق، مما يؤدي إلى نتائج متباينة، ولكن تقاطع مؤشراتها قد يفضي في الغالب إلى استنتاج عام ونسبة متقاربة حول الاستخدام.

فيما يناقش متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي مسألة الأولويات التي يجب على الوزارة أن تضعها في الحسبان وفقاً لرأيهم، مثل ضعف شبكة الإنترنت وارتفاع أسعار الباقات وسط تردي البيئة الرقمية، مستنكرين حال الوعود المؤجلة التي لم تجد طريقها للتنفيذ بعد مثل توسيع خدمة الفايبر، وتحسين خدمات الشبكة.

علاوة على ذلك، يرى الخبير طويلة أنه من الأجدى التوجه نحو تعزيز الأمن السيبراني بعد موجة الاختراقات التي طالت مواقع حكومية، مشيراً إلى أهمية التطرق لهذه المسألة قبل التوجه نحو تنظيم منصات التواصل الاجتماعي في سوريا، نتيجةً لحساسية الموضوع وارتباطه بأمن المعلومات الوطني.

تنظيم أم رقابة صارمة؟

توجد عدة تجارب خارجية في تنظيم منصات التواصل الاجتماعي، ولكنها تعتمد على مقومات تقنية وتشريعية متقدمة تتيح لها إدارة هذا التنظيم، وتحقيق التوازن بين حرية الاستخدام وضبط المحتوى وتعزيز الأمن الرقمي.

وتتباين تلك التجارب بين التنظيم التقني والرقابي، ففي الاتحاد الأوروبي يوجد قانون الخدمات الرقمية (DSA) الذي يهدف إلى خلق بيئة إلكترونية آمنة للمستخدمين والشركات على حدّ سواء، عبر مجموعة من القواعد المصممة لذلك، وهي تعمل على مساءلة الشركات لضمان الشفافية ومنع تداول المختوى غير القانوني.

أما التجربة الصينية فتقوم على فرض نموذج رقابي صارم للفضاء الرقمي، سواء من حيث النشر أو عرض المواد الإلكترونية، كما أنها تقوم بحجب عدة أحداث عن التغطية الإعلامية، كما تتضمن الرقابة الصينية حجب عدة مواقع إلكترونية وألعاب فيديو، ويُعرف النظام باسم “سور الحماية العظيم للصين”، وهو عبارة عن منظومة تشريعية وتقنية متكاملة لإدارة تدفق المعلومات في الفضاء الرقمي الصيني.

دراسة حديثة

تشير دراسة حديثة منشورة بعنوان “إدارة وسائل التواصل الاجتماعي كخدمة عامة” إلى أن بعض النماذج التجارية لهذه المواقع قد تُسهم في انتشار معلومات مضللة وتعزز من الاستقطاب المجتمعي نحوها، نتيجة لأولوية الخوارزميات للمحتوى الأكثر جذباً والاعتماد على التفاعل كمصدر للربح.

وتوضح الدراسة أن قانون الخدمات الرقمية في الاتحاد الأوروبي والمادة (230) في الولايات المتحدة الأمريكية، يضعان أطراً تنظيمية محددة لتنظيم مسؤولية إدارة المحتوى، وذلك عبر فرض التزامات تنظيمية على الشركات في أوروبا، ومنح حماية قانونية للمنصات في أمريكا.

وتقترح الدراسة إعادة التفكير في مسألة حوكمة هذه المنصات من خلال اعتبارها بنية تحتية رقمية ذات طابع خدمي عام، مع تعزيز الشفافية والإشراف الديمقراطي على خوارزميات المحتوى.

يمكننا الاستنتاج من الدراسة السابقة أهمية الانطلاق من التشريعات والقوانين الواضحة التي تحدد المُستهدف من تنظيم منصات التواصل الاجتماعي في سوريا، المواطن أم الجهات الحكومية أم الشركات، إلى جانب أهميتها في توضيح شكله وشرعيته، وهذا الأساس الذي تفتقر البلاد إليه حالياً وفقاً لرؤية خبير الأمن السيبراني جميل طويلة.

يبدو أن وزارة الاتصالات على موعد مع اختبار الثقة واستحقاق الجدارة عبر القرارات المُرتقبة مع إعلان العمل على تنظيم منصات التواصل الاجتماعي في سوريا، فيما تطرح النماذج التنظيمية التي تعتمدها الدول الأخرى تساؤلاً مهماً حول طبيعة الإطار الذي يمكن تبنيه، وما إذا كان يتجه نحو تعزيز الاقتصاد والتجارة الرقمية مع تقليل المخاطر أو تقييد مساحات التعبير كنوع من الأمن الرقمي.

اقرأ أيضاً: وزارة الاتصالات تلغي التراخيص المسبقة لتطبيقات الخدمات الرقمية

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.