الكاتب: أحمد علي
لم تعد حسياء مجرد اسم على طرف الخريطة الصناعية السورية، فالأرقام التي خرجت من المدينة هذا الأسبوع تقول شيئاً آخر. هناك حركة فعلية على الأرض، وطلبات تتقدم، ومقاسم تُعرض، ومستثمرون يعودون أو يدخلون للمرة الأولى، وبينهم استثمار صيني في صناعة الحديد. هذا لا يكفي وحده للقول إن الصناعة السورية دخلت طوراً جديداً كاملاً، لكنه يكفي للقول إن المشهد تغيّر، وأن حسياء باتت تُستخدم اليوم بوصفها اختباراً عملياً لما إذا كانت البلاد قادرة على تحويل خطاب التعافي إلى إنتاج، لا إلى وعود إضافية فقط.
حسياء على خط التوسّع الصناعي
الخبر المباشر واضح. إدارة المدينة الصناعية في حسياء طرحت خلال نيسان الحالي إعلان اكتتاب يضم 76 مقسماً للاستثمار، فتقدم 16 مكتتباً جديداً، بينهم استثمار صيني لصناعة الحديد. باب الاكتتاب فُتح في 13 نيسان ويستمر حتى 30 منه، وفق رئيس دائرة الاستثمار في المدينة سمير منصور، الذي قال إن المقاسم المطروحة مخدمة بالكامل بالكهرباء والمياه والصرف الصحي، وجاهزة لاستقبال صناعات غذائية وهندسية وكيميائية ونسيجية، صغيرة ومتوسطة وكبيرة.
وفي توزيع الاكتتابات الحالية، سجلت خمس منشآت غذائية، وثماني منشآت هندسية، وثلاث منشآت كيميائية، مع تقدير بأن توفر هذه المشاريع أكثر من 1100 فرصة عمل.
هذه الأرقام مهمة، لكن معناها لا يظهر في عدد المكتتبين وحده. الأهم هو ما تقوله عن اتجاه الإدارة الصناعية نفسها. فحين يُطرح هذا العدد من المقاسم دفعة واحدة، ويجري الحديث عن جاهزية البنية التحتية وتسهيلات الدفع وتقسيط القيمة على خمس سنوات، فهذا يعني أن حسياء لم تعد تتعامل مع الاستثمار باعتباره ملفاً إدارياً ساكناً، بل باعتباره أداة لجذب الرساميل، المحلية والخارجية، إلى بيئة تريد إقناع المستثمر بأن الدخول الآن أقل كلفة من الانتظار.
هنا تظهر المسألة الأساسية. ما يجري في حسياء ليس طفرة صناعية مكتملة، بل محاولة منظمة لتخفيض عتبة الدخول. الإدارة تقول إن الدفعة الأولى خُفضت من 25 بالمئة في النظام السابق إلى 5 بالمئة فقط، مع تقسيط الباقي، وإعفاءات جمركية على الآلات المستوردة، وحوافز يتيحها قانون الاستثمار الجديد.
هذا النوع من التسهيلات لا يصنع صناعة بمفرده، لكنه يغير حسابات المستثمر. والرسالة التي تبعثها المدينة واضحة: الأرض موجودة، والخدمات الأساسية جاهزة، والكلفة الأولية أخف، والقرار السياسي يميل إلى فتح الباب لا إلى تضييقه.
10 تراخيص إدارية لمنشآت صناعية جديدة
لكن الصورة لا تُقرأ من خبر واحد. قبل أسابيع فقط، كانت إدارة المدينة نفسها تعلن منح 10 تراخيص إدارية لمنشآت صناعية جديدة منذ بداية العام، بإجمالي رأسمال بلغ 33 مليار ليرة سورية، مع وجود 65 طلباً آخر قيد الدراسة للحصول على تراخيص إدارية. هذا يضيف طبقة ثانية إلى المشهد.
المسألة لا تتعلق بالاكتتاب على المقاسم فقط، بل بحركة ترخيص فعلية تسبق الإنتاج. أي أن حسياء لا تستقبل طلبات نظرية وحسب، بل تعبر جزءاً من الطلب إلى مسار إداري تنفيذي، حتى لو كان هذا المسار ما يزال في بدايته.
ومن زاوية أوسع، تبدو حسياء جزءاً من مشهد وطني أكبر. في مطلع آذار، تحدثت المعطيات الرسمية عن نحو 11 ألف مستثمر في المدن الصناعية السورية، بينهم 294 مستثمراً أجنبياً. والرقم، بصرف النظر عن التفاوت بين المدن والمشاريع، يدل على أن الرهان الرسمي يتجه بوضوح إلى المدن الصناعية بوصفها الحاضنة الأكثر قابلية لتنظيم الاستثمار، وضبطه، وتقديمه بصورة أكثر إقناعاً للشركاء المحليين والخارجيين.
حسياء هنا ليست استثناءً منفصلاً، لكنها تبدو من بين أكثر الحالات وضوحاً، لأنها تجمع بين التوسع في المقاسم، وعودة منشآت متوقفة، ودخول طلبات جديدة، وظهور استثمار أجنبي في قطاع ثقيل نسبياً مثل الحديد.
وهذا بالتحديد ما يمنح الاستثمار الصيني وزنه الرمزي. لا لأن المعطيات المعلنة تكشف حتى الآن حجمه التفصيلي أو طاقته الإنتاجية أو أثره الفوري في السوق، بل لأن دخوله إلى صناعة الحديد داخل مدينة صناعية سورية يعني أن الحديث لم يعد محصوراً بمنشآت خفيفة أو ورش صغيرة فقط. صناعة الحديد تقع في قلب أي تصور جدي لإعادة البناء والتوسع الصناعي، لأنها ترتبط بسلاسل طويلة من الطلب، من البناء إلى البنية التحتية إلى الصناعات التحويلية. لذلك فإن مجرد ظهور استثمار أجنبي في هذا القطاع يلفت النظر إلى أن حسياء تحاول أن تقدم نفسها ليس فقط كموقع لتجميع منشآت متفرقة، بل كبيئة يمكن أن تستقبل أنشطة أعلى كلفة وأكثر حساسية.
ومع ذلك، فالمبالغة هنا ستكون خطأً. تخصيص المقاسم لا يساوي بدء الإنتاج، والتراخيص لا تعني أن المصانع أصبحت تعمل بكامل طاقتها، وإعلان التسهيلات لا يضمن وحده استمرار المستثمر.
التوسع الصناعي
المادة التوضيحية التي نشرتها سانا في تشرين الثاني الماضي عن دورة حياة المشروع الصناعي في المدن الصناعية تُظهر أن المسار الفعلي يبقى مشروطاً بسلسلة من الخطوات، من قرار التخصيص إلى رخص البناء ثم المباشرة، وصولاً إلى وضع المنشأة في الإنتاج خلال سنة ونصف وفق النظام الجديد. هذه النقطة ضرورية، لأن الأزمة الصناعية السورية لم تكن، ولا تزال، أزمة أراضٍ فقط، بل أزمة تمويل وطاقة ونقل وأسواق وتصريف وقنوات مصرفية ويد عاملة ماهرة أيضاً.
لهذا يبدو السؤال الأهم في حسياء اليوم مختلفاً قليلاً عن العنوان المباشر للخبر. المسألة ليست فقط لماذا دخل 16 مكتتباً جديداً، بل هل تستطيع المدينة تحويل هذا الإقبال إلى دورة إنتاج مستقرة. فالتجربة السورية خلال السنوات الماضية عرفت فجوات واسعة بين الإعلان والتنفيذ.
هناك مشاريع تُعلن وتتباطأ، ومقاسم تُخصص ولا تتحول سريعاً إلى مصانع، ومنشآت تبدأ ولا تصل إلى طاقتها المتوقعة بسبب الكهرباء أو التمويل أو ضعف الطلب. وإذا كانت حسياء تريد أن تقدم نفسها بوصفها رأس حربة في التوسع الصناعي، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المكتتبين وحده، بل في عدد المنشآت التي ستدخل فعلاً إلى السوق خلال العامين المقبلين.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل التحول في اللغة والأرقام معاً. رئيس دائرة الاستثمار تحدث عن تخصيص 71 مستثمراً بعد التحرير، بينهم أصحاب منشآت متوقفة عادت إلى عجلة العمل والإنتاج. ووزير الاقتصاد والصناعة كان قد قال في كانون الثاني إن البلاد أعادت تشغيل مئات المصانع وعادت فيها آلاف الورش إلى العمل، مع ترخيص 3560 منشأة صناعية جديدة، وإدخال خطوط إنتاج حديثة إلى مدن صناعية بينها حسياء. هذه المعطيات لا تكفي وحدها للحكم على عمق التعافي، لكنها تكفي للقول إن الصناعة عادت إلى موقع متقدم في الخطاب الاقتصادي الرسمي، وإن المدن الصناعية باتت الحقل الذي تريد الحكومة عبره إظهار هذا التعافي بصورة قابلة للقياس.
لهذا، فإن ما يجري في حسياء يحمل معنيين في وقت واحد. الأول مباشر، ويتعلق بتوسيع قاعدة المستثمرين ورفع عدد المشاريع المنتظرة وتخفيف شروط الدخول إلى السوق. والثاني أعمق، ويتعلق بمحاولة إعادة تعريف المدينة الصناعية السورية نفسها، من مساحة تنظيمية جامدة إلى منصة لإعادة تنشيط الإنتاج وجذب رأس المال وربط الاستثمار المحلي بالأجنبي. نجاح هذا المسار ليس مضموناً بعد، لكنه لم يعد فكرة مجردة. صار له عدد من المقاسم، وعدد من الطلبات، ورأسمال معلن، وفرص عمل متوقعة، ومؤشر أجنبي لافت في قطاع الحديد.
هذا هو المعنى الفعلي للخبر. حسياء لا تقول إن الصناعة السورية تعافت، ولا إن الطريق صار سهلاً. هي تقول شيئاً أكثر تواضعاً، وربما أكثر أهمية. تقول إن هناك محاولة جدية لفتح الباب، وإن السؤال لم يعد هل يمكن تحريك الاستثمار الصناعي، بل كم من هذا التحريك سيصمد حين يخرج من الورق إلى المعمل، ومن المقسم إلى خط الإنتاج.
اقرأ أيضاً: من قلب سوريا: هكذا تتحول حسياء إلى وجهة المستثمرين الأهم!