صحة و جمال

خطة القمح في سوريا 2026.. بين الطموح الحكومي وحدود الواقع

خطة القمح في سوريا 2026.. بين الطموح الحكومي وحدود الواقع

بقلم: ريم ريّا

في سوريا، يعتبر القمح أكثر من مجرد محصول زراعي. فهو مؤشر مباشر على حالة الاقتصاد، وركيزة أساسية للأمن الغذائي، ودليل على قدرة البلاد على إدارة مواردها في ظل بيئة سياسية واقتصادية ومناخية صعبة. بعد إعلان وزارة الزراعة في نيسان 2026 عن إنجاز 86% من خطة زراعة القمح، مع تقدير حصاد يبلغ 2.3 مليون طن، عاد النقاش ليثار حول جدوى هذه الخطط وقدرتها على سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحليين، لا سيما في ظل الانخفاض الحاد في الإنتاج مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2011، والتي تجاوزت الآن 4 ملايين طن سنوياً. تعكس هذه الأرقام الجديدة جهداً معقداً لإعادة التوازن، لكنها تسلط الضوء أيضاً على حجم التحديات الهيكلية التي تحول دون تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل.

قراءة في الأرقام… تحسن نسبي أم تعافٍ فعلي؟

بحسب الإحصاءات الرسمية، بلغت المساحة المخططة لزراعة القمح في موسم 2026 حوالي 1.4 مليون هكتار، منها 640 ألف هكتار مروية و830 ألف هكتار غير مروية، بينما بلغت المساحة المزروعة فعلياً 1.2 مليون هكتار، أي ما يعادل 86%. يبدو هذا الرقم واعداً ظاهرياً، ولكنه يخفي فجوة كبيرة بين الزراعة المروية (79% نسبة التنفيذ) والزراعة البعلية (92% نسبة التنفيذ). تعكس هذه الفجوة الاعتماد المتزايد على الأمطار بدلاً من البنية التحتية المائية المستدامة.

علاوةً على ذلك، لا يزال الإنتاج المتوقع (2.3 مليون طن) أقل من الهدف (2.8 مليون طن)، مما يعني أن حتى أكثر السيناريوهات الحالية تفاؤلاً لا تفي بالخطة. ورغم أن العديد من المحافظات شهدت تحسناً في هطول الأمطار هذا الموسم، إلا أن هذا التحسن يعود إلى عوامل خارجية لا تضمن استدامته. وهذا ما يجعل “النجاح” الحالي هشاً وعرضة للزوال في حال حدوث أي جفاف مستقبلي. باختصار، نحن نشهد تحسناً مؤقتاً بدلاً من انتعاش هيكلي.

اقرأ أيضاً: الحسكة: حين تصبح ساعة الري أغلى من سنبلة القمح..

مضمون الخطة الزراعية… أدوات الدعم وحدود التأثير

يعتمد برنامج زراعة القمح في سوريا على أدوات حكومية متنوعة، أبرزها مشروع “القرض بدون فوائد” الذي أطلق أواخر عام 2015. يهدف هذا المشروع إلى دعم المزارعين بالبذور والأسمدة وتمويل زراعة ما يقارب 300 ألف هكتار من الأراضي. إضافةً إلى ذلك، تم استحداث منصة إلكترونية لتحسين عمليات الحصاد ورفع كفاءة التسويق.

تمثل هذه الإجراءات تقدماً نحو تحديث الإدارة الزراعية وتخفيف الأعباء عن المزارعين، إلا أن تأثيرها سيظل محدوداً، لا سيما في غياب إصلاحات جذرية للبنية التحتية في مجالات الري والطاقة والنقل. علاوةً على ذلك، يثير الاعتماد على الدعم الحكومي المباشر تساؤلات حول استدامة التمويل في ظل الضغوط الاقتصادية الكبيرة. من جهة أخرى، يعد إدخال الأدوات الرقمية، كالمنصة الإلكترونية، خطوةً تقدمية نسبياً، إلا أنها محفوفة بالتحديات نتيجةً لعدم تكافؤ فرص الوصول إلى التكنولوجيا في المناطق الريفية، مما قد يحدّ من فعاليتها على المدى القصير.

الأهداف الاستراتيجية… الأمن الغذائي أم إدارة الأزمة؟

تهدف خطة وزارة الزراعة للفترة 2026- 2030 إلى تحقيق عدد من الأهداف، أبرزها تعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وزيادة غلة المحاصيل من خلال أصناف محسّنة مقاومة للجفاف والأمراض.

كما تتضمن الخطة الانتقال إلى الزراعة الذكية مناخياً وزيادة مشاركة القطاع الخاص. مع ذلك، يظهر تحليل هذه الأهداف أنها تسهم في إدارة الأزمة بدلاً من حلها. لا تزال سوريا تعتمد بشكل كبير على واردات القمح، حيث استوردت نحو 1.3 مليون طن على متن 57 سفينة منذ التحرير، ووصلت مؤخراً شحنة تقدر بنحو 70 ألف طن إلى ميناء طرطوس.

هذا يعني أن الإنتاج المحلي، رغم التحسينات، لا يلبي الطلب، وأن الأمن الغذائي لا يزال يعتمد على عوامل خارجية كالأسواق العالمية والتمويل والاستقرار السياسي. لذا، فبينما تمثل الخطة خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى التحول الاستراتيجي الشامل.

التحديات والغاية النهائية… بين المناخ والاقتصاد والسياسة

يواجه مشروع زراعة القمح في سوريا تحديات معقدة، تتراوح بين تغير المناخ، الذي تسبب في فيضانات في بعض المناطق نتيجة الأمطار الغزيرة هذا الموسم، إلى مشاكل اقتصادية كارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض القدرة الشرائية للمزارعين. وتؤثر العوامل السياسية بشكل غير مباشر على قدرة البلاد على تأمين موارد الإنتاج أو استيراد القمح عند الضرورة.

في هذا السياق، لا ينبغي فهم الهدف النهائي للمشروع على أنه اكتفاء ذاتي كامل على المدى القصير، بل كمحاولة لتحقيق توازن بين الإنتاج المحلي والواردات. الهدف الحقيقي هو الحد من نقص الغذاء وزيادة قدرة القطاع الزراعي على الصمود في وجه الأزمات المناخية أو الاقتصادية. وهذا يقودنا إلى حقيقة ربما لا يرغب أحد في الاعتراف بها علناً، في سوريا، لم يعد القمح مجرد محصول، بل أصبح قضية سيادية معقدة، وكل سنبلة قمح تمثل جزءاً من معادلة الاستدامة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.