بقلم هلا يوسف
يتجه الصناعيون في حلب إلى مواجهة ظروف صناعة الألبسة المعقدة التي لطالما كانت قطاعاً مهماً من قطاعاتها الإنتاجية. لذلك جاءت أبرز هذه المحاولات عبر افتتاح معرض “خان الحرير” التخصصي للألبسة الرجالية (صيف 2026) ليشكل محطة جديدة ضمن هذا المسار، من خلال جمع الصناعيين والتجار تحت سقف واحد، وإعادة ربط حلقات الإنتاج بالسوق.
وقد شارك في فعاليات المعرض نحو 40 شركة وطنية خاصة بصناعة الألبسة. وتخطى هدف المعرض ربط المنتج بالمستهلك، ليركز على إعادة الثقة بالمنتج الوطني الذي غاب عن الأسواق السورية.
جاء هذا المعرض برعاية محافظة حلب وتنظيم غرفة الصناعة، وشهد حضوراً كبيراً من قبل الصناعيين والتجار وأصحاب المحال التجارية القادمين من مختلف المحافظات. بينما احتضن فندق شيراتون حلب أقسام المعرض.
وقد بدا واضحاً أن المعرض لا يقتصر على كونه مساحة عرض، بل يمثل منصة اقتصادية وتسويقية تهدف إلى إعادة بناء الثقة بالمنتج الوطني، في وقت يسعى فيه القطاع إلى تجاوز تحديات متراكمة أثرت على إنتاجه وقدرته التنافسية خلال السنوات الماضية.
المعرض كخطوة لإعادة إحياء الصناعة المحلية
من خلال الجولة على أجنحة الشركات المشاركة، برزت مؤشرات واضحة على تطور الصناعة المحلية، سواء من حيث جودة الأقمشة أو التصاميم الحديثة التي أصبحت تواكب الاتجاهات العالمية في عالم الأزياء الرجالية. هذا التطور لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم خبرات صناعية طويلة في مدينة حلب التي تعد مركزاً رئيسياً لصناعة النسيج في سوريا.
وأوضح عضو المكتب التنفيذي في محافظة حلب لقطاع الصناعة المهندس يوسف الشبلي أن الإقبال الكبير على المعرض يعكس ثقة متجددة بالمنتج المحلي، مشيراً إلى أن الصناعة الحلبية بدأت تستعيد تدريجياً مكانتها المعروفة بعد سنوات من التراجع. بينما أكد أن قطاع الألبسة الجاهزة يمتلك قدرة حقيقية على المنافسة في الأسواق الإقليمية وحتى الأوروبية، لكن بشرط استمرار الدعم وتوفير بيئة إنتاج مناسبة، معتبراً أن إقامة مثل هذه المعارض تشكل خطوة أساسية في هذا الاتجاه.
بينما أشار رئيس غرفة صناعة حلب عماد طه قاسم إلى أن المعرض يعد من أهم الفعاليات المتخصصة في قطاع الألبسة الجاهزة، وأوضح أنه يندرج ضمن خطة الغرفة الهادفة إلى دعم الصناعة الخاصة والترويج للمنتج الوطني، إضافة إلى فتح قنوات تسويق جديدة تساعد في توسيع انتشار المنتج السوري.
كما لفت إلى استقطاب أكثر من 800 زائر من مختلف المحافظات، حيث تم تأمين وسائل نقل خاصة لهم بهدف تسهيل الحضور وتنشيط الحركة التجارية داخل المعرض.
التحديات الاقتصادية ودور المعارض في دعم التعافي
يواجه قطاع الألبسة الجاهزة تحديات اقتصادية كبيرة تؤثر على استقراره وقدرته على زيادة إنتاجيته بالرغم من الإيجابيات التي يعكسها المعرض. ومن أبرز هذه التحديات ارتفاع تكاليف الإنتاج خصوصاً المتعلقة بأسعار الطاقة والمواد الأولية، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار المنتج النهائي في بعض الحالات.
هذا الواقع دفع المستهلكين إلى التوجه نحو المنتجات المستوردة الأرخص سعراً، بالرغم من أن المنتجات المحلية غالباً ما تتميز بجودة أعلى وتصاميم تتناسب مع الذوق المحلي. وهنا تبرز أهمية إعادة التوازن بين السعر والجودة لضمان استعادة الحصة السوقية للمنتج السوري.
وتعقيباً على ذلك، يشير صناعيون إلى أن دعم المعارض الخاصة يشكل أحد الأدوات الفعالة لتعزيز حضور المنتج المحلي، من خلال خلق مساحة مباشرة للتواصل بين المنتج والتاجر، وتقليل حلقات الوساطة، مما يساهم في تحسين التسويق وتحريك عجلة البيع.
وقد أكد عدد من المشاركين في المعرض، من بينهم هيثم الكنج، أن الهدف من المشاركة هو إيصال رسالة واضحة بأن الصناعة السورية ما تزال قادرة على التطور والاستمرار، بل ومواكبة التغيرات في السوق من حيث التصميم والجودة.
بينما أشار تجار مشاركون مثل محمد سليمان من مدينة بانياس إلى أن المعرض تميز بحسن التنظيم وتنوع المعروضات، معتبراً أن جودة الألبسة والأقمشة المعروضة أصبحت تضاهي المنتجات المستوردة، سواء من حيث الشكل أو المتانة أو التصاميم الحديثة.
كما يرى مدير إحدى شركات تنظيم المعارض وسيم ناشد أن هذا النوع من الفعاليات يسهم بشكل مباشر في دعم الصناعيين، خاصة في ظل المنافسة القوية في السوق، وأكد أن الأسعار المطروحة خلال المعرض جاءت مناسبة وحققت قبولاً لدى الزوار.
نحو رؤية أوسع لتعافي القطاع الصناعي
لا يمكن فصل معرض “خان الحرير” عن محاولات إعادة تنشيط القطاع الصناعي في حلب الذي يشهد حالة تعافٍ تدريجي رغم استمرار التحديات. فعودة النشاط إلى المدينة الصناعية في الشيخ نجار، ودخول مئات المنشآت مرحلة الإنتاج خلال عام 2025، يعكس بداية تحول تدريجي في المشهد الصناعي، عدا عن أن الخطط المستقبلية التي تتضمن تطوير البنية التحتية وتنفيذ مشاريع جديدة خلال عام 2026، تشير إلى توجه واضح نحو إعادة بناء قاعدة صناعية أكثر استقراراً واستدامة.
وجاءت خطوة المعرض بالتزامن مع تأكيد الجهات المعنية أن قطاع النسيج يحتل أولوية ضمن خطط التحفيز الاقتصادي، مع التركيز على إزالة العقبات أمام الصناعيين، سواء من خلال دعم الطاقة أو تحسين بيئة الاستثمار أو تسهيل عمليات التصدير.
غير أن الصناعيين يرون أن التعافي الحقيقي يتطلب معالجة أعمق لبعض الملفات، مثل النظام الضريبي والرسوم الجمركية، إضافة إلى ضبط كلفة الإنتاج المرتبطة بالطاقة والخيوط والأقمشة، بما يضمن قدرة المنتج المحلي على المنافسة بشكل فعلي.
في الختام، يبدو أن معرض “خان الحرير” لا يقتصر على كونه فعالية تجارية عادية، بل خطوة في طريقٍ طويل نحو استعادة حلب موقعها على الخريطة الاقتصادية. ليكون قطاع الألبسة من أوائل القطاعات المعقود عليها الأمل في التعافي السريع، ودعم الاقتصاد المحلي في حال توافر الدعم الحكومي في جميع المراحل.
اقرأ أيضاً: ربط المصرف المركزي السوري بالتركي: من الرابح والخاسر في هذا القرار؟